الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / الكامل في التاريخ / الجزء الثامن / ثم دخلت سنة ثلاث وثلاين وأربعمائة
44

ثم دخلت سنة ثلاث وثلاين وأربعمائة

الجزء الثامن 5 عنصر صفحة 248
ذكر وفاة علاء الدولة بن كاكويه ص 248

في هذه السنة في المحرم توفي علاء الدولة أبو جعفر بن دشمنزيار المعروف بابن كاكويه بعد عوده من بلد أبي الشوك وإنما قيل له كاكويه لأنه ابن خال مجد الدولة بن بويه والخال بلغتهم كاكويه وقام بأصبهان ابنه ظهير الدين أبو منصور فرامرز مقامه وهو أكبر أولاده وأطاعه الجند بها فسار ولده أبو كاليجار كرشاسف إلى نهاوند فأقام بها وحفظها وضبط أعمال الجبل وأخذها بنفسه فأمسك عنه أخوه أبو منصور فرامرز ثم إن مستحفظا لعلاء الدولة بقلعة نطنز أرسل أبو منصور إليه يطلب شيئا مما عنده من الأموال والذخائر فامتنع وأظهر العصيان فسار إليه أبو منصور وأخوه الأصغر أبو حرب ليأخذا القلعة منه كيف أمكن فصعد أبو حرب إليها ووافق المستحفظ على العصيان فعاد أبو منصور إلى أصبهان وأرسل أبو حرب إلى الغز السلجوقية بالري يستنجدهم فسار طائفة منهم إلى قاجان فدخلوها ونهبوها وسلموها إلى أبي حرب وعادوا إلى الري فسير إليها أبو منصور عسكرا ليستنفذها من أخيه فجمع أبو حرب الأكراد وغيرهم وجعل عليهم صاحبا له وسيرهم إلى أصبهان ليملكوها بزعمه فسير إليهم أخوه أبو منصور عسكرا فالتقوا وانهزم عسكرا أبي حرب وأسر جماعة مهم وتقدم أصحاب أبي منصور فحصروا أبا حرب فلما رأى الحال وخاف نزل منها متخفيا وسار إلى شيراز إلى الملك أبي كاليجار صاحب فارس والعراق فحسن له قصد أصبهان وأخذها من أخيه فسار الملك إليها وحصرها وبها الأمير أبو منصور فامتنع عليه وجرى بين الفريقين عدة وقائع كان آخر الأمر الصلح على أن يبقى أبو منصور بأصبهان وتقرر عليه مال وعاد أبو حرب إلى قلعة نطنز واشتد الحصار عليه فأرسل إلى أخيه يطلب المصالحة فاصطلحا على أن يعطي أخاه ما في القلعة ويبقى بها على حاله ثم إن إبراهيم ينال خرج إلى الري على ما نذكره وأرسل إلى أبي منصور فرامرز يطلب منه الموادعة فلم يجبه وسار فرامرز إلى همذان وبروجرد فملكها ثم اصطلح هو وأخوه كرشاسف وأقطعه همذان وخطب لأبي منصور على منابر بلاد كرشاسف واتفقت كلمتهما وكان المدبر لأمرهما ألكيا أبو الفتح الحسن بن عبد الله وهو الذي سعى في جمع كلمتهما

ذكر ملك طغرلبك جرجان وطبرستان ص 249

في هذه السنة ملك طغرلبك جرجان وطبرستان وسبب ذلك أن أنوشروان بن منوجهر بن قابوس بن وشمكير صاحبها قبض على أبي كاليجار بن ويهان القوهي صاحب جيشه وزوج أمه بساعدة أمه عليه فعلم حينئذ طغرلبك أن البلاد لا مانع له عنها فسار إليها وقصد جرجان ومعه مردوايج بن بسو فلما نازلها فتح له المقيم بها فدخلها وقرر على أهلها مائة ألف دينار صلحا وسلما إلى مرداويج بن بسو وقرر عليه خمسين ألف دينار كل سنة عن جميع الأعمال وعاد إلى نيسابور وقصد مرداويج أنو شروان بسارية وكان بها فاصطلحا على أن ضمن أنوشروان له ثلاثين الف دينار وأقيمت الخطبة لطغرلبك في البلاد كلها وتزوج مرداويج بوالدة أنوشروان وبقي أن شروان يتصرف بأمر مرداويج لا يخالفه في شيء البتة

ذكر أحوال ملوك الروم ص 249

نذكر ههنا أحوال الروم من عهد بسيل إلى الآن فنقول من عادة ملوك الروم أن يركبوا أيام الأعياد إلى البيعة المخصوصة بذلك العيد فإذا اجتاز الملك بالأسواق شاهده الناس وبأيديهم المداخن يبخرون فيها فركب والد بسيل وقسطنطين في بعض الأعياد وكان لبعض أكابر الروم بنت جميلة فخرجت تشاهد الملك فلما مر بها استحسنها فأمر من يسأل عنها فلما عرفها خطبها وتزوجها وأحبها وولدت منه بسيل وقسطنطين وتوفي وهما صغيران فتزوجت بعده بمدة طويلة تقفور فكره كل واحد منهما صاحبة فعملت على قتله فراسلت الشمشقيق في ذلك فقصد قسطنطينية متخفيا فأدخلته إلى دار الملك واتفقا وقتلاه ليلا وأحضرت البطارقة متفرقين وأعطتهم الأموال ودعتهم إلى تمليك الشمشقيق ففعلوا ولم تصبح إلا وقد فرغت مما تريد ولم يجر خلف وتزوجت الشمشقيق وأقامت معه سنة فخالفها واحتال عليها وأخرجها إلى دير بعيد وحمل ولديها معها فأقامت فيه سنة ثم أحضرت راهبا ووهبته مالا وأمرته بقصد قسطنطينية والمقام بكنيسة الملك والاقتصار على قدر القوت فإذا وفق به الملك وأراد القربان من يده ليلة العيد سقاه سما ففعل الراهب ذلك فلما كان ليلة العيد سارت ومعها ولداها ووصلت قسطنطينية في اليوم الذي توفي في الشمشقيق فملك ولدها بسيل ودبرت هي الأمر لصغره فلما كبر بسيل قصد بلد البلغار وتوفيت وهو هناك فبلغه وفاتها فأمر خادما له أن يدبر الأمور في غيبته ودام قتاله لبلغار أربعين سنة فظفروا به فعاد مهزوما وأقام بالقسطنطينية يتجهز للعود فعاد إليهم فظفر بهم وقتل ملكهم وسبى أهله وأولاده و ملك بلاده ونقل أهلها إلى الروم وأسكن البلاد طائفة من الروم وهؤلاء البلغار غير الطائفة المسلمة فإن هؤلاء أقرب إلى بلد الروم من المسلمين بنحو شهرين وكلاهما يسمى بلغار

وكان بسيل عاد لأحسن السرية ودام ملكه نيفا وسبعين سنة وتوفي ولم يخلف ولدا فملك أخوه قسطنطين وبقي إلى أن توفي

ولم يخلف غير ثلاث بنات فملكت الكبرى وتزوجت أرمانوس وهو من أقارب الملك وملكته فبقي مدة وهو الذي ملك الرها من المسلمين

وكان لأرمانوس صاحب له يخدمه قبل ملكه من أولاد بعض الصيارف اسمه ميخائيل فلما ملك حكمه في داره مالت زوجة أرمانوس إليه وعملا الحيلة في قتل أرمانوس فمرض أرمانوس فأدخلاه إلى الحمام كارها وخنقاه وأظهرا أنه مات في الحمام وملكت زوجته ميخائيل وتزوجته على كره من الروم وعرض لميخائيل صرع لازمة وشوه صورته فعهد بالملك بعده إلى ابن أخت له اسمه مخائيل أيضا فلما توفي ملك ابن اخته وأحسن السيرة وقبض على أهل خاله وإخوته وهم أخواله وضرب الدنانيرهذة السنة وهي سنة ثلاث وثلاثين ثم احضر زوجته بنت الملك وطلب منها أن تترهب وتنزع نفسها من الملك فأبت فضربها وسيرها إلى لجزيرة في البحر ثم عزم على القبض على البطرك والاستراحة من تحكمه عليه فإنه كان لا يقدر على مخالفته فطلب إليه أن يعمل له طعاما في دير ذكره القسطنطينية ليحضر عنده فأجابه إلى ذلك وخرج إلى الدير ليعمل ما قال الملك فأرسل الملك جماعة من الروس والبلغار ووافقهم على قتله سرا فقصدوه ليلا وحصروه في الدير فبذل لهم مالا كثيرا وخرج متخفيا وقصد البيعة التي يسكنها وضرب الناقوس فاجتمع الروم عليه ودعاهم إلى عزل الملك فأجابوه إلى ذلك وحصروا الملك في داره فأرسل الملك إلى زوجته وأحضرها من الجزيرة التي نفاها إليها ورغب في أن ترد عنه فلم تفعل وأخرجته إلى بيعة يترهب فيها ثم إن البطرك والروم نزعوا زوجته من الملك وملكوا أختا لها صغيرة واسمها تذورة وجعلوا معها خدم أبيها يدبرون الملك وكحلوا ميخائيل ووقعت الحرب بالقسطنطينية بين من يتعصب له وبين من يتعصب لتذورة والبطرك فظفر أصحاب تذورة بهم ونهبوا أموالهم ثم إن الروم افترقوا إلى ملك يدبرهم فكتبوا أسماء جماعة يصلحوان للملك في رقاع ووضعوها في بنادق طين وأمروا من يخرج منها بندقة وهو لا يعرف باسم من فيها فخرج اسم قسطنطين فملكوه وتزوجته المكة الكبيرة واستنزلت اختها الصغيرة تذورة عن الملك بمال بذلته لها واستقر في الملك سنة أربع وثلاثين فخرج عليه فيها خارجي من الروم اسمه أرميناس ودعا إلى نفسه فكثر جمعه حتى زادوا على عشرين ألفا فأهم قسطنطين أمره وسيره إليه جيشا كثيفا فظروا بالخارجي وقتلوه وحملوا رأسه إلى القسطنطينية وأسر من أعيان أصحابه مائة رجل فشهروا في البلد ثم أطلقوا وأعطوا نفقة وأمروا الانصراف إلى أي جهة أرادوا

ذكر فساد حال الدزبري بالشام وما صار الأمر إليه بالبلاد ص 251

في هذه السنة فسد أمر أنوشتكين الدزبري نائب المستنصر بالله صاحب مصر بالشام وقد كان كبيرا على مخدومه بما يراه من تعظيم الملوك له وهيبة الروم منه وكان الوزير أبو القاسم الجرجراي يقصده ويحسده إلا أنه لا يجد طريقا إلى الوقيعة فيه ثم اتفق أنه سعى بكاتب للدزبري اسمه أبو سعد وقيل عنه إنه تستميل صاحبه إلى غير جهة المصريين فكوتب الدزبري بإبعاده فلم يفعل واستوحشوا منه ووضع الجرجراي حاجب الدزبري وغيره على مخالفته ثم إن جماعة من الأجناد قصدوا مصر وشكوا إلى الجرجراي منه فعرفهم سوء رأيه فيه وأعادهم إلى دمشق وأمرهم بإفساد الجند عليه ففعلوا ذلك وأحسن الدزبري بما جرى فأظهر ما في نفسه وأحضر نائب الجرجراي عنده وأمره بإهانته وضربه ثم إنه أطلق لطائفة من العسكر يلزمون خدمته أرزاقهم ومنع الباقين فحرك ما في نفوسهم وقوي طمهم فيه بما كوتبوا به من مصر فأظهروا الشغب عليه وقصدوا قصره وهو بظاهر البلد وتبعهم من العامة من يريد النهب فاقتتلوا

فعلم الدزبري ضعفه وعجزه عنهم ففارق مكانه واستصحب أربعين غلاما له وما أمكنه من الدواب والأثاث والأموال ونهب الباقي وسار إلى بعلبك فمنعه مستحفظها وأخذ ما أمكنه أخذه من مال الدزبري وتبعه طائفة من الجند يقفون أثره وينهبون ما يقدرون عليه وسار إلى مدينه حماة فمنع عنها وقوتل وكاتب المقلد بن منقذ الكناني الكفرطابي واستدعاه فأجابه وحضر عنده في نحو ألفي رجل من كفرطاب وغيرها فاحتمى به وسار إلى حلب ودخلها وأقام بها مدة وتوفي في منتصف جمادى الأولى من هذه السنة فلما توفي فسد أمر بلاد الشام وانتشرت الأمور بها وزال النظام وطمعت العرب وخرجوا في نواحيه فخرج حسان بن المفرج الطائي بفلسطين وخرج معز الدولة بن صالح الكلابي بحلب وقصدها وحصرها وملك المدينة واستمنع أصحاب الدزبري بالقلعة وكتبوا إلى مصر يطلبون النجدة فلم يفعلوا واشتغل عساكر دمشق ومقدمهم الحسين بن أحمد الذي ولي أمر دمشق بعد الدزبري بحرب حسان ووقع الموت في الذين في القلعة فسلموها إلى معز الدولة بالأمان

ذكر عدة حوادث ص 252

في هذه السنة سير الملك أبو كاليجار من فارس عسكرا في البحر إلى عمان وكان قد عصى من بها فوصل العسكر إلى صحار مدينة عمان فملكوها واستعادوا الخارجين عن الطاعة واستقرت الأمور بها وعادت العساكر إلى فارس وفيها قصد أبو نصر بن الهيثم الصليق من البطائح فملكها ونهبها ثم استقر أمرها على مال يؤديه إلى جلال الدولة وفيها توفي أبو منصور بهرام بن منافية وهو الملقب بالعادل وزير الملك أبي كاليجار ومولده سنة وست وستين وثلاثمائة وكان حسن السيرة وبنى دار الكتب بفيروز اباذ وجعل فيها سبعة آلاف مجلد فلما مات وزر بعده مهذب الدولة أبو منصور هبة الله بن أحمد الفسوي

وفيها وصل جماعة من البلغار إلى بغداد يريدون الحج فأقيم لهم من الديوان الإقامات الوافرة فسئل بعضهم من أي الأمم هم البلغار فقال هم قوم تولدوا بين الترك والصقالبة وبلدهم في أقصى الترك وكانوا كفارا فأسلموا عن قريب وهم على مذهب أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه

وفيها توفي مخائيل ملك الروم وملك بعده ابن اخيه ميخائيل أيضا

وفيها في جمادى الآخرة توفي أبو الحسن محمد بن جعفر الجهرمي الشاعر وهو القائل

( ياويح قلبي من تقلبه % أبدا يحن إلى معذبه )

( قالوا كتمت هواه عن جلد % لو أن لي رمق لبحت به )

( بأبي حبيبا غير مكترث % عني ويكثر من تعتبه )

( حسبي رضاه من الحياة وما % قلقي وموتي من تغضبه )

وكان بينه وبين المطرز مهاجاة

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.