ذكر هلاك قحطبة وهزيمة ابن هبيرة
ص 59
وفي هذه السنة هلك قحطبة بن شبيب وكان سبب ذلك أن قحطبة لما عبر الفرات وصار في غريبه وذلك في المحرم لثمان مضين منه وكان ابن هبيرة قد عسكر على فم الفرات من أرض الفلوجة العليا على راس ثلاثة وعشرين فرسخا من الكوفة وقد اجتمع إليه فل بن ضبارة فأمده مروان بحوثرة الباهلي فقال حوثرة وغيره لابن هبيرة أن قحطبة قد مضى يريد الكوفة فاقصد أنت خراسان ودعه ومروان فانك تكسره وبالحرب أن يتبعك قال ما كان ليتبعني ويدع الكوفة ولكن الرأي أن أبادره إلى الكوفة فعبر دجلة من المدائن يريد الكوفة فاستعمل على مقدمته حوثرة وأمره بالمسير إلى الكوفة والفريقان يسيران على جانبي الفرات وقال قحطبة أن الإمام اخبرني أن في هذا المكان وقعة يكون النصر لنا ونزل قحطبة الجبارية وقد دلوه على مخاضة فعبر منها وقاتل حوثرة ومحمد بن نباتة فانهزم أهل الشام وفقدوا قحطبة فقال أصحابه من كان عنده عهد من قحطبة فليخبرنا به
فقال مقاتل بن مالك العتكي سمعت قحطبة يقول أن حدث بي حدث فالحسن ابني أمير الناس فبايع الناس حمد بن قحطبة لأخيه الحسن وكان قد سيره أبوه في سرية فأرسلوا إليه فأحضروه وسلموا إليه الأمر ولما فقدوا قحطبة بحثوا عنه فوجدوه في جدول وحرب بن سالم بن احوز قتيلين فظنوا أن كل واحد منهما قتل صاحبه
وقيل أن معن بن زائدة ضرب قحطبة لما عبر الفرات على جبل عاتقه فسقط في الماء فأخرجوه فقال شدوا يدي إذا أنا مت والقوني في الماء لئلا يعلم الناس بقتلي وقاتل أهل خراسان فانهزم محمد بن نباتة وأهل الشام ومات قحطبة وقال قبل موته إذا قدمتم الكوفة فوزير آل محمد أبو سلمة الخلال فسلموا هذا الأمر إليه وقيل بل غرق قحطبة ولما انهزم ابن نباتة وحوثرة لحقوا بابن هبيرة فانهزم ابن هبيرة بهزيمتهم ولحقوا بواسط وتركوا عسكرهم وما فيه من الأموال والسلاح وغير ذلك ولما قام الحسن بن قحطبة بالأمر أمر بإحصاء ما في العسكر وقيل أن حوثرة كان بالكوفة فبلغه هزيمة ابن هبيرة فسار إليه فيمن معه
ذكر خروج محمد بن خالد بالكوفة مسودا
ص 60
وفي هذه السنة خرج محمد بن خالد بن عبد الله القسري بالكوفة وسود قبل أن يدخلها الحسن بن قحطبة وأخرج عنها عامل ابن هبيرة ثم دخلها الحسن وكان من خبره أن محمدا خرج بالكوفة ليلة عاشوراء مسودا وعلى الكوفة زياد بن صالح الحارثي وعلى شرطه عبد الرحمن بن بشير العجلي وسار محمد إلى القصر فارتحل زياد ومن معه من أهل الشام ودخل محمد القصر وسمه حوثرة الخبر فسار نحو الكوفة فتفرق عن محمد عامة من معه لما بلغهم الخبر وبقي في نفر يسير من أهل الشام ومن اليمانيين من كان هرب من مروان وكان معه مواليه وأرسل أبو سلمة الخلال ولم يظهر بعد إلى محمد يأمره بالخروج من القصر تخوفا عليه من حوثرة ومن معه
ولم يبلغ أحدا من الفريقين هلاك قحطبة فأبى محمد أن يخرج وبلغ حوثرة تفرق أصحاب محمد عنه فتهيا للمسير نحوه فبينا محمد في القصر إذ أتاه بعض طلائعه فقال له قد جاءت خيل من أهل الشام فوجه إليهم عدة من مواليه فناداهم الشاميون نحن بجيلة وفينا مليح بن خالد البجلي جئنا لندخل في طاعة الأمير فدخلوا ثم جاءت خيل اعظم من تلك فيها جهم بن الاصفح الكناني ثم جاءت خيل اعظم منها مع رجل من آل بحدل فلما رأى ذلك حوثرة من صنع أصحابه ارتحل نحو واسط بمن معه وكتب محمد بن خالد من ليلته إلى قحطبة وهو لا يعلم بهلاكه يعلمه أنه قد ظفر بالكوفة فقدم القاصد على الحسن بن قحطبة فلما دفع إليه كتاب محمد بن خالد قراه على الناس ثم ارتحل نحو الكوفة فأقام محمد بالكوفة يوم الجمعة ويوم السبت والأحد وصبحه الحسن يوم الاثنين
وقد قيل أن الحسن بن قحطبة اقبل نحو الكوفة بعد هزيمة ابن هبيرة وعليها عبد الرحمن بن بشير العجلي فهرب عنها فسود محمد بن خالد وخرج في أحد عشر رجلا وبايع الناس ودخلها الحسن من الغد فلما دخلها الحسن هو وأصحابه أتوا أبا سلمة وهو في بني سلمة فاستخرجوه فعسكر بالنخيلة يومين ثم ارتحل إلى حمام أعين ووجه الحسن بن قحطبة إلى واسط لقتال ابن هبيرة وبايع الناس أبا سلمة حفص بن سليمان مولى السبيع وكان يقال له وزير آل محمد واستعمل محمد بن خالد بن عبد الله على الكوفة وكان يقال له الأمير حتى ظهر أبو العباس السفاح ووجه ابن قحطبة إلى المدائن في قراد وبعث المسيب بن زهير وخالد بن برمك إلى ديرقني وبعث المهلبي وشراحيل إلى عين التمر وبسام بن إبراهيم بن بسام إلى الأهواز وبها عبد الواحد عمر بن هبيرة فلما أتى بسام الأهواز خرج عنها عبد الواحد إلى البصرة بعد أن قاتله وهزمه بسام وبعث إلى البصرة سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب عاملا عليها فقدمها وكان عليها سلم بن قتيبة الباهلي عاملا لابن هبيرة وقد بحق عبد الواحد بن هبيرة كما تقدم ذكره فأرسل سفيان بن معاوية إلى سلم يأمره بالتحول من دار الإمارة ويعلمه ما أتاه من رأي أبي سلمة وامتنع وجمع معه قيسا ومضر وغيرهم واتاهم قائد من قواد ابن هبيرة كان بعثه مددا لسلم في الفي رجل من كلب فأتى سلم سوق الإبل ووجه الخيول في شكك البصرة ونادى من جاء براس فله خمسمائة ومن جاء بأسير فله ألف درهم ومضى معاوية بن سفيان بن معاوية في ربيعة وخاصته فلقيه خيم تميم فقتل معاوية وأتي برأسه إلى سلم فأعطى قاتله عشرة آلاف وانكسر سفيان بقتل ابنه فانهزم وقدم على سلم بعد ذلك أربعة آلاف من عند مروان فأرادوا نهب من بقي من الازد فقاتلهم قتالا شديدا وكثرت القتلى بينهم وانهزمت الازد ونهبت دورهم وسبيت نساؤهم وهدموا البيوت ثلاثة أيام ولم يزل سلم بالبصرة حتى أتاه قنل ابن هبيرة فشخص عنها واجتمع من بالبصرة من ولد الحرث بن عبد المطلب إلى محمد بن جعفر فولوه أمرهم فوليهم أياما يسيرة حتى قدم البصرة أبو مالك عبد الله بن اسيد الخزاعي من قبل أبي مسلم فلما قدم أبو العباس ولاها سفيان بن معاوية وكان حرب سفيان وسلم بالبصرة في صفر وفيها عزل مروان عن المدينة الوليد بن عروة واستعمل أخاه يوسف بن عروة في شهر ربيع الأول ( انقضت الدولة العباسية )
ذكر ابتداء الدولة العباسية وبيعة أبي العباس
ص 62
في هذه السنة بويع أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بالخلافة في شهر ربيع الأول وقيل في ربيع الآخر لثلاث عشر مضت منه وقيل في جمادى الأولى وكان بدء ذلك وأوله أن رسول الله اعلم العباس بن عبد المطلب أن الخلافة تؤول إلى ولده فلم يزل ولده يتوقعون ذلك ويتحدثون به بينهم ثم أن أبا هاشم بن الحنفية خرج إلى الشام فلقي محمد بن علي بن عبد الله بن عباس فقال له أن هذا الأمر الذي يرتجيه الناس فيكم فلا يسمعنه منكم أحد ود تقدم في خبر ابن الاشعث قول خالد بن يزيد بن معاوية لعبد الملك بن مروان أما إذا كان الفتق من سجستان فليس عليك منه باس انما كنا نتخوف لو كان من خراسان وقال محمد بن علي بن عبد الله لنا ثلاثة أوقات موت الطاغية يزيد بن معاوية وراس المائة وفتق أفريقية فعند ذلك يدعو لنا دعاة ثم قتل أنصارنا من المشرق حتى ترد خيلهم المغرب ويستخرجون ما كنز الجبارون فلما قتل يزيد بن أبي مسلم بأفريقية ونقضت البربر بعث إلى محمد بن علي إلى خراسان داعيا وأمره أن يدعو إلى الرضا ولا يسمي أحدا وقد ذكرنا فيما تقدم خبر الدعاة وخبر أبي مسلم
وقبض مروان على إبراهيم بن محمد وكان مروان لما راسل المقبض عليه وصف للرسول صفة أبي العباس لأنه كان يجد في الكتب أن من هذه صفته يقتلهم ويسلبهم ملكهم وقال له ليأتيه بإبراهيم بن محمد فقدم الرسول فاخذ أبا العباس بالصفة فلما ظهر إبراهيم فانطلق وأمن قيل للرسول إنما أمرت بإبراهيم وهذا عبد الله فترك أبا العباس واخذ إبراهيم فانطلق به إلى مروان فلما رآه قال ليس هذه الصفة التي وصفت لك فقالوا قد رأينا الصفة التي وصفت وإنما سميت إبراهيم فهذا إبراهيم فأمر به فحبس وأعاد الرسل في طلب أبي العباس فلم يروه وكان سبب مسيره من الحميمة أن إبراهيم لما أخذه الرسول نعى نفسه إلى أهل بيته وأمرهم بالمسير إلى الكوفة مع أخيه أبي العباس عبد الله بن محمد وبالسمع له وبالطاعة وأوصى إلى أبي العباس وجعله الخليفة بعده فسار أبو العباس ومن معه من أهل بيته ومنهم أخوه أبو جعفر المنصور وعبد الوهاب ومحمد ابنا أخيه إبراهيم وأعمامه داود وعيسى وصالح وإسماعيل وعبد الله وعبد الصمد بنو علي بن عبد الله بن عباس وابن عمه داود وابن أخيه عيسى بن موسى بن محمد بن علي ويحيى بن جعفر بن تمام بن عباس حتى قدموا الكوفة في صفر وشيعتهم من أهل خراسان بظاهر الكوفة بحمام أعين فأنزلهم أبو سلمة الخلال دار الوليد بن سعد مولى بنس هاشم في بني داود وكتم أمرهم نحو من أربعين ليلة من جميع القواد والشيعة وأراد فيما ذكر أن يحول الأمر إلى آل أبي طالب لما بلغه الخبر عن موت إبراهيم الإمام فقال له أبو الجهم ما فعل الإمام قال لم يقدم بعد فالح عليه فقال ليس هذا وقت خروجه لان واسطا لم تفتح بعد وكان أبو سلمة إذا سئل عن الإمام يقول لا تعجلوا فلم يزل ذلك من أمره حتى دخل أبو حميد محمد ابن إبراهيم الحميري من حمام أعين يريد الكناسة فلقي خادما لإبراهيم الإمام يقال له سابق الخوارزمي فعرفه فقال له ما فعل إبراهيم الإمام فاخبره أن مروان قتله وان إبراهيم أوصى إلى أخيه أبي العباس واستخلفه من بعده وانه قدم الكوفة ومعه عامة أهل بيته فسأله أبو حميد أن ينطلق به إليهم فقال له سابق الموعد بيني وبينك غدا في هذا الموضع وكره سابق أن يدله عليهم إلا بإذنهم فرجع أبو حميد من الغد إلى الموضع الذي وعد فيه سابقا فلقيه فانطلق به إلى أبي العباس وأهل بيته فلما دخل عليهم سال أبو حميد من الخليفة منهم فقال داود بن علي هذا أمامكم وخليفتكم وأشار إلى أبي العباس فسلم عليه بالخلافة وقبل يديه ورجليه وقال مرنا بأمرك وعزاه بإبراهيم الإمام ثم رجع وصحبه إبراهيم بن سلمة رجل كان يخدم بني العباس إلى أبي الجهم فاخبره عن منزلهم وان الإمام أرسل إلى أبي سلمة رجل كان يخدم بني العباس إلى أبي الجهم فاخبره عن منزلهم وان الإمام أرسل إلى أبي سلمة يسأله مائة دينار يعطيها الجمال كراء الجمال التي حملتهم فلم يبعث بها إليهم فمشى أبو الجهم وأبو أحمد وإبراهيم بن سلمة إلى موسى بن كعب وقصوا عليه القصة وبعثوا إلى الإمام بمائتي دينار مع إبراهيم بن سلمة واتفق رأي جماعة من القواد على أن يلقوا الإمام
فمضى موسى بن كعب وأبو الجهم وعبد الحميد بن ربعي وسلمة بن محمد وإبراهيم بن سلمة وعبد الله الطائي وإسحاق بن إبراهيم وشراحيل وعبد الله بن بسام وأبو حميد محمد بن إبراهيم وسليمان بن الأسود ومحمد بن الحصين إلى الإمام أبي العباس وبلغ ذلك أبا سلمة فسال عنهم فقيل انهم دخلوا الكوفة في حاجة لهم واتى القوم أبا العباس فقال وايكم عبد الله بن محمد بن الحارثية فقالوا هذا فسلموا عليه بالخلافة وعزوه في إبراهيم ورجع موسى بن كعب وأبو الجهم وأمر أبو الجهم الباقين فتخلفوا عند الإمام فأرسل أبو سلمة إلى أبي الجهم أين كنت قال ركبت إلى أمامي فركب أبو سلمة إلى الإمام فأرسل أبو الجهم إلى أبي حميد أن أبا سلمة قد أتاكم فلا يدخلن على الإمام إلا وحده فلما انتهى إليهم ابن سلمة منعوه أن يدخل معه أحد فدخل وحده فسلم بالخلافة على أبي العباس فقال أبو حميد على رغم انفك يا ماص بظر أمه فقال له أبو العباس مه وأمر أبا سلمة بالعود إلى معسكره فعاد
واصبح الناس يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول فلبسوا السلاح واصطفوا لخروج أبي العباس وأتوا بالدواب فركب برذونا أبلق وركب من معه من أهل بيته فدخلوا دار الإمارة ثم خرج إلى المسجد فخطب وصلى بالناس ثم صعد المنبر حين بويع له بالخلافة فقام في أعلاه وصعد عمه داود بن علي فقام دونه فتكلم أبو العباس فقال الحمد لله الذي اصطفى الإسلام لنفسه وكرمه وشرفه وعظمه واختاره لنا فأيده بنا وجعلنا أهله وكهفه وحصنه والقوام به والذابين عنه والناصرين له فالزمنا كلمة التقوى وجعلنا أحق بها وأهلها وخصنا برحم رسول الله وقرابته وأنشأنا من آبائنا وأنبتنا من شجرته واشتقنا من نبعته جعله من أنفسنا عزيزا عليه ما عنتنا حريصا علينا بالمؤمنين رؤوفا رحيما ووضعنا من الإسلام وأهله بالموضع الرفيع وانزل بذلك على أهل الإسلام كتابا يتلى عليهم فقال تبارك وتعالى فيما انزل من محكم كتابه إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا وقال تعالى قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى وقال وأنذر عشيرتك الأقربين وقال ( وما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى ) وقال واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى فأعلمهم جل ثناؤه فضلنا وأوجب عليهم حقنا ومودتنا واجزل من الفيء والغنيمة نصيبنا تكرمة لنا وفضلا علينا والله ذو الفضل العظيم وزعمت الشامية الضلال أن غيرنا أحق بالرياسة والسياسة والخلافة منا فشاهت وجوههم بم ولم أيها الناس وبنا هدى الله الناس بعد ضلالتهم وبصرهم بعد جهالتهم وأنقذهم بعد هلكتهم واظهر بنا الحق ودحض الباطل واصلح بنا منهم ما كان فاسدا ورفع بنا الخسيسة وتمم بنا النقيصة وجمع الفرقة حتى عاد الناس بعد العداوة وأهل التعاطف والبر والمواساة في دنياهم وإخوانا على سرر متقابلين في آخرتهم فتح الله ذلك منة وبهجة لمحمد فلما قبضه الله إليه وقام بالأمر من بعده أصحابه وأمرهم شورى بينهم حروا مواريث الأمم فعدلوا فيها ووضعوها مواضعها وأعطوها أهلها وخرجوا خماصا منها ثم وثب بنو حرب وبنو مروان فانبذوها وتداولوها فجاروا فيها واستأثروا بها وظلموا أهلها بما ملا الله لهم حينا حتى اسفوه فلما آسفوه انتقم منهم بأيدينا ورد علينا حقنا وتدارك بنا امتنا وولي نصرنا والقيام بأمرنا ليمن بنا على الذين استضعفوا في الأرض وختم بنا كما افتتح بنا وأنى لأرجو أن لا يأتيكم الجور من حيث جاءكم الخير ولا الفساد من حيث جاءكم الصلاح وما توفيقنا أهل البيت إلا بالله يا أهل الكوفة أنت محل محبتنا ومنزل مودتنا أنتم الذين لم تتغيروا عن ذلك ولم يثنكم عنه تحامل أهل الجور عليكم حتى أدركتم زماننا واتاكم الله بدولتنا فانتم اسعد الناس بنا وأكرمهم علينا وقد زدتكم غي أعطياتكم مائة درهم فاستعدوا فأنا السفاح المبيح والثائر المنيح وكان موعوكا فاشتد عليه الوعك فجلس على المنبر
وقام عمه داود على مراقي المنبر فقال الحمد لله شكرا الذي اهلك عدونا واصار إلينا ميراثنا من نبينا محمد أيها الناس الآن اقشعت حنادس الدنيا وانكشف غطاؤنا واشرقت أرضها وسماؤها وطلعت الشمس من مطلعها وبزغ القمر من مبزغه واخذ القوس باريها وعاد السهم إلى منزعه ورجع الحق إلى نصابه في أهل بيت نبيكم أهل الرافة والرحمة بكم والعطف عليكم أيها الناس أنا والله ما خرجنا في طلب هذا الأمر لنكثر لجينا ولا عقيانا ولا نحفر نهرا ولا نبني قصرا وإنما أخرجتنا الآنفة من ابتزازهم حقنا والغضب لبني عمنا وما كرهنا من أموركم فلقد كانت أموركم ترفضنا ونحن على فرشنا ويشتد علينا سوء سيرة بني أمية فيكم واستنزالهم لكم واستئثارهم بفيئكم وصدقاتكم ومغانمكم عليكم لكم ذمة الله تبارك وتعالى
وذمة رسوله وذمة العباس رحمة الله علينا أن نحكم فيكم بما انزل الله ونعمل فيكم بكتاب الله ونسير في العامة والخاصة بسيرة رسول الله تبا تبا لبني حرب بن أمية وبني مروان آثروا في مدتهم العاجلة على الآجلة والدار الفانية على الدار الباقية فركبوا الآثام وظلموا الأنام وانتهكوا المحارم وغشوا بالجرائم وجاروا في سيرتهم في العباد وسنتهم في البلاد ومرحوا في أعنة المعاصي وركضوا في ميدان الغي جهلا باستدراج الله وأمنا لمكر الله فاتاهم باس الله بياتا وهم نائمون فاصبحوا أحاديث ومزقوا كل ممزق فبعدا للقوم الظالمين وادالنا الله من مروان وقد غره عليه فنادى حزبه وجمه مكايده ورمى بكتائبه فوجد أمامه ووراءه وعن يمينه وشماله من مكر الله وباسه ونقمته ما أمات باطله ومحا ضلاله وجعل دائرة السوء به واحيا شرفنا وعزنا ورد إلينا حقنا وارثنا
أيها الناس أن أمير المؤمنين نصره الله نصرا عزيزا إنما عاد إلى المنبر بعد الصلاة لأنه كاره أن يخلط بكلام الجمعة غيره وإنما قطعه عن استتمام الكلام شدة الوعك فادعوا الله لأمير المؤمنين بالعافية فقد بدلكم الله مروان عدو الرحمن وخليفة الشيطان المتبع السفلة الذين افسدوا في الأرض بعد إصلاحها بإبدال الدين وانتهاك حريم المسلمين الشباب المكتمل المتمهل المقتدي بسلفة الأبرار الأخيار الذين اصلحوا الأرض بعد فسادها بمعالم الهدى ومناهج التقوى فعج الناس له بالدعاء ثم قال يا أهل الكوفة أنا والله ما زلنا مظلومين مقهورين على حقنا حتى أباح الله لنا شيعتنا أهل خراسان فأحيا بهم حقنا وابلج بهم حجتنا واظهر بهم دولتنا واراكم الله بهم ما كنتم تنتظرون فاظهر فيكم الخليفة من هاشم وبيض به وجوهكم وادالكم على أهل الشام ونقل إليكم السلطان واعزل الإسلام ومن عليكم بإمام منحه العدالة وأعطاه حسن الايالة فخذوا ما آتاكم الله بشكر والزموا طاعتنا ولا تخدعوا عن أنفسكم فان الأمر أمركم وان لكم أهل بيت مصرا وإنكم مصرنا إلا وانه ما صعد منبركم هذا خليفة بعد رسول الله إلا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأمير المؤمنين عبد الله بن محمد وأشار بيده إلى أبي العباس السفاح واعلموا أن هذا الأمر فينا ليس بخارج منا حتى نسلمه إلى عيسى بن مريم عليه السلام والحمد لله على ما أبلانا وأولانا ثم نزل أبو العباس وداود بن علي إمامه حتى دخل القصر واجلس أخاه أبا جعفر المنصور يأخذ البيعة على الناس في المسجد فلم يزل ياخذها عليهم حتى صلى بهم العصر ثم المغرب وجنهم الليل فدخل
وقي أن داود بن علي لما تكلم قال في آخر كلامه أيها الناس أنه والله كان بينكم وبين رسول الله خليفة إلا علي بن أبي طالب وأمير المؤمنين الذي خلفني ثم نزلا وخرج أبو العباس بعسكر بحمام أعين في عسكر أبي سلمة ونزل معه في عمرته بينها ستر وحاجب السفاح يومئذ عبد الله بن بسام واستخلف على الكوفة وأرضها عمه داود بن علي وبعث عمه عبد الله بن علي إلى أبي عون بن يزيد بشهرزور وبعث ابن أخيه عيسى بن موسى إلى الحسن بن قحطبة وهو يومئذ يحاصر ابن هبيرة بواسط وبعث يحيى بن جعفر بن تمام بن عباس إلى حميد بن قحطبة بالمدائن وبعث أبا اليقظان عثمان بن عروة بن محمد بن عمار بن ياسر إلى بسام بن إبراهيم بن بسام بالأهواز وبعث سلمة بن عمرو بن عثمان إلى مالك بن الطواف وأقام السفاح بالعسكر اشهرا ثم ارتحل فنزل المدينة الهاشمية بقصر الإمارة وكان تنكر لأبي سلمة قبل تحوله حتى عرف ذلك
وقد قيل أن داود بن علي وابنه موسى لم يكونوا بالشام عند مسير بني العباس إلى العراق إنما كانا بالعراق أو بغيره فخرجا يريدان الشام فلقيهما أبو العباس وأهل بيته يريدون الكوفة بدومة الجندل فسألهم داود عن خبرهم فقص عليه أبو العباس قصتهم وانهم يردون الكوفة ليظهروا بها ويظهروا أمرهم فقال له داود يا أبا العباس تأتي الكوفة وشيخ بني أمية مروان بن محمد بحران مطل على العراق في أهل الشام والجزيرة وشيخ العرب يزيد بن عمر بن هبيرة بالعراق في جند العرب فقال يا عمي من احب الحياة ذل ثم تمثل بقول الاعشى
( فما ميتة أن متها غير عاجز % بعار إذا ما غالت النفس غولها )
فالتفت داود إلى ابنه موسى فقال صدق والله ابن عمك فارجع بنا معه نعش اعزاء ونمت كرماء فرجعوا جميعا فكان عيسى بن موسى يقول إذا ذكر خروجهم من الحميمة يريدون الكوفة أن نفرا أربعة عشر رجلا خرجوا من دارهم وأهلهم يطلبون ما طلبنا لعظيمة همتهم كبيرة أنفسهم شديدة قلوبهم
ذكر هزيمة مروان بالزاب
ص 68
قد ذكرنا أن قحطبة أرسل أبا عون عبد الملك بن يزيد الازدي إلى شهرزور وانه قتل عثمان بن سفيان وأقام بناحية الموصل وان مروان بن محمد سار إليه من حران حتى بلغ الزاب وحفر وكان في عشرين ومائة ألف وسار أبو عون إلى الزاب فوجه أبو سلمة إلى أبي عون عيينة بن موسى والمنهال بن فتان واسحاق بن طلحة كل واحد في ثلاثة آلاف فلما ظهر أبو العباس بعث سلمة بن محمد في ألفين وعيد الله الطائي في ألف وخمسمائة إلى أبي عون ثم قال من يسير إلى مروان من أهل بيتي فقال عبد الله بن علي أنا فسيره إلى أبي عون فقدم عليه فتحول أبو عون عن سرادقة وخلاه له وما فيه فلما كان لليلتين خلتا من جمادى الآخرة سنة اثنتين وثلاثين ومائة سال عبد الله ابن علي عن مخاضة فدل عليها بالتراب فأمر عيينة بن موسى فعبر في خمسة آلاف فانتهى إلى عسكر مروان فقاتلهم حتى أمسوا ورجع إلى عبد الله بن علي واصبح مروان فعقد الجسر وعبر عليه فنهاه وزراؤه عن ذلك فلم يقبل وسير ابنه عبد الله فنزل اسفل من عسكر عبد الله بن علي فبعث عبد الله بن علي المخارق في أربعة آلاف نحو عبد الله بن مروان فسرح إليه ابن مروان الوليد بن معاوية بن مروان بن الحكم فالتقيا فانهزم أصحاب المخارق وثبت هو فاسر هو وجماعة وسيرهم إلى مروان مع رؤوس القتلى فقال مروان ادخلوا علي رجلا من الأسرى فأتوه بالمخارق وكان نحيفا فقال أنت المخارق قال لا أنا عبد من عبيد أهل العسكر قال فتعرف المخارق قال نعم قال فانظر هل تراه في هذه الرؤوس فنظر إلى رأس منها فقال هو هذا فخلى سبيله فقال رجل مع مروان حين نظر المخارق وهو لا يعرفه لعن الله أبا مسلم حين جاءنا بهؤلاء يقاتلنا بهم وقيل أن المخارق لما نظر إلى الرؤوس قال ما أرى رأسه فيها ولا أراه إلا قد ذهب فخلى سبيله
ولما بلغت الهزيمة عبد الله بن علي أرسل إلى طريق المنهزمين من يمنعهم من دخول العسكر لئلا ينكر قومهم وأشار عليه أبو عون أن يبادر مروان بالقتال قبل أن يظهر أمر المخارق فيفت ذلك في أعضاد الناس فنادى فيهم بلبس السلاح والخروج إلى الحرب فركبوا واستخلف على عسكره محمد بن صول وسار نحو مروان وجعل على ميمنته أبا عون وعلى ميسرته الوليد بن معاوية وكان عسكره عشرين ألفا وقيل اني عشر ألفا وقيل غير ذلك فلما التقى العسكران قال مروان لعبد العزيز ابن عمر بن عبد العزيز أن زالت اليوم الشمي ولم يقاتلونا كنا الذين ندفعها إلى المسيح عليه السلام وان قاتلونا فاقبل الزوال فأنا لله وان إليه راجعون وأرسل مروان إلى عبد الله يسأله الموادعة فقال عبد الله كذب ابن زريق لا تزول الشمس حتى أوطئه الخيل أن شاء الله فقال مروان لأهل الشام قفوا لا تبدؤهم بالقتال وجعل ينظر إلى الشمس فحمل الوليد بن معاوية بن مروان بن الحكم وهو ختن مروان بن محمد على ابنته فغضب وشتمه
وقاتل ابن معاوية أبا عون فانحاز أبو عون إلى عبد الله بن علي فقال لموسى بن كعب يا عبد الله مر الناس فلينزلوا فنودي في الأرض فنزل الناس وأشرعوا الرماح وجثوا على الركب فقاتلوهم وجعل أهل الشام يتأخرون كأنهم يدفعون ومشى عبد الله بن علي فدعا وهو يقول يا رب حتى متى نقتل فيك ونادى يا أهل خراسان يا لثارات إبراهيم يا محمد يا منصور واشتد بينهم القتال
فقال مروان لقضاعة انزلوا فقالوا قل لبني سليم فليزلوا فأرسل إلى السكاسك أن احملوا فقالوا قل لبني عامر فليحملوا فأرسل السكون أن احملوا فقالوا قل لغطفان فليحملوا فقال لصحاب شرطته انزل فقال والله ما كنت لاجعل نفسي غرضا قال أما والله لاسوأنك فقال وددت والله انك قدرت على ذلك وكان مروان ذلك اليوم لا يدبر شيئا إلا ما كان فيه الخلل فأمر بالأموال فأخرجت وقال للناس اصبروا وقاتلوا فهذه الأموال لكم فجعل ناس من الناس يصيبون من ذلك فقيل له أن الناس قد مالوا على هذا المال ولا نأمنهم أن يذهبوا به فأرسل إلى ابنه عبد الله أن سر في أصحابك إلى قوم عسكرك فاقتل من اخذ من المال فامنعهم فمال عبد الله برايته وأصحابه فقال الناس الهزيمة الهزيمة فانهزم مروان وانهزموا وقطع الجسر وكان من غرق يومئذ أكثر ممن قتل فكان ممن غرق يومئذ إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك بن المخلوع فاستخرجوه في الغرقى فقرا عبد الله وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون وقيل بل قتله عبد الله بن علي بالشام وقتل في هذه الوقعة سعيد بن هشام بن عبد الملك وقيل بل قتله عبد الله بالشام وأقام عبد الله بن علي في عسكره سبعة أيام فقال رجل من ولد سعيد بن العاص يعير مروان
( لج الفرار بمروان فقلت له % عاد الظلوم ظليما همه الهرب )
( أين الفرار وترك الملك إذ ذهبت % عنك الهوينا فلا دين ولا حسب )
( فراشة الحلم فرعون العقاب وإن % تطلب نداه فكلب دونه كلب )
وكتب يومئذ عبد الله بن علي إلى السفاح بالفتح وحوى عسكر مروان بما فيه فوجد سلاحا كثيرا وأموالا ولم يجد فيه امرأة إلا جارية كانت لعبد الله بن مروان فلما أتى الكتاب السفاح صلى ركعتين ثم قال فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر - إلى قوله - وعلمه مما يشاء وأمر لمن شهد الوقعة بخمسمائة دينار ورفع أرزاقهم إلى ثمانين وكانت هزيمة مروان بالزاب يوم السبت لاحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة وكان فيمن قتل معه يحيى بن معاوية بن هشام بن عبد الملك وهو أخو عبد الرحمن صاحب الأندلس فلما تقدم إلى القتال رأى عبد الله بن علي فتى عليه ابهة الشرف يقاتل مستقتلا فناداه يا فتى لك الأمان ولو كنت مروان بن محمد فقال أن لم اكنه فلست بدونه قال فلك الأمان ولو كنت من كنت فاطرق ثم قال
( أذل الحياة وكره الممات % وكلا أراه طعاما وبيلا )
( فان لم يكن غير احداهما % فسير إلى الموت سيرا جميلا )
ثم قاتل حتى قتل فإذا هو مسلمة بن عبد الملك
ذكر قتل إبراهيم بن محمد بن علي الإمام
ص 71
قد ذكرنا سبب حبسه واختلف الناس في موته فقيل أن مروان حبسه بحران وحبس سعيد بن هشام بن عبد الملك وابنيه عثمان ومروان وعبد الله بن عمر بن عبد العزيز والعباس بن الوليد بن عبد الملك وأبا محمد السفياني هلك منهم في وباء وقع بحران العباس بن الوليد وإبراهيم بن محمد بن عل الإمام وعبد الله بن عمر فلما كان قبل هزيمة مروان من الزاب بجمعة خرج سعيد بن هشام وابن عمه ومن معه من المحبوسين فقتلوا صاحب السجن وخرجوا فقتلهم أهل حران ومن فها من الغوغاء وكان فيمن قتل أهل حران شراحيل بن مسلمة بن عبد الملك وعبد الملك ابن بشر التغلبي وبطريق ارمينية الرابعة واسمه كوشان وتخلف أبو محمد السفياني في الحبس فلم يخرج فيمن خرج ومعه غيره لم يستحلوا الخروج من الحبس فقدم مروان منهزما من الزاب فجاء فخلى عنهم وقيل أن مروان هدم على إبراهيم بيتا فقتله
وقد قيل أن شراحيل بن مسلمة بن عبد الملك كان محبوسا مع إبراهيم فكانا يتزاوران فصار بينهما مودة فأتى رسول الله من شراحيل إلى إبراهيم يوما بلبن فقال يقول لك أخوك أني شربت من هذا اللبن فاستطبته فأحببت أن تشرب منه فشرب منه فتكسر جسده من ساعته وكان يوما يزور فيه شراحيل فأبطأ عليه فأرسل إليه شراحيل انك قد أبطأت فما حبسك فأعاد إبراهيم إني لما شربت اللبن الذي أرسلت به قد أسهلني فأتاه شراحيل فقال والله الذي لا اله إلا هو ما شربت اليوم لبنا ولا أرسلت به إليك فأنا لله وأنا إليه راجعون احتيل والله عليك فبات إبراهيم ليلته واصبح ميتا من الغد فقال إبراهيم بن هرثمة يرثيه
( قد كنت أحسبني جلدا فضعضعني % قبر بحران فيه عصمة الدين )
( فيه الإمام وخير الناس كلهم % بين الصفائح والأحجار والطين )
( فيه الإمام الذي عمت مصيبته % وعيلت كل ذي مال ومسكين )
( فلا عفا الله عن مروان مظلمة % لكن عفا الله عمن قال آمين )
وكان إبراهيم خيرا فاضلا كريما قدم المدينة مرة ففرق في أهلها مالا جليلا وبعث إلى عبد الله بن الحسن بن الحسن بخمسمائة دينار وبعث إلى جعفر بن محمد بألف دينار فبعث إلى جماعة العلويين بمال كثير فاتاه الحسين بن زيد بن علي وهو صغير فأجلسه في حجره قال من أنت قال أنا الحسين بن زيد بن علي فبكى حتى بل رداءه وأمر وكيله بإحضار ما بقي من المال فاحضر أربعمائة دينار فسلمها إليه وقال لو كان عندنا شيء آخر لسلمته إليك وسير معه بعض مواليه إلى أمه ريطة بنت عبد الملك بن محمدابن الحنفية يعتذر إليها وكان مولده سنة اثنتين وثمانين وأمه أم ولد بربرية اسمها سلمى وكان ينبغي أن يقدم ذكر قتله على هزيمة مروان وانما قدمنا ذلك لتتبع الحادثة بعضها بعضا
ذكر قتل مروان بن محمد بن مروان بن الحكم
ص 72
وفي هذه السنة قتل مروان بن محمد وكان قتله ببوصير من أعمال مصر لثلاث بقين من ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائة وكان مروان لما هزمه عبد الله بن علي بالزاب أتى مدينة الموصل وعليها هشام بن عمرو التغلبي وبشر بن خزيمة الاسدي فقطعا الجسر فناداهم أهل الشام هذا أمير المؤمنين مروان فقالوا كذبتم أمير المؤمنين لا يفر وسبه أهل الموصل وقالوا يا جعدي يا معطل الحمد لله الذي أزال سلطانكم وذهب بدولتكم الحمد لله الذي أتانا بأهل بيت نبينا فلما سمع ذلك سار إلى بلد فعبر دجلة واتى حران وبها ابن أخيه أبان بن يزيد بن محمد بن مروان عامله عليها فأقام بها نيفا وعشرين يوما وسار عبد الله بن علي حتى أتى الموصل فدخلها وعزل عنها هشاما واستعمل عليها محمد بن صول ثم سار في اثر مروان بن محمد فلما دنا منه عبد الله حمل مروان أهله وعياله ومضى منهزما وخلف بمدينة حران ابن أخيه أبان بن يزيد وتحته أم عثمان ابنه مروان
وقدم عبد الله بن علي حران فلقيه أبان مسودا مبايعا له فبايعه له ودخل في طاعته فأمنه ومن كان بحران والجزيرة ومضى مروان إلى حمص فلقيه أهلها بالسمع والطاعة فأقام بها يومين أو ثلاثة ثم سار منها فلما رأوا قلة من معه طمعوا فيه وقالوا مرعوبا منهزما فاتبعوه بعد ما رحل عنهم فلحقوه على أميال فلما رأى غبرة الخيل كمن لهم فلما جاوزوا الكمين صافهم مروان فيمن معه وناشدهم فأبوا إلا قتاله فقاتلهم واتاهم الكمين من خلفهم فانهزم أهل حمص وقتلوا حتى انتهوا إلى قريب المدينة واتى مروان دمشق وعليها الوليد بن معاوية بن مروان فخلفه بها وقال قتلهم حتى يجتمع أهل الشام ومضى مروان حتى أتى فلسطين فتزل نهر أبي فطرس وقد غلب على فلسطين الحكم بن ضبعان الجذامي فأرسل مروان إلى عبد الله بن يزيد بن روح بن زنباع الجذامى فأجاره وكان بيت المال في يد الحكم
وكان السفاح قد كتب إلى عبد الله بن علي يأمره باتباع مروان فسار حتى أتى الموصل فتلقاه من بها مسودين وفتحوا له المدينة ثم سار إلى حران فتلقاه أبان بن يزيد مسودا كما تقدم فأمنه وخدم عبد الله الدار التي حبس فيها إبراهيم ثم سار من حران إلى منبج وقد سودوا فأقام بها وبعث إليه أهل قنسرين ببيعتهم وقدم عليه أخوه عبد الصمد بن علي أرسله السفاح مددا له في أربعة آلاف فسار عد قدوم عبد الصمد بيومين إلى قنسرين وكانوا قد سودوا فأقام بيومين ثم سار إلى حمص وبايع اهلها وأقام بها أياما ثم سار إلى بعلبك فأقام بيومين ثم سار فنزل مزة دمشق وهي قرية من قرى الغوطة وقدم عليه أخوه صالح بن علي مددا فنزل مرج عذراء في ثمانية آلاف ثم تقدم عبد الله فنزل على الباب الشرقي ونزل صالح على باب الجابية ونزل أبو عون على باب كيسان ونزل بسام بن إبراهيم على باب الصغير ونزل حميد بن قحطبة على باب توما وعبد الصمد ويحيى بن صفوان والعباس بن يزيد على باب الفراديس وفي دمشق الوليد بن معاوية فحصروه ودخلوها عنوة يوم الأربعاء لخمس مضين من شهر رمضان سنة اثنتين وثلاثين ومائة وكان أول من صعد سور المدينة من باب شرقي عبد الله الطائي ومن ناحية باب الصغير بسام بن إبراهيم فقاتلوا بها ثلاث ساعات وقتل الوليد ابن معاوية فيمن قتل وأقام عبد الله بن علي في دمشق خمسة عشر يوما ثم سار يريد فلسطين فلقيه أهل الاردن وقد سودوا واتى نهر أبي فطرس وقد ذهب مروان فأقام عبد الله لفلسطين ونزل بالمدينة يحيى بن جعفر الهاشمي فاتاه كتاب السفاح يأمره بإرسال صالح بن علي في طلب مروان فار صالح من نهر أبي فطرس في ذي القعدة سنة اثنتين وثلاثين ومائة ومعه ابن فتان وعامر ابن إسماعيل فقدم صالح أبا عون وعامر ابن إسماعيل الحارثي فساروا حتى بلغوا العريش فاحرق مروان ما كان حوله من علف وطعام وسار صالح فنزل النيل ثم سار حتى أتى الصعيد وبلغه أن خيلا لمروان يحرقون الاعلاف فوجه إليهم فاخذوا وقدم بهم على صالح وهو بالفسطاط وسار فنزل موضعا يقال له ذات السلاسل وقدم أبو عون عامر بن إسماعيل الحارثي وشعبة بن كثير المازني في خيل أهل الموصل فلقوا خيلا لمروان فهزموهم واسروا منهم رجالا فقتلوا بعضا واستحيوا بعضا فسألوهم عن مروان فاخبروهم بمكانه على أن يرمنوهم وساروا فوجدوه نازلا في كنيسة في بوصير فوافوه ليلا وكان أصحاب أبي عون قليلين فقال لهم عامر بن إسماعيل أن أصبحنا ورأوا قلتنا أهلكونا ولم ينج منا أحد وكسر جفن سيفه وفعل أصحابه مثله وحملوا على أصحاب مروان فانهزموا وحمل رجل على مروان فطعنه وهو لا يعرفه وصاح صائح صرع أمير المؤمنين فابتدروه فسبق إليه رجل من أهل الكوفة كان يبيع الرمان فاحتز رأسه فأخذه عامر فبعث به إلى أبي عون وبعثه أبو عون إلى صالح فلما وصل إليه أمر أن يقص لسانه فانقطع لسانه فأخذه مر فقال صالح ماذا ترينا الأيام من العجائب والعبر هذا لسان مروان قد أخذه هر وقال شاعر
( قد فتح الله مصر عنوة لكم % واهلك الفاجر الجعدي إذ ظلما )
( فلاك مقوله هر يجرره % وكان ربك من ذي الكفر منتقما )
وسيره صالح إلى أبي العباس السفاح وكان قتله لليلتين بقيتا من ذي الحجة ورجع صالح إلى الشام وخلف أبا عون بمصر وسلم اله السلاح والأموال والرقيق ولما وصل الرأس إلى السفاح كان بالكوفة فلما رآه سجد ثم رفع رأسه فقال الحمد لله الذي أظهرني عليك وأظفرني بك ولم يبق ثاري قبلك وقبل رهطك أعداء الدين وتمثل
( لو يشربون دمي لم يرو شاربهم % ولا دماؤهم للغيظ ترويني ) لما قتل مروان هرب ابناه عبد الله وعبيد الله إلى أرض الحبشة فلقوا من الحبشة بلاء قاتلهم الحبشة فقتل عبيد الله ونجا عبد الله في عدة ممن معه فبقي إلى خلافة المهدي فأخذه نصر بن محمد بن الاشعث عامل فلسطين فبعث به إلى المهجي ولما قتل مروان قصد عامر الكنيسة التي فيها حرم مروان وكان قد وكل بهن خادما وأمره أن يقتلهن بعده فأخذه عامر واخذ نساء مروان وبناته فسيرهن إلى صالح ابن علي بن عبد الله بن عباس فلما دخلن عليه تكلمت ابنة مروان الكبرى فقالت يا عم أمير المؤمنين حفظ الله لك من أمرك ما تحب حفظه نحن بناتك وبنات أخيك وابن عمك فليسعنا من عفوكم ما وسعكم من جورنا قال والله لا استبقي منكم واحدا ألم يقتل أبوك ابن آخي إبراهيم الإمام الم يقتل الوليد بن يزيد يحيى بن زيد وصلبه بخراسان الم يقتل ابن زياد الدعي مسلم بن عقيل الم يقتل يزيد بن معاوية الحسين بن علي واهل بيته الم يخرج إليه بحرم رسول الله سبايا فوقفهن موقف السبي الم يحمل راس الحسين وقد قرع دماغه فما الذي يحملني على الإبقاء عليكن قالت فليسعنا عفوكم فقال أما هذا فنعم وان أحببت زوجتك ابني الفضل فقالت وأي عز خير من هذا بل تلحقنا بحران فحملهن إليها فلما دخلنها ورأين منازل مروان رفعن أصواتهن بالبكاء قيل كان يوما بكير بن ماهان مع أصحابه قبل أن يقتل مروان يتحدث إذ مر به عامر بن إسماعيل وهو لا يعرفه فأتى دجلة واستقى من مائها ثم رجع فدعاه بكير فقال ما اسمك يا فتى قال عامر بن إسماعيل بن الحرث قال فكن من بني مسلية قال فأنا منهم قال أنت والله تقتل مروان فكان هذا القول هو الذي قوى طمع عامر في قتل مروان ولما قتل مروان كان عمره اثنتين وستين سنة وقيل تسعا وستين سنة وكانت ولايته من حين بويع إلى أن قتل خمس سنين وعشرة اشهر وستة عشر يوما وكان يكنى أبا عبد الملك وكانت أمه أم ولد كردية كانت لإبراهيم بن الأشتر أخذها محمد بن مروان يوم قتل إبراهيم فولدت مروان فلهذا قال عبد الله بن عياش المشرف للسفاح الحمد لله الذي أبدلنا بحمار الجزيرة وابن أمة النخع ابن عم رسول الله ابن عبد المطلب وكان مروان يلقب بالحمار والجعدي لأنه تعلم من الجعد بن درهم مذهبه في القول بخلق القرآن والقدر وغير ذلك وقيل أن الجعد كان زنديقا وعظه ميمون بن مهران فقال لشاه قباذ احب الي مما تدين به فقال له قتلك الله وهو قاتلك وشهد عليه ميمون وطلبه هشام فظفر به وسيره إلى خالد القسري فقتله فكان الناس يذمون مروان بنسبته إليه وكان مروان ابيض اشهل شديد الشهلة ضخم الهامة كث اللحية أبيضها ربعة وكان شجاعا حازما إلا أن مدته انقضت فلم ينفعه حزمه ولا شجاعته ( عياش ) بالياء تحتها نقطتان والشين المعجمة
ذكر من قتل من بني أمية
ص 76
دخل سديف على السفاح وعنده سليمان بن هشام بن عبد الملك وقد اكرمه فقال سديف
( لا يغرنك ما ترى من رجال % أن تحت الضلوع داء دويا )
( فضع السيف وارفع السوط حتى % لا ترى فوق ظهرها أمويا )
فقال سليمان قتلتني يا شيخ ودخل السفاح واخذ سليمان فقتل ودخل شبل ابن عبد الله مولى بني هاشم على عبد الله بن علي وعنده من بني أمية نحو تسعين رجلا على الطعام فاقبل عليه شبل فقال
( أصبح الملك ثابت الآساس % بالبهاليل من بني العباس )
( طلبوا وتر هاشم فشفوها % بعد ميل من الزمان وباس )
( لا تقيلن عبد شمس عثارا % واقطعن كل رقلة وغراس )
( ذلها أظهر التودد منها % وبها منكم كحر المواسي )
( ولقد غاظني وغاظ سوائي % قربهم من نمارق وكراسي )
( أنزلوها بحيث أنزلها الله % بدار الهوان والاتعاس )
( واذكروا مصرع الحسين وزيدا % وقتيلا بجانب المهراس )
( والقتيل الذي بحران أضحى % ثأويا بين غربة وتناسي )
فأمر بهم عبد الله فضربوا بالعمد حتى قتلوا وبسط عليهم الانطاع فأكل الطعام عليها وهو يسمع أنين بعضهم حتى ماتوا جميعا وأمر عبد الله بن علي بنبش قبور بني أمية بدمشق فنبش قبر معاوية بن أبي سفيان فلم يجدوا فيه إلا خيطا مثل الهباء ونبش قبر يزيد بن معاوية بن أبي سفيان فوجدوا فيه حطاما كأنه الرماد ونبش قبر عبد الملك بن مروان فوجدوا جمجمته وكان لا يوجد في القبر إلا العضو بعد العضو غير هشام بن عبد الملك فإنه وجد صحيحا لم يبل منه إلا أرنبة انفه فضربه بالسياط وصلبه وحرقه وذراه في الريح وتتبع بني أمية من أولاد الخلفاء وغيرهم فأخذهم ولم يفلت منهم إلا رضيع أو من هرب إلى الأندلس فقتلهم بنهر أبي فطرس وكان فيمن قتل محمد بن عبد الملك بن مروان والغمر بن يزيد بن عبد الملك وعبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك وسعيد بن عبد الملك وقيل أنه مات قبل ذلك وأبو عبيدة بن الوليد بن عبد الملك وقيل إبراهيم بن يزيد المخلوع قتل معهم واستصفى كل شيء لهم من مال وغير ذلك فلما فرغ منهم قال
( بني أمية أفنيت جمعكم % فكيف لي منكم بالأول الماضي )
( يطيب النفس أن النار تجمعكم % عوضتم من لظاها شر معتاض )
( منيتم لا أقال الله عثرتكم % بليث غاب إلى الاعداء نهاض )
( أن كان غيظي لفوت منكم فلقد % منيت منكم بما ربي به راض )
وقيل أن سديفا انشد هذا الشعر للسفاح ومعه كانت الحادثة وهو الذي قتلهم وقتل سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس بالبصرة أيضا جماعة من بني أمية عليهم الثياب الموشية المرتفعة وامر بهم فجروا بأرجلهم فالقوا على الطريق فأكلهم الكلاب فلما رأى بنو أمية ذلك اشتد خوفهم وتشتت شملهم واختفى من قدر على الاختفاء وكان ممن اختفى منهم عمرو بن معاوية بن عمرو بن سفيان بن عتبة بن أبي سفيان قال وكنت لا آتي مكانا إلا عرفت فيه فضاقت علي الأرض قدمت على سليمان بن علي وهو لا يعرفني فقلت لفظتني البلاد إليك ودلني فضلك عليك فأما قتلتني فاسترحت وأما رددتني سالما فأمنت فقال ومن أنت فعرفته نفسي فقال مرحبا بك ما حاجتك فقلت أن الحرم اللواتي أنت أولى الناس بهن وأقربهم إليهن قد خفن لخوفنا ومن خاف خيف عليه قال فبكى كثيرا ثم قال يحقن الله دمك ويوفر مالك ويحفظ حرمك ثم كتب إلى السفاح يا أمير المؤمنين أنه قد وفد وافد من بني أمية علينا وأنا إنما قتلناهم على عقوقهم لا على أرحامهم فإننا يجمعنا وإياهم عبد مناف والرحم تبل ولا تقتل وترفع ولا توضع فان رأي أمير المؤمنين أن يهبهم لي فليفعل وان فعل فيجعل كتابا عاما إلى البلدان نشكر الله تعالى على نعمه عندنا واحسانه إلينا فأجابه إلى ما سال فكان هذا أول أمان بني أمية
ذكر خلع حبيب بن مرة المري
ص 78
وفي هذه السنة بيض حبيب بن مرة المري وخلع هو ومن معه من أهل الثنية وحوران وكان خلعهم قبل خلع أبي الورد فسار إليه عبد الله وقاتله دفعات وكان حبيب من قواد مروان وفرسانه وكان سبب تبييضه الحوف على نفسه وقومه فبايعته قيس وغيرهم ممن يليهم فلما بلغ عبد الله خروج أبي الورد وتبييضه دعا حبيبا إلى الصلح فصالحه وامنه ومن معه وسار نحو أبي الورد
ذكر خلع أبي الورد وأهل دمشق
ص 78
وفيها خلع أبو الورد مجزة بن الكوثر بن زفر بن الحرث الكلابي وكان من أصحاب مروان وقواده وكان سبب ذلك أن مروان لما انهزم قام أبو الورد بقنسرين فقدمها عبد الله بن علي فبايعه أبو الورد ودخل فيما دخل فيه جنده وكان ولد مسلمة بن عبد الملك مجاورين له ببالس والناعورة فقدم بالس قائد من قواد عبد الله بن علي فبعث بولد مسلمة ونسائهم فشكا بعضهم ذلك إلى أبي الورد فخرج من مزرعة له يقال لها خساف فقتل ذلك القائد ومن معه واظهر التبييض والخلع لعبد الله ودعا أهل قنسرين إلى ذلك فبيضوا اجمعهم والسفاح يومئذ بالحيرة وعبد الله بن علي مشتغل بحرب حبيب بن مرة المري بأرض البلقاء وحوران والبثنية على ما ذكرناه فلما بلغ عبد الله تبييض أهل قنسرين وخلعهم صالح حبيب بن مرة وسار نحو قنسرين للقاء أبي الورد فمر بدمشق لأهل عبد الله وأمهات أولاده وثقله فلما قدم حمص انتقض له أهل دمشق وبيضوا وقاموا مع عثمان بن عبد الأعلى بن سراقة الأزدي فلقوا أبا غانم ومن معه فهزموه وقتلوا من أصحابه مقتلة عظيمة وانتهبوا ما كان عبد الله خلف من ثقله ولم يعرضوا لأهله واجتمعوا على الخلاف وسار عبد الله وكان قد اجتمع مع أبي الورد جماعة من أهل قتسرين وكاتبوا من يليهم من أهل حمص وتدمر فقدم منهم ألوف عليهم أبو محمد بن عد الله بن يزيد بن معاوية ودعوا إليه وقالوا هذا السفياني الذي كان يذكر وهم في نحو من أربعين ألفا فعسكروا بمرج الاخرم ودنا منهم عبد الله بن علي ووجه إليهم أخاه عبد الصمد بن علي في شعرة آلاف وكان أبو الورد هو المدبر لعسكر قنسرين وصاحب القتال فناهضهم القتال وكثر القتل في الفريقين وانكشف عبد الصمد ومن معه وقتل منهم ألوف ولحق بأخيه عبد الله فأقبل عبد الله ومعه جماعة القواد فالتقوا ثانية بمرج الأخرم فاقتتلوا قتالا شديدا وثبت عبد الله فانهزم أصحاب أبي الورد وثب هو في نحو من خمسمائة من قومه وصاحبه فقتلوا جميعا وهرب أبو محمد ومن معه حتى لحقوا بتدمر وأمن عبد الله أهل قنسرين وسودوا وبايعوه ودخلوا في طاعته ثم انصرف راجعا إلى أهل دمشق لما كان من تبييضهم عليه فلما دنا منهم هرب الناس ولم يكن منهم قتال وأمن عبد الله أهلها وبايعوه ولم يأخذهم بما كان منهم ولم يزل أبو محمد السفياني متغيبا هاربا ولحق بأرض الحجاز وبقي كذلك إلى أيام المنصور فبلغ زياد ابن عبد الله الحارثي عامل المنصور مكانه فبعث إليه خيلا فقاتلوه واخذوا ابنين له اسيرين فبعث زياد براس أبي محمد بن عبد الله السفياني وبابنيه فأطلقهما المنصور وأمنهما وقيل أن حرب عبد الله وأبي الورد كانت سلخ ذي الحجة سنة ثلاث وثلاثين ومائة
ذكر تبييض أهل الجزيرة وخلعهم
ص 79
وفي هذه السنة بيض أهل الجزيرة وخلعوا أبا العباس السفاح وساروا إلى حران وبها موسى بن كعب في ثلاثة آلاف من جند السفاح فحاصروه بها وليس على أهل الجزيرة راس يجمعهم فقدم عليهم إسحاق بن مسلم العقيلي من ارمينية وكان سار عنها حين بلغه هزيمة مروان فاجتمع عليه أهل الجزيرة وحاصر موسى بن كعب نحوا من الشهرين ووجه أبو العباس السفاح أخاه أبا جعفر فيمن كان معه من الجنود بواسط محاصرين ابن هبيرة فسار بقرقيسيا والرقة وأهلهما قد بيضوا وسار نحو حران فرحل إسحاق بن مسلم إلى الرهاء وذلك سنة ثلاث وثلاثين ومائة وخرج موسى بن كعب بن حران فلقي أبا جعفر ووجه إسحاق بن مسلم أخاه بكار بن مسلم إلى ربيعة بدارا وماردين ورئيس ربيعة يومئذ رجل من الحرورية يقال له بريكة فعمد إليهم أبو جعفر فلقيهم فقاتلوه قتالا شديدا وقتل برمكة في المعركة وانصرف بكار إلى أخيه إسحاق بالرها فخلفه إسحاق بها وسار إلى سميساط في عظم عسكره واقبل أبو جعفر إلى الرها وكان بينهم وبين بكار وقعات وكتب السفاح إلى عبد الله بن علي يأمره أن يسير في جنوده إلى سمياط فسار حتى نزل بازاء إسحاق بسمسياط وإسحاق في ستين ألفا وبينهم الفرات واقبل أبو جعفر من الرها وحاصر إسحاق سميساط سبعة أشهر وكان إسحاق يقول في عنقي بيعة فأنا لا أدعها حتى أعلم أن صاحبها مات أو قتل فأرسل إليه أبو جعفر أن مروان قد قتل فقال حتى أتيقن فلما تيقن قتله طلب الصلح والأمان فكتبوا إلى السفاح بذلك وأمرهم أن يؤمنوه ومن معه فكتبوا بينهم كتابا بذلك وخرج إسحاق إلى أبي جعفر وكان عنده من آثر صحابته واستقام أهل الجزيرة والشام وولى أبو العباس أخاه أبا جعفر الجزيرة وارمينية واذربيجان فلم يزل عليها حتى استخلف وقد قيل أن عبيد الله بن علي هو الذي أمن إسحاق بن مسلم
ذكر قتل أبي سلمة الخلال وسليمان بن كثير
ص 80
قد ذكرنا ما كان من أبي سلمة في أمر أبي العباس السفاح ومن كان معه من بني هاشم عند قدومهم الكوفة بحيث صار عندهم متهما وتغير السفاح عليه وهو يعسكره بحمام اعين ثم تحول عنه إلى المدينة الهاشمية فنزل قصر الإمارة بها وهو متنكر لأبي سلمة وكتب إلى أبي مسلم يعلمه رأيه فيه وما كان هم به من الغش وكتب إليه أبو مسلم أن كان أمير المؤمنين اطلع على ذلك فليقتله فقال داود بن علي للسفاح لا تفعل يا أمير المؤمنين فيحتج بها أبو مسلم عليك وأهل خراسان الذين معك أصحابه وحاله فيهم حاله ولكت اكتب إلى أبي مسلم فليبعث إليه من يقتله فكتب إليه فبعث أبو مسلم مرار بن انس الضبي لقتله فقدم على السفاح فاعلمه بسبب قدومه فأمر السفاح مناديا فنادى أن أمير المؤمنين قد رضي عن أبي سلمة ودعاه فكساه ثم دخل عليه بعد ذلك ليلة فلم يزل عنده حتى ذهب عامة الليل ثم انصرف إلى منزله وحده فعرض له مرار ابن انس ومن معه من اعوانه فقتلوه وقالوا قتله الخوارج ثم أخرج من الغد فصلى عليه يحيى بن محمد بن علي ودفن بالمدينة الهاشمية عند الكوفة فقال سليمان بن المهاجر البجلي
( أن الوزير وزير آل محمد % أودى فمن يشناك صار وزيرا )
وكان يقال لأبي سلمة وزير آل محمد ولأبي مسلم أمير آل محمد فلما قتل أبو سلمة وجه السفاح أخاه أبا جعفر إلى أبي مسلم فلما قدم على أبي مسلم سايره عبيد الله بن الحسن الأعرج وسليمان بن كثير فقال سليمان بن كثير لعبيد الله ا هذا أنا كنا نرجو أن يتم أمركم فإذا شئتم فادعونا إلى ما تريدون فظن عبيد الله أنه دسيس من أبي مسلم فأتى أبا مسلم فاخبره وخاف أن لم يعلمه أن يقتله فاحضر أبو مسلم سليمان ابن كثير وقال له أتحفظ قول الإمام لي من اتهمته فاقتله قال نعم قال فإني قد أهمتك قال أنشدك بالله قال لا تناشدي الله فأنت منطو على غش الإمام وأمر بضرب عنقه ورجع أبو جعفر إلى السفاح فقال لست خليفة ولا آمرك بشيء أن تركت أبا مسلم ولم تقتله قال وكيف قال والله ما يصنع إلا ما أراد قال أبو العباس فاكتمها وقد قيل أن أبا جعفر إنما سار إلى أبي مسلم قبل أن يقتل أبو سلمة وكان سبب ذلك أن السفاح لما ظهر تذاكروا ما صنع أبو سلمة فقال بعض من هناك لعل ما صنع كان من رأي أبي مسلم فقال السفاح لئن كان هذا عن رأيه أنا لنعرضن بلاء إلا أن يدفعه الله عنا وأرسل أخاه أبا جعفر إلى أبي مسلم ليعلم رأيه فسار اله واعلمه ما كان من أبي سلمة فأرسل مرار بن انس فقتله
ذكر محاصرة ابن هبيرة بواسط
ص 81
قد ذكرنا ما كان من أمر يزيد بن هبيرة والجيش الذين لقوه من أهل خراسان مع قحطبة ثم مع ابنه الحسن وانهزامه إلى واسط وتحصنه بها وكان لما انهزم قد وكل بالأثقال قوما فذهبوا بها فقال له حوثرة أين تذهب وقد قتل صاحبهم يعني قحطبة اتمضي إلى الكوفة ومعك جند كثير فقاتلهم حتى تقتل أو تظفر قال بل نأتي واسطا فننظر قال ما تريد على أن تمكنه من نفسك وتقتل وقال يحيى بن حضين انك لو تأتى مروان بشيء احب إليه من هذه الجنود فالزم الفرات حتى تأتيه واياك وواسطا فتصير في حصار وليس بعد الحصر إلا القتل فابى وكان يخاف مروان لأنه كان يكتب إليه بالأمر فيخالفه فخاف أن يقتله فأتى واسطا فتحصن بها وسير أبو سلمة إليه الحسن بن قحطبة فحصره وأول وقعة كانت بين يوم الأربعاء قال أهل الشام لابن هبيرة ائذن لنا في قتالهم فأذن لهم فخرجوا وخرج ابن هبيرة وعلى ميمنته ابنه داود فالتقوا وعلى ميمنة الحسن خازم بن خزيمة فحمل خازم على ابن هبيرة فانهزم هو ومن معه وغص الباب بالناس ورمي أصحابه بالعرادات ورجع أهل الشام فكر عليهم الحسن واضطرهم إلى دجلة فغرق منهم ناس كثير فتلقوهم بالسفن وتحاجزوا فمكثوا سبعة أيام ثم خرجوا إليهم فاقتتلوا وانهزم أهل الشام هويمة قبيحة فدخلوا المدينة فمكثوا ما شاء الله لا يقاتلون إلا رميا وبلغ ابن هبيرة وهو في الحصار أن أبا أمية التغلبي قد سود فأخذه وحبسه فتكلم ناس من ربيعة في ذلك ومعن بن زائدة الشيباني واخذوا ثلاثة نفر من فزارة رهط ابن هبيرة فحبسوهم وشتموا ابن هبيرة وهو في الحصار أن أبا أمية التغلبي قد سود فأخذه وحبسه فتكلم ناس من ربيعة في ذلك ومعن بن زائدة الشيباني وأخذوا ثلاثة نفر من فزارة رهط ابن هبيرة فحبسوهم وشتموا ابن هبيرة وقالوا لا نترك ما في أيدينا حتى يترك ابن هبيرة صاحبنا وأبى ابن هبيرة أن يطلقه فاعتزل معن وعبد الرحمن بن بشير العجلي فيمن معهما فقيل لابن هبيرة هؤلاء فرسانك قد أفسدتهم وان تماديت في ذلك كانوا اشد عليك ممن حصرك فدعا أبا أمية فكساه وخلى سبيله فاصطلحوا وعادوا إلى ما كانوا عليه وقدم أبو نصر مالك بن الهيثم من ناحية سجستان إلى الحسن فأوفد الحسن وفدا إلى السفاح بقدوم أبي نصر عليه وجعل على الوفد غيلان بن عبد الله الخزاعي وكان غيلان واجدا على الحسن لأنه سرحه إلى روح بن حاتم مددا له فلما قدم على السفاح وقال اشهد انك أمير المؤمنين وانك حبل الله المتين وانك إمام المتقين قال حاجتك يا غيلان قال استغفرك قال غفر الله لك قال غيلان يا أمير المؤمنين من علينا برجل من أهل بيتك قال أوليس عليكم رجل من أهل بيتي الحسن ابن قحطبة قال يا أمير المؤمنين من علينا برجل من أهل بيتك ننظر إلى وجهه وتقر عيننا به فبعث أخاه أبا جعفر لقتال ابن هبيرة عند رجوعه من خراسان وكتب إلى الحسن أن العسكر عسكرك والقواد قوادك ولكن أحببت أن يكون أخي حاضرا فاسمع له واطع واحسن مؤازرته وكتب إلى مالك بن الهيثم بمثل ذلك وكان الحسن هو المدبر لأمر ذلك العسكر فلما قدم أبو جعفر المنصور على الحسن تحول الحسن عن خيمته وأنزله فيها وجعل الحسن على حرس المنصور عثمان بن نهيك وقاتلهم مالك بن الهيثم يوما فانهزم أهل الشام إلى خنادقهم وقد كمن لهم معن وابو يحيى الجذامي فلما جازهم أصحاب مالك خرجوا عليهم فقاتلهم حتى جاء الليل وابن هبيرة على برج الخلالين فاقتتلوا ما شاء الله من الليل وسرح ابن هبيرة إلى معن يأمره بالانصراف فانصرف فمكثوا أياما وخرج أهل واسط أيضا مع معن ومحمد بن نباتة فقاتلهم أصحاب الحسن فهزموهم إلى دجلة حتى تساقطوا فيها ورجعوا وقد قتل ولد مالك بن الهيثم فلما رآه أبوه قتيلا قال لعن الله الحياة بعدك ثم حملوا على أهل واسط فقاتلوهم حتى أدخلوهم المدينة وكان مالك يملأ السفن حطبا ثم يضرمها نارا لتحرق ما مرت بع فكان ابن هيرة يجر تلك السفن بكلابيب فمكثوا كذلك أحد عشر شهرا فلما طال عليهم الحصار طلبوا الصلح ولم يطلبوا حتى جاءهم خبر قتل مروان أتاهم به إسماعيل بن عبد الله القسري وقال لهم علام تقتلون أنفسكم وقد قتل مروان وتجنى أصحاب ابن هبيرة عليه فقالت اليمانية لا نعين مروان وآثاره فينا آثاره وقالت النزارية لا نقاتل حتى تقاتل معنا اليمانية وكان يقاتل معه صعاليك الناس وفتيانهم وهم ابن هبيرة بان يدعو إلى محمد بن عبد الله بن الحسن بن علي فكتب إليه فأبطأ جوابه وكاتب السفاح اليمانية من أصحاب ابن هبيرة واطمعهم فخرج إليه زياد بن صالح وزياد بن عبيد الله الحارثيان ووعدا ابن هبيرة أن يصلحا له ناحية ابن العباس فلم يفعلا وجرت السفراء بين أبي جعفر وابن هبيرة حتى جعل له أمانا وكتب به كتابا مكث ابن هبيرة يشاور فيه العلماء أربعين يوما حتى رضيه فأنفذه إلى أبي جعفر فأنفذه أبو جعفر إلى أخيه السفاح فأمره بإمضائه وكان رأي أبي جعفر الوفاء له بما أعطاه وكان السفاح لا يقطع أمرا دون أبي مسلم وكان أبو الجهم عينا لابي مسلم على السفاح فكتب السفاح إلى أبي مسلم يخبره أمر ابن هبيرة فكتب أبو مسلم إليه أن الطريق السهل إذا ألقيت فيه الحجارة فسد لا والله لا يصلح طريق فيه ابن هبيرة ولما تم الكتاب خرج ابن هبيرة إلى أبي جعفر في ألف وثلاثمائة من البخارية وأراد أن يدخل الحجرة على دابته فقام إليه الحاجب سلام بن سليم فقال مرحبا بك أبا خالد انزل راشدا وقد أطاف بحجرة المنصور عشرة آلاف من أهل خراسان فنزل ودعا له بوسادة ليجلس عليها وأدخل القواد ثم أذن لابن هبيرة وحده فدخل وحادثه ساعة ثم قام ثم مكث يأتيه يوما ويتركه يوما فكان يأتيه في خمسمائة فارس وثلاثمائة راجل فقيل لأبي جعفر أن ابن هبيرة ليأتي فيتضعضع له العسكر وما نقص من سلطانه شيء فأمره أبو جعفر أن لا يأتي إلا في حاشيته فكان يأتي في ثلاثين ثم صار يأتي في ثلاثة أو أربعة وكلم ابن هبيرة المنصور يوما فقال له ابن هبيرة يا هناه أو يا أيها المرء ثم رجع فقال أيها الأمير أن عهدي بكلام الناس بمثل ما خاطبتك به لقريب فسبقني لساني إلى ما لم أرده فالح السفاح على أبي جعفر يأمره بقتل ابن هبيرة وهو يراجعه حتى كتب إليه والله لتقتلنه أو ولأرسلن إليه من يخرجه من حجرتك ثم أتولى قتله فعزم على قتله
فبعث خازم بن خزيمة والهيثم بن شعبة بن ظهير وأمرهما بختم بيوت الأموال ثم بعث إلى وجوه مع ابن هبيرة من القيسية والمضرية فأحضرهم فاقبل محمد ابن نباتة وحوثرة بن سهيل في اصنين وعشرين رجلا فخرج سلام بن سليم فقال أين ابن نباتة وحوثرة فدخلا وقد اجلس أبو جعفر عثمان بن نهيك وغيره في مائة في حجرة دون حجرته فنزعت سيوفهما وكتفا واستدعى رجلين رجلين يفعل بهما مثل ذلك فقال بعضهم اعطيتمونا عهد الله ثم غدرتم بنا أنا لنرجو أن يدرككم الله وجعل ابن نباتة يضرط في لحية نفسه وقال كأني كنت انظر إلى هذا
وانطلق خازم والهيثم بن شعبة ف نحو من مائة إلى ابن هبيرة فقالوا نريد حمل المال فقال لحاجبه دلهم على الخزائن فأقاموا عند كل بيت نفرا واقبلوا نحوه وعنده ابنه داود وعدة من مواليه وبني له صغير في حجره فلما أقبلوا نحوه قام حاجبه في وجوههم فضربه الهيثم بن شعبة على حبل عاتقه فصرعه وقاتل ابنه داود واقبل هو إليه ونحى ابنه من حجره فقال دونكم هذا الصبي وخر ساجدا فقتل وحملت رؤوسهم إلى أبي جعفر ونادى بالأمان للناس إلا الحكم بن عبد الملك بن بشر وخالد بن سلمة المخزومي وعمر بن ذر فاستأمن زياد بن عبيد الله لابن ذر فأمنه وهرب الحكم وأمن أبو جعفر خالدا فقتله السفاح ولم يجز أمان أبي جعفر فقال أبو العطاء السندي يرثي ابن هبيرة
( إلا أن عينا لم تجد يوم واسط % عليك بخارى دمعها لجمود )
( عشية قام النائحات وصفقت % أكف بأيدي مأتم وخدود )
( فإن تنس مهجور الفناء فربما % أقام به بعد الوفود وفود )
( فإنك لم تبعد على متعهد % بلى كل من تحت التراب بعيد )
ذكر قتل عما أبي سلمة بفارس
ص 85
وفي هذه السنة وجه أبو مسلم الخراساني محمد بن الاشعث على فارس وأمره أن يقتل عمال أبي سلمة ففعل ذلك فوجه السفاح عمه عيسى بن علي إلى فارس وعلها محمد بن الاشعث فأراد محمد قتل عيسى فقيل له أن هذا لا يسوغ لك فقال بلى امرني أبو مسلم أن لا يقدم أحد علي يدعي الولاية من غيره إلا ضربت عنقه ثم ترك عيسى خوفا من عاقبة قتله واستحلف عيسى بالايمان المحرجة أن لا يعلو منبرا ولا يتقلد سيفا إلا في جهاد فلم يتول عيسى بعد ذلك ولاية ولم يتقلد سيفا إلا في غزو ثم وجه السفاح بعد ذلك إسماعيل بن علي واليا على فارس
ذكر ولاية يحيى بن محمد الموصل وما قيل فيها
ص 85
وفي هذه السنة استعمل السفاح أخاه يحيى بن محمد على الموصل عوض محمد ابن صول وكان سبب ذلك أن أهل الموصل امتنعوا من طاعة محمد بن صول وقالوا يلي علينا مولى الخثعم وأخرجوه عنهم فكتب إلى السفاح بذلك واستعمل عليهم أخاه يحيى بن محمد وسيره إليها في اثني عشر ألف رجل فنزل قصر الإمارة مجانب مسجد الجامع ولم يظهر لأهل الموصل شيئا ينكرونه ولم يعترضهم فيما يفعلونه ثم دعاهم فقتل منهم اثني عشر رجلا فنفر أهل البلد وحملوا السلاح فأعطاهم الأمان وأمر فنودي من دخل الجامع فهو آمن فأتاه الناس يهرعون إليه فأقام يحيى الرجال على أبواب الجامع فقتلوا الناس قتلا ذريعا أسرفوا فيه فقيل أنه قتل فيه أحد عشر ألفا ممن له خاتم وممن ليس له خاتم خلقا كثيرا فلما كان الليل سمع يحيى صراخ النساء اللاتي قتل رجالهن فسال عن ذلك الصوت فاخبر به فقال إذا كان الغد فاقتلوا النساء والصبيان ففعلوا ذلك وقتل منهم ثلاثة أيام وكان في عسكره قائد معه أربعة آلاف زنجي فأخذوا النساء قهرا فلما فرغ يحي من قتل أهل الموصل ف اليوم الثالث ركب اليوم الرابع وبين يديه الحراب والسيوف المسلولة فاعترضته امرأة وأخذت بعنان دابته فأراد أصحابه قتلها فنهاهم عن ذلك فقالت له الست من بني هاشم الست ابن عم رسول الله أما تأنف للعربيات المسلمات أن ينكحن الزنج فأمسك عن جوابها وسير معها من يبلغها مأمنها وقد عمل كلامها فيه فلما كان الغد جمع الزنج للعطاء فاجتمعوا فأمر بهم فقتلوا عن آخرهم وقيل كان السبب في قتل أهل الموصل ما ظهر منهم من محبة بني أمية وكراهة بني العباس وان امرأة غسلت رأسها والقت الخطمي من السطح فوق على راس بعض الخراسانية فظنها فعلت ذلك تعمدا فهج الدار وقتل أهلها فثار أهل البلد وقتلوه وثارت الفتنة وفيمن قتل معروف بن أبي معروف وكان زاهدا عابدا وقد أدرك كثيرا من الصحابة وروى عنهم
ذكر عدة حوادث
ص 86
وفيها وجه السفاح أخاه المنصور واليا على الجزيرة واذربيجان وارمينية
وفيها عزل عمه داود بن علي عن الكوفة وسوادها وولاه المدينة ومكة واليمن واليمامة وولى موضعه من عمل الكوفة ابن أخيه عيسى بن موسى بن محمد فاستقضى عيسى على الكوفة ابن أبي ليلى وكان العامل على البصرة هذه السنة سفيان بن معاوية المهلبي وعلى قضائها الحجاج بن ارطأة وعلى السند منصور بن جمهور وعلى فارس محمد بن الاشعث وعلى الجزيرة وارمينية واذربيجان أبو جعفر بن محمد بن علي وعلى الموصل يحيى بن محمد بن علي وعلى الشام عبد الله بن علي وعلى مصر أبو عون عبد الملك بن يزيد وعلى خراسان والجبال أبو مسلم وعلى ديوان الخراج خالد ن برمك
وحج بالناس هذه السنة داود بن علي
وفيها مات عبد الله بن أبي نجيح واسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري
وفيها قتل يحيى بن معاوية بن هشام بن عبد الملك مع مروان بن محمد بالزاب ويحيى أخو عبد الرحمن الداخل إلى الأندلس
وفيها قتل يونس بن مغيرة بن حلين بدمشق لما دخلها عبد الله بن علي وكان عمره عشرين ومائة سنة قتله رجلان من خراسان ولم يعرفاه فلما عرفاه بكيا عله وقيل بل عضته دابة من دوابه فقتلته وكان ضريرا
وفيها مات صفوان بن سليم مولى حميد بن عبد الرحمن وفيها توفي محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم بالمدينة وكان قاضيها
وفيها مات همام بن منبه وعبد الله بن عوف وسعيد بن سليمان بن زيد بن ثابت الأنصاري وخبيب بن عبد الرحمن بن خبيب بن يسار الأنصاري وهو خال عبيد الله بن عمر العمري ( خبيب ) بضم الخاء المعجمة وفتح الباء الموحدة وعمارة بن أبي حفصة واسم أبي حفصة ثابت بن مولى العتيك بن الازد وهو والد حرمي كنيته أبو روح ( حرمي ) بفتح الحاء والراء المهملتين
وفيها توفي عبد الله بن طاوس بن كيسان الهمداني من عباد أهل اليمن وفقهائهم
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.