الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
11

ثم دخلت سنة اربعمائة

الجزء الثامن 4 عنصر صفحة 54
ذكر وقعة نارين بالهند ص 54

في هذه السنة تجهز يمين الدولة إلى الهند عازما على غزوها فسار إليها واخترقها واستباحها ونكس أصنامها

فلما رأى ملك الهند انه لا قوة له به راسله في الصلح والهدنة على مال يؤديه وخمسين فيلا وان يكون له في خدمته الفا فارس لا يزالون فقبض منه ما بذله وعاد عنه إلى غزنة

ذكر الخلف بين بدر بن حسنويه وابنه هلال ص 54

في هذه السنة كانت حرب بين بدر بن حسنويه الكردي وبين ابنه هلال

وكان سبب الوحشه بينهما أن أم هلال كانت من الشاذنجان فاعتزلهما أبوه عند ولادته فنشأ هلال مبعدا منه لا يميل إليه

وكانت نعمة بدر لابنه الآخر أبي عيسى فلما كان في بعض الأيام هلال مع أبيه متصيدا فرأيا سبعا وكان بدر إذا رأى سبعا قتله بيده

فتقدم هلال إلى الأسد بغير إذن أبيه فقتله فاغتاظ أبوه وقال كأنك قد فتحت فتحا وأي فرق بين السبع والكلب ورأى إبعاده عنه لشدته فأقطعه الصامغان وسهل ذلك على هلال لينفرد بنفسه عن أبيه

فأول ما فعله أنه أساء مجاورة ابن الماضي صاحب شهرزور وكان موافقا لأبيه بدر فنهى بدر ابنه هلالا عن معارضته فلم يسمع قوله وأرسل إلى ابن الماضي يتهدده فأعاد بدر مراسلة ابنه في معناه وتهدده إن تعرض لشيءهوله

فكان جواب نهيه أنه جمع عسكر وحصر شهرزور ففتحها وقتل ابن الماضي وأهله وأخذ أموالهم

فورد على بدر من ذلك ما ازعجه وأقلقه وأظهر السخط على هلال

وشرع يفسد جند أبيه ويستميلهم ويبذل لهم

فكثر أصحاب هلال لإحسانه إليهم وبذله المال لهم وأعرض الناس عن بدر لإمساكه المال

فسار كل واحد منهما إلى صاحبه فالتقيا على باب الدينور

فلما تراءى الجمعان إنحازات الأكراد إلى هلال فأخذ بدر أسيرا وحمل إلى ابنه فاشير على هلال بقتله وقالوا لا يجوز أن تستبقيه بعدما أوحشته فقال ما بلغ من عقوقي له أن أقتله

وحضر عند أبيه وقال له أنت الأمير وأنا مدبر جيشك فخادعه أبوه بأن قال له لا يسمعن هذا منك أحد فيكون هلاكنا جميعا وهذه القلعة لك والعلامة في تسليمها كذا وكذا واحفظ المال الذي بها فإنك الأمير مادام الناس يظنون بقاءك

وأريد تفرد لي أتفرغ فيها للعبادة

ففعل ذلك وأعطاه جملة من المال

فلما استقر بدر بالقلعة عمرها وحصنها وراسل أبا الفتح بن عناز وأبا عيسى شاذي بن محمد وهو باساد أباذ يقول لكل واحد منهما ليقصد أعمال هلال ويشعثها

فسار أبو الفتح إلى قرميسين فملكها وسار أبو عيسى إلى سابور خواست فنهب حلل هلال

ومضى إلى نهاوند وبها أبو بكر بن رافع فاتبعه هلال إليها ووضع السيف في الديلم فقتل منهم أربعمائة نفس منهم تسعون أميرا

وأسلم ابن رافع أبا عيسى إلى هلال فعفا عنه

ولم يؤاخذ على فعله وأخذه معه

وأرسل بدر إلى الملك بهاء الدولة يستنجده فجهز فخر الملك أبا غالب في جيش وسيره إلى بدر فسار حتى وصل إلى نيسابور خواست فقال هلال لأبي عيسى شاذي قد جاءت عساكر بهاء الدولة فما الرأي قال الرأي أن تتوقف عن لقائهم وتبذل لبهاء الدولة الطاعة وترضيه بالمال فإن لم يجيبوك فضيق عليهم وانصرف بين أيديهم فإنهم لا يستطيعون المطاولة

ولا تظن هذا العسكر كمن لقيته بباب نهاوند فإن أولئك ذللهم أبوك على ممر السنين فقال ( ( غششتني ولم تنصحني وأردت بالمطاولة أن يقوي أبي وأضعف أنا وقتله ) ) وسار ليكبس العسكر ليلا فلما وصل إليهم وقع الصوت فركب فخر الملك في العساكر وجعل عند أثقالهم من يحميها وتقدم إلى قتال هلال فلما رأى هلال صعوبة الأمر ندم وعلم أن أبا عيسى بن شاذي فندم على قتله

ثم أرسل إلى فخر الملك يقول له ( ( إني ما جئت لقتال وحرب إنما جئت لأكون قريبا منك وأنزل على حكمك فترد العسكر عن الحرب فإنني أدخل في الطاعة ) ) فمال فخر الملك إلى هذا القول وأرسل الرسول إلى بدر ليخبره بما جاء به

فلما رأى بدر الرسول سبه وطرده وأرسل إلى فخر الملك يقول ( ( إن هذا مكر من هلال لما رأى ضعفه والرأي أن لا تنفس خناقه ) ) فلما سمع فخر الملك الجواب قويت نفسه وكان يتهم بدر في الميل إلى ابنه وتقدم إلى الجيش بالحرب فقاتلوا

فلم يكن بأسرع من أن أتي بهلال أسيرا

فقبل الأرض وطلب أن لا يسلمه إلى أبيه فأجابه إلى ذلك وطلب علامته بتسليم القلعة فأعطاهم العلامة فامتنعت أمه ومن بالقلعة من التسليم وطلبوا الأمان فأمنهم فخر الملك

وصعد القلعة ومعه أصحابه ثم نزل منها وسلمها إلى بدر

وأخذ ما فيها من الأموال وغيرها وكانت عظيمة قيل كان بها أربعون الف بدرة دراهم وأربعمائة بدرة ذهبا سوى الجواهر النفيسة والثياب والسلاح وغير ذلك

وأكثر الشعراء من ذكر هذا فممن قال مهيار

( فظنوك تعبأ بحمل العراق % كأن لم يروك حملت الجبالا )

( ولو لم تكن في العلو السماء % لما كان غنمك منها هلالا )

( سريت إليه فكنت السرار % له ولبدر أبيه كمالا )

وهي كثيرة

ذكر عود المؤيد إلى إمارة الأندلس وما كان منه ص 56

قد ذكرنا سبب خلعه وحبسه فلما كان هذه السنة أعيد إلى خلافته واسمه هشام بن الحاكم بن عبد الرحمن الناصر وكان عوده تاسع ذي الحجة

وكان الحكم في دولته هذه إلى واضح العامري وأدخل أهل قرطبة إليه فوعدهم ومناهم

وكتب إلى البربر الذين مع سليمان بن الحاكم بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر ودعاهم إلى طاعته والوفاء ببيعته فلم يجيبوه إلى ذلك

فأمر أجناده وأهل قرطبة بالحذر والاحتياط فأحبه الناس

ثم نقل إليه أن نفرا من الأمويين بقرطبة قد كاتبوا سليمان وواعدوه ليكون بقرطبة في السابع والعشرين من ذي الحجة ليسلموا إليه البلد

فأخذهم وحبسهم

فلما كان الميعاد قدم البربر إلى قرطبة

فركب الجند وأهل قرطبة وخرجوا إليهم مع المؤيد فعاد البربر وتبعهم عساكره فلم يلحقوهم وترددت الرسل بينهم فلم يتفقوا على شيء

ثم ان سليمان والبربر راسلوا ملك الفرنج يستمدونه وبذلوا له تسليم حصون كان المنصور بن أبي عامر قد فتحها منهم

فأرسل ملك الفرنج إلى المؤيد يعرفه الحال ويطلب منه تسليم هذه الحصون لئلا يمد سليمان بالعساكر

فاستشار أهل قرطبة في ذلك فأشاروا بتسليمها إليه خوفا من أن ينجدوا سليمان

واستقر الصلح في المحرم سنة إحدى وأربعمائة

فلما أيس البربر من إنجاد الفرنج رحلوا فنزلوا قريبا من قرطبة في صفر سنة إحدى وأربعمائة وجعلت خيلهم تغير يمينا وشمالا وخربوا البلاد

وعمل المؤيد وواضح العامري سورا وخندقا على قرطبة أمام السور الكبير

ثم نازل سليمان قرطبة خمسة وأربعين يوما فلم يملكها

فانتقل إلى الزهراء وحصرها وقاتل من بها ثلاثة أيام

ثم ان بعض الموكلين بحفظه سلم إليه الباب الذي هو موكل بحفظه فصعد البربر السور وقاتلوا من عليه حتى أزالوهم وملكوا البلد عنوة وقتل أكثر من به من الجند وصعد أهله الجبل واجتمع الناس بالجامع فأخذهم البربر وذبحوهم حتى النساء والصبيان وألقوا النار في الجامع والقصر والديار فاحترق أكثر ذلك ونهبت الأموال

ثم إن واضحا كاتب سليمان يعرفه أنه يريد الانتقال عن قرطبة سرا ويشير عليه بمنازلتها بعد مسيره عنها ونما الخبر إلى المؤيد فقبض عليه وقتله واشتد الأمر بقرطبة وعظم الخطب وقتلت الأقوات وكثر الموت

وكانت الأقوات عند البربر أقل منها بالبلد لأنهم كانوا قد خربوا البلاد

وجلا أهل قرطبة وقتل المؤيد كل من مال إلى سليمان ثم إن البربر وسليمان لازموا الحصار والقتال لأهل قرطبة وضيقوا عليهم

وفي مدة هذا الحصار ظهر بطليطلة عبيد الله بن محمد بن عبد الجبار وبايعه أهلها فسير إليهم المؤيد جيشا فحصروهم فعادوا إلى الطاعة وأخذ عبيد الله أسيرا وقتل في شعبان سنة إحدى وأربعمائة

ثم إن أهل قرطبة قاتلوا في بعض الأيام البربر فقتل منهم خلق كثير وغرق في النهر مثلهم فرحلوا عنها

وساروا إلى إشبيلية فحصروها

فأرسل المؤيد إليها جيشا فحماها ومنع البربر عنها

وراسل سليمان نائب المؤيد بسرقسطة وغيرها يدعوهم إليه فأجابوه وأطاعوه

فسار البربر وسليمان عن إشبيلية إلى قلعة رباح فملكوها وغنموا ما فيها واتخذوها دارا ثم عادوا إلى قرطبة فحصروها وقد خرج كثير من أهلها وعساكرها من الجوع والخوف واشتد القتال عليها وملكها سليمان عنوة وقهرا وقتلوا من وجدوا في الطريق ونهبوا البلد وأحرقوه فلم تحصى القتلى لكثرتهم

ونزل البربر في الدور التي لم تحرق

فنال أهل قرطبة من ذلك ما لم يسمع بمثله

وأخرج المؤيد من القصر وحمل إلى سليمان

ودخل سليمان قرطبة منتصف شوال سنة ثلاث وأربعمائة وبويع له بها

ثم إن المؤيد جرى له مع سليمان أقاصيص طويلة ثم خرج إلى شرق الأندلس من عنده وكان ممن قتل في هذا الحصر أبو الوليد بن الفرضي مظلوما رحمه الله

ذكر عدة حوادث ص 58

في هذه السنة أرسل الحاكم بأمر الله من مصر إلى المدينة ففتح بيت جعفر الصادق وأخرج منه مصحف وسيف وكساء وقعب وسرير

وفيها نقص الماء بدجلة حتى أصلحت ما بين أوانا وقريب بغداد حتى جرت السفن فيها

وفيها مرض أبو محمد بن سهلان فاشتد مرضه فنذر إن عوفي بنى سورا على مشهد أمير المؤمنين علي عليه السلام فعوفي فأمر ببناء سور عليه فبني في هذه السنة

تولى بناءه أبو إسحاق الأرجاني

وفيها ولد عدنان بن الشريف الرضي

وفيها توفي النقيب أبو أحمد الموسوي والد الرضي بعد أن أضر ووقف بعض أملاكه على البر وصلى عليه ابنه الأكبر المرتضى ودفن بداره ثم نقل إلى مشهد الحسين عليه السلام

وكان مولده سنة أربع وثلاث مائة

وفيها توفي أيضا أبو جعفر الحجاج بن هرمز بالأهواز وعمدة الدولة أبو إسحاق بن معز الدولة بن بويه بمصر

وفيها مرض الخليفة القادر بالله واشتد مرضه فأرجف عليه فجلس للناس وبيده القضيب فدخل إليه أبو حامد الأسفرايني فقال لابن حاجب النعمان إن إسأل أمير المؤمنين أن يقرأ شيئا من القرآن ليسمع الناس قراءته

فقرأ لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم الآيات الثلاث وفيها توفي أبو العباس النامي الشاعر

وأبو الفتح علي بن محمد البستي الكاتب ا لشاعر صاحب الطريقة المشهورة في التجنيس

فمن شعره

( يا أيها السائل عن مذهبي % لتقتدي فيه بمنهاجي )

( منهاجي العدل وقمع الهوى % فهل لمنهاجي من هاجي )

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.