الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
1

ثم دخلت سنة تسع وثلاثمائة

الجزء السابع 2 عنصر صفحة 2
ذكر قتل ليلى بن النعمان الديلمي ص 2

في هذه السنة قتل ليلى بن النعمان الديلمي وكان هذا ليلى أحد قواد أولاد الأطروش العلوي وكان إليه ولاية جرجان وكان قد استعمله عليها الحسن بن القاسم الداعي سنة ثمان وثلاثمائة وكان أولاد الأطروش يكاتبونه المؤيد لدين الله المنتصر لآل رسول الله ليلى بن النعمان وكان كريما بذالا للأموال شجاعا مقداما على الأهوال وسار من جرجان إلى الدامغان فحاربه أهلها فقتل منهم مقتلة عظيمة وعاد إلى جرجان فابتنى أهل الدامغان حصنا يحميهم وسار قراتكين إليه بجرجان فحاربه على نحو عشرة فراسخ من جرجان فانهزم قراتكين واستأمن غلامه بارس إلى ليلى ومعه ألف فارس فأكرمه ليلى وزوجه أخته واستأمن إليه أبو القاسم بن حفص ابن أخت أحمد بن سهل فأكرمه ليلى ثم إن الأجناد كثروا على ليلى بن النعمان فضاقت الأموال عليه فسار نحو نيسابور بأمر الحسن بن القاسم الداعي وتحريض أبي القاسم بن حفص وكان بها قراتكين فوردها في ذي الحجة سنة ثمان وثلاثمائة وأقام بها الخطبة للداعي وأنفذ السعيد نصر من بخارى إليه حمويه بن علي فالتقوا بطوس واقتتلوا فانهزم أكثر أصحاب حمويه بن علي حتى بلغوا مرو وثبت حمويه ومحمد بن عبد الله البلغمي وأبو جعفر صعلوك وخوارزم شاه وسيمجور الدواتي فاقتتلوا فانهزم بعض أصحاب ليلى ومضى ليلى منهزما

فدخل ليلى سكة لم يكن له فيها مخرج ولحقه بغرا فيها فلم يقدر ليلى على الهرب فنز وتوارى في دار فقبض عليه بغرا وأنفذ إلى حمويه فأعلمه بذلك فأنفذ من قطع رأس ليلى ونصبه على رمح فلما رآه أصحابه طلبوا الأمان فأمنوا ثم قال حمويه للجند قد مكنكم الله من شياطين الجيل والديلم فأبيدوهم واستريحوا منهم أبد الدهر فلم يفعلوا

وحامى كل قائد جماعة فخرج منهم من خرج بعد ذلك

وكان قتل ليلى في ربيع الأول سنة تسع وثلاثمائة وحمل رأسه إلى بغداد وبقي بارس غلام قراتكين بجرجان

وقيل إن حمويه لما سار إلى قتال ليلى قيل له إن ليلى يستبطئك في قصده فقال إني ألبس أحد خفي للحرب العام والآخر في العام المقبل فبلغ قوله ليلى فقال لكني ألبس أحد خفي للحرب قاعدا والثاني قائما وراكبا فلما قتل قال حمويه هكذا من تعجل إلى الحرب

ذكر قتل الحسين الحلاج ص 3

في هذه السنة قتل الحسين بن منصور الحلاج الصوفي وأحرق

وكان إبتداء حاله أنه كان يظهر الزهد والتصوف ويظهر الكرامات ويخرج للناس فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء ويمد يده إلى الهواء فيعيدها مملوءة دراهم عليها مكتوب قل هو الله أحد ويسميها دراهم القدرة ويخبر الناس بما أكلوه وما صنعوا في بيوتهم ويتكلم بما في ضمائرهم فافتتن به خلق كثير واعتقدوا فيه الحلول والجملة فإن الناس اختلفوا فيه اختلافهم في المسيح عليه السلام

فمن قائل إنه حل فيه جزء إلهي ويدعي فيه الربوبية

ومن قائل إنه ولي الله تعإلى وأن الذي يظهر منه من جملة كرامات الصالحين

ومن قائل إنه مشعبذ وممخرق وساحر كذاب ومتكهن والجن تطيعه فتأتيه بإليهكهة في غير أوانها

وكان قدم من خراسان إلى العراق وسار إلى مكة فأقام بها سنة في الحجر لا يستظل تحت سقف شتاء ولا صيفا

وكان يصوم الدهر فإذا جاء العشاء أحضر له القوام كوز ماء وقرصا فيشربه ويعض من القرص ثلاث عضات من جوانبها فيأكلها

ويترك الباقي فيأخذونه ولا يأكل شيئا آخر إلى الغد آخر النهار

وكان شيخ الصوفية يومئذ بمكة عبد الله المغربي فأخذ أصحابه ومشى إلى زيارة الحلاج فلم يجده في الحجر وقيل له قد صعد إلى جبل أبي قبيس فصعد إليه فرآه على صخرة حافيا مكشوف الرأس والعرق يجري منه إلى الأرض فأخذ أصحابه وعاد ولم يكلمه فقال هذا يتصبر ويتقوى على قضاء الله سوف يبتليه الله بما يعجز عنه صبره وقدرته وعاد الحسين إلى بغداد

وأما سبب قتله فإنه نقل عنه عند عوده إلى بغداد إلى الوزير حامد بن العباس أنه أحيا جماعة وأنه يحيي الموتى وأن الجن يخدمونه وأنهم يحضرون عنده ما يشتهي وأنهم قدموه على جماعة من حواشي الخليفة وأن نصرا الحاجب قد مال إليه وغيره فالتمس حامد الوزير من المقتدر بالله أن يسلم إليه الحلاج وأصحابه فدفع عنه نصر الحاجب فألح الوزير فأمر المقتدر بتسليمه إليه فأخذه وأخذ معه إنسانا يعرف بالشمري وغيره قيل أنهم يعتقدون أنه إله فقررهم فاعترفوا أنهم قد صح عندهم أنه إله وأنه يحيي الموتى وقابلوا الحلاج على ذلك فأنكره وقال أعوذ بالله أن أدعي الربوبية أو النبوة وإنما أنا رجل أعبد الله عز وجل فأحضر حامد القاضي أبا عمرو والقاضي أبا جعفر بن البهلول وجماعة من وجوه الفقهاء والشهود فاستفتاهم فقالوا لا يفتي في أمره بشيء إلا أن يصح عندنا ما يوجب قتله ولا يجوز قبول قول من يدعي عليه

ما ادعاه إلا ببينة أو قرار

وكان حامد يخرج الحلاج إلى مجلسه ويستنطقه فلا يظهر منه ما تكره الشريعة المطهرة

وطال الأمر على ذلك وحامد الوزير مجد في أمره وجرى له معه قصص يطول شرحها وفي آخرها أن رأى الوزير له كتابا حكي فيه أن الإنسان إذا أراد الحج ولم يمكنه أفرد من داره بيتا لا يلحقه شيء من النجاسات ولا يدخله أحد فإذا حضرت أيام الحج طاف حوله وفعل ما يفعله الحاج بمكة ثم يجمع بين ثلاثين يتيما ويعمل أجود الطعام يمكنه واطعمهم في ذلك البيت وخدمهم بنفسه فإذا فرغوا كساهم واعطى كل واحد منهم سبعة دراهم فإذا فعل ذلك كان كمن حج فلما قرئ هذا على الوزير قال القاضي أبو عمرو للحلاج من اين لك هذا قال من كتاب الإخلاص للحسن البصري قال له القاضي كذبت يا حلال الدم قد سمعناه بمكة وليس فيه هذا فلما قال له يا حلال الدم وسمعها الوزير قال له اكتب بهذا فدافعه أبو عمرو فالزمه حامد فكتب بإباحة دمه وكتب بعده من حضر المجلس

ولما سمع الحلاج ذلك قال ما يحل لكم دمي واعتقادي الإسلام ومذهبي السنة ولي فيها كتب موجودة فالله الله في دمي وتفرق الناس وكتب الوزير إلى الخليفة يستأذنه في قتله وأرسل الفتاوى إليه فأذن في قتله فسلمه الوزير إلى صاحب الشرطة فضربه ألف سوط فما تأوه ثم قطع يده ثم رجله ثم يده ثم رجله ثم قتل وأحرق بالنار فلما صار رمادا ألقي في دجلة ونصب الرأس ببغداد وأرسل إلى خراسان لأنه كان له بها أصحاب فأقبل بعض أصحابه يقولون انه لم يقتل وإنما ألقي شبهه على دابة وانه يجيء بعد أربعين يوما وبعضهم يقول لقيته على حمار بطريق النهروان وأنه قال لهم لا تكونوا مثل هؤلاء البقر الذين يظنون أني ضربت وقتلت

ذكر عدة حوادث

وفيها في ربيع الأول وقع حريق كبير في الكرخ فأحترق فيه بشر كثير وفيها استعمل المقتدر على حرب الموصل ومعونتها محمد بن نصر الحاجب في جمادى الأولى وسار إليها فيه فلما وصل إليها أوقع بمن خالفه من الأكراد المارانية فقتل وأسر وأرسل إلى بغداد نيفا وثمانين أسيرا فشهروا وفيها قلد داود بن حمدان ديار ربيعة وفيها توفي أبو العباس أحمد بن محمد بن سهل بن عطاء الآدمي الصوفي من كبار مشايخهم وعلمائهم وأبو إسحاق إبراهيم بن هارون الحراني الطبيب وأبو محمد عبد الله بن حمدون النديم

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.