في صفر من هذه السنة وصل الملك مسعود إلى بلخ من غزنة وزوج ابنه من ابنة بعض ملوك الخليفة كان يتقي جانبه وأقطع خوارزم لشاهملك الجندي فسار إليها وبها خوارزمشاه إسماعيل بن التونتاش فجمع أصحابه و لقي شاهملك وقاتله ودامت الحرب ينهما مدة شهر وانهزم إسماعيل والتجأ إلى طغرلبك واخيه داود السلجقية وملك شاهملك خوارزم وكان مسير مسعود من غزنة أول سنة ثمان وعشرين وسبب خروجه ما وصل إليه من أخبار الغز وما فعلوه بالبلاد وأهلها من الإخراب والقتل والسبي والاستيلاء وأقام ببلخ حتى أراح واستراح وفرغ من أمر خوارزم والخانية
ثم أمد سباشي الحاجب بعسكر ليتقوى بهم ويهتم بأمر الغز واستئصالهم فلم يكن عنده من الكفاية مايقهرهم بل أخلد إلى المطاولة التي هي عادته وسار مسعود بن سبكتكين من بلخ بنفسه وقصد سرخس فتجنب الغز لقاءه وعدلوا إلى المراوغة والمخاتلة وأظهروا العزم على دخول المفازة التي بين مرو وخوارزم فبينما عساكر مسعود تتبعهم وتطلبهم إذ لقوا طائفة منهم فقاتلوهم وظفروا بهم فقتلوا منهم
ثم إنه واقعهم بنفسه في شعبان من هذه السنة وقعة استظهر فيها عليهم فأبعدوا عنه ثم عاودوا القرب منه بنواحي مرو فواقعهم وقعة أخرى قتل منهم نحو ألف وخمسمائة قتيل وهرب الباقون فدخلوا البرية التي يحتمون بها وثار أهل نيسابور بمن عندهم منهم فقتلوا بعضا وانهزم الباقون إلى أصحابهم بالبرية وعدل مسعود إلى هراة ليتأهب في العساكر للمسير خلفم وطلبهم أين كانوا فعاد طغرلبك إلى الأطراف النائية عن مسعود فنهبهم وانحنى فيها وكان الناس قد تراجعوا فملؤوا أيديهم من الغنائم فحينئذ سار مسعود يطليه فلما قاربه انزاح طغرلبك من بين يديه إلى استوا وأقام بها وكان الزمان شتاء ظنا منه أن الثلج والبرد يمنع عنه فطلبه مسعود إليها ففارقه طغرلبك وسلك الطريق على طوس واحتمى بجبال منيعة ومضايق صعبة المسلك فسير مسعود في طلبه وزيره أحمد بن محمد بن عبد الصمد في عساكر كثيرة فطوى المراحل إليه جريدة
فلما رأى طغرلبك قربه منه فارق مكانه إلى نواحي أبيورد فكان مسعود قد سار ليقطعه عن جهة إن أرادها فلقي طغرلبك مقدمته فواقعهم فانتصروا عليه واستأمن من أصحابه جماعة كثيرة ورأى الطلب له من كل جانب فعاود دخول المفازة إلى خوارزم وأوغل فيها فلما فارق الغز خراسان قصد مسعود جبلا من جبال طوس منيعا لا يرام وكان أهله قد وافقوا الغز وأفسدوا فلما فارق الغز تلك البلاد تحصن هؤلاء بجبلهم ثقة منهم بحصانته وامتناعه فسرى مسعود إليهم جريدة فلم يرعهم إلا وقد خالطهم فتركوا أهلم وأموالهم وصعدوا إلى قمة الجبل واعتصمو ا بها وامتنعوا وغنم عسكر مسعود أموالهم وما ادخروه ثم أمر مسعود أصحابه أن يزحفواإليهم في قمة الجبل وباشر هو القتال بنفسه فزحف الناس إليهم وقاتلوهم قتالا لم يروا مثله وكان الزمان شتاء والثلج على الجبل كثيرا فهلك من العسكر في مخازم الجبل وشعابه كثير ثم إنهم ظفروا بأهله وأكثروا فيهم القتل والأسر وفرغوا منهم وأراحوا المسلمين من شرهم وسار مسعود إلى نيسابور في جمادى الأولى سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة ليريح ويستريح وينتظر الربيع ليسير خلف الغز ويطلبهم في المفاوز التي احتموا بها وكانت هذه الوقعة وإجلاء الغز عن خراسان سنة أحدى وثلاثين على ما نذكره إن شاء الله تعالى
