ذكر خروج عبد الله بن علي وهزيمته
ص 101
قد ذكرنا مسير عبد الله بن علي إلى الصائفة في الجنود وموت السفاح وإرسال عيسى ابن موسى إلى عمه عبد الله بن علي يخبره بموته ويأمره بالبيعة لأبي جعفر المنصور وكان السفاح قد أمر بذلك قبل وفاته فلما قدم الرسول على عبد الله بذلك لحقه بدلول وفي بأفواه الدروب فأمر مناديا فنادى الصلاة جامع فاجتمعوا عليه فقرأ عليهم الكتاب بوفاة السفاح ودعا الناس إلى نفسه وأعلمهم أن السفاح حين أراد أن يوجه الجنود إلى مروان بن محمد دعا بني أبيه فأرادهم على المسير اله فقال من أنتدب منكم فسار إليه فهو ولي عهدي فلم ينتدب له غيري وعلى هذا خرجت من عنده وقتلت من قتلت وشهد له أبو غانم الطائي وخفاف المروروزي وغيرهما من القواد فبايعوه وفيهم حميد ابن قحطبة وغيرهم من أهل خراسان والشام والجزيرة إلا أن حميدا فارقه على ما نذكره ثم سار عبد الله حتى نزل حران وبها مقاتل العكي قد استخلفه أبو جعفر لما سار إلى مكة فتحصن منه مقاتل فحصره أربعين يوما وكان أبو مسلم قد عاد من الحج مع المنصور كما ذكرناه فقال للمنصور إن شئت جمعت ثيابي في منطقتي وخدمتك وإن شئت أتيت خراسان فامددتك بالجنود وإن شئت سرت إلى حرب عبد الله بن علي فأمره بالمسير لحرب عبد الله فسار أبو مسلم في الجنود نحو عبد الله فلم يتخلف عنه أحد وكان قد لحقه حميد بن قحطبة فسار معه وجعل على مقدمته مالك بن الهيثم الخزاعي فلما بلغ عبد الله وهو يحاصر حران إقبال أبي مسلم خشي أن يهجم عليه عطاء العتكي إماما فنزل إليه فيمن معه وأقام معه أياما ثم وجهه إلى عثمان بن عبد الأعلى ابن سراقة الأزدي بالرقة ومعه ابناه وكتب معه كتابا فلما قدموا على عثمان دفع العتكي الكتاب إليه فقتل العتكي وحبس ابنيه فلما هزم عبد الله قتلهما وكان عبد الله بن علي قد خشي أن لا يناصحه أهل خراسان فقتل منهم نحوا من سبعة عشر ألفا واستعمل حميد بن قحطبة على حلب وكتب معه فلما كان ببعض الطريق قال إن ذهابي بكتاب لا اعلم ما فيه لغرز فقرأه فلما رأى ما فيه لأعلم خاصته ما في هذا الكتاب وقال من أراد المسير معي منكم فليسر فاتبعه ناس كثير منهم وسار على الرصافة إلى العراق فأمر المنصور محمد بن صول بالمسير إلى عبد الله بن علي ليمكر به فلما أتاه قال له أني سمعت أبا العباس يقول الخليفة بعدي عمي عبد الله فقال له كذبت إنما وضعت أبو جعفر فضرب عنقه ومحمد بن صول هو جد إبراهيم بن العباس الكاتب الصولي
ثم أقبل عبد الله جبن علي حتى نزل نصيبين وخندق عليه وقدم أبو مسلم فيمن معه وكان المنصور قد كتب إلى الحسن بن قحطبة وكان خليفته بأرمينية يأمره أن يوافي أبا مسلم فقدم على أبي مسلم بالموصل واقبل أبو مسلم فنزل ناحية نصيبين فاخذ طريق الشام ولم يعرض لعبد الله وكتب إليه أني لم اؤمر بقتالك ولكن أمير المؤمنين ولاني الشام فأنا أريدها فقال من كان مع عبد الله من الأهل الشام لعبد الله كيف نكون معك وهذا يأتي بلادنا فيقتل من قدر عليه من رجالنا ويسبي ذرارينا ولكن نخرج إلى بلادنا فنمنعه ونقاتله فقال لهم عبد الله انه والله ما يريد الشام وما توجه إلا لقتالكم وان أقمتم ليأتينكم فأبو إلا المسير إلى الشام وأبو مسلم قريب منهم فارتحل عبد الله نحو الشام وتحول أبو مسلم فنزل في معسكر عبد الله بن علي في موضعه وغور ما حوله من المياه وألفى فيها الجيف وبلغ عبد الله ذلك فقال لأصحابه ألم أقل لكم ورجع فنزل في موضع عسكر أبي مسلم الذي كان به فاقتتلوا خمسة أشهر وأهل الشام أكثر فرسانا واكمل عدة وعلى ميمنة عبد الله بكار بن سلم العقيلي وعلى ميسرته حبيب بن سويد الأسدي وعلى الخيل عبد الصمد بن علي أخو عبد الله وعلى ميمنة أبي مسلم الحسن بن قحط به وعلى ميسرته خازم فاقتتلوا شهرا ثم أن أصحاب عبد الله حملوا على عسكر أبي مسلم فأزالوهم عن مواضعهم ورجعوا ثم حمل عليهم عبد الصمد بن علي في خيل مجردة فقتل منهم ثمانية عشر رجلا ورجع في أصحابه ثم تجمعوا وحملوا ثانية على أصحاب أبي مسلم فأزالوا صفهم وجالوا جولة فقيل لألبي مسلم لو حولت دابتك إلى هذا التل ليراك الناس فيرجعوا فانهم قد انهزموا فقال إن أهل الحجى لا يعكفون دوابهم على هذه الحال وأمر مناديا فنادى يا أهل خراسان ارجعوا فان العافية لما اتقى فتراجع الناس وارتجز أبو مسلم يومئذ يقول
( من كان ينوي أهله فلا رجع % فر من الموت وفي الموت وقع )
وكان قد عمل لأبي مسلم عريش فكان يجلس عليه إذا التقى الناس فينظر إلى القتال فان رأى خللا في الجيش سده وأمر مقدم تلك الناحية بالاحتياط وبما يفعل فلا تزال رسله تختلف إليهم حتى يمصرف الناس بعضهم عن بعض فلما كان يوم الثلاثاء والأربعاء لسبع خلون من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين التقوا فاقتتلوا قتالا شديدا فمكر بهم أبو مسلم وأمر الحسن بن قحطبة أن يعبئ الميمنة أكثرها إلى الميسرة وليترك في الميمنة جماعة أصحابه وأشداءهم فلما رأى ذلك أهل الشام أعروا ميسرتهم وانضموا إلى ميمنتهم بازاء ميسرة أبي مسلم وأمر أبو مسلم أهل القلب فحملوا مع من بقي في ميمنته على ميسرة أهل الشام فحملوا عليهم فحطموهم وجال القلب والميمنة وركبهم أصحاب أبي مسلم فتنهزم أصحاب عبد الله فقال عبد الله بن علي لابن سراقة الأزدي يا ابن سراقة ما ترى قال أرى أن تصبر وتقاتل حتى تموت فان الفرار قبيح بمثلك وقد عتبته على مروان قال فاني آتي العراق قال فأنا معك فانهزموا وتركوا عسكرهم فحواه أبو مسلم وكتب بذلك إلى المنصور فأرسل أبا الخصيب مولاه يحصي ما أصابوا من العسكر فغضب من ذلك أبو مسلم ومضى عبد الله وعبد الصمد ابنا علي فاما عبد الصمد فقدم الكوفة فاستأمن له عيسى بن موسى فأمنه المنصور وقيل بل أقام عبد الصمد بن علي بالرصافة حتى قدمها جمهور بن مرار العجلي في خيول أرسلها المنصور فأخذه فبعث به إلى المنصور موثقا مع أبي خصيب فأطلقه وأما عبد الله بن علي فأتى أخاه سليمان بن علي بالبصرة فأقام عنده زمانا متواريا ثم إن أبا مسلم أمن الناس بع د الهزيمة وأمر بالكف عنهم
ذكر قتل أبي مسلم الخراساني
ص 104
وفي هذه السنة قتل أبو مسلم الخراساني قتله المنصور وكان سبب ذلك أن أبا مسلم كتب إلى السفاح يستأذنه في الحج على ما تقدم وكتب السفاح إلى المنصور وهو على الجزيرة وارمينية واذربيجان ان أبا مسلم كتب الي يستأذنني ي الحج وقد أذنت له وهو يرد أن يسألني أن أوليه الموسم فاكتب إلي تستأذنني في الحج فآذن لك فانك إن كنت بمكة لم يطمع أن يتقدمك فكتب المنصور إلى أخيه السفاح يستأذنه في الحج ف أذن له فقدم الأنبار فقال أبو مسلم أما وجد أبو جعفر عاما يحج فيه غير هذا وحقدها عليه وحجا معا فكان أبو مسلم يكسو الأعراب ويصلح الأبار والطريق وكان الذكر له وكان الأعراب يقولون هذا المكذوب عليه فلما قدم مكة ورأى أهل اليمن قال أي جند هؤلاء لو لقيهم رجل ظريف اللسان غزير الدمعة فلما صدر الناس عن الموسم تقدم أبو مسلم في الطريق على أبي جعفر فأتاه خبر وفاة السفاح فكتب إلى أبي جعفر يعزيه عن أخيه ولم يهنئه بالخلافة ولم يقم حتى يلحقه ولم يرجع فغضب أبو جعفر وكتب إليه كتابا غليظا فلما أتاه الكتاب كتب إليه يهنئه بالخلافة
وتقدم أبو مسلم فأتى الأنبار فدعا عيسى بن موسى إلى أن يبايع له فأتى عيسى وقدم أبو جعفر وخلع عبد الله بن علي فسير المنصور أبا مسلم إلى قتاله كما تقدم فكانا مع الحسن بن قحطبة فأرسل الحسن إلى أبي أيوب وزير المنصور إني قد رأيت بأبي مسلم أنه يأتيه كتاب أمير المؤمنين فيقرأه ثم يلقي الكتاب مكن يده إلى مالك بن الهيثم فيقرأه ويضحكان استهزاء فلما ألقيت الرسالة إلى أبي أيوب ضحك وقال نحن لأبي مسلم أشد تهمة منا لعبد الله بن علي إلا أنا نرجو واحدة نعلم أن أهل خراسان لا يحبون عبد الله وقد قتل منهم من قتل وكان قتل منهم سبعة عشر ألفا فلما انهزم عبد الله وجمع أبو مسلم ما غنم من عسكره بعث أبو جعفر أبا الخصيب إلى أبي مسلم ليكتب له ما أصاب من الأموال فأراد أبو مسلم قتله فتكلم فيه فخلى سبيله وقال أنا أمين على الدماء خائن في الأموال وشتم المنصور فرجع أبو الخصيب إلى المنصور فأخبره فخاف أن يمضي أبو مسلم إلى خراسان فكتب إليه أني قد وليتك مصر والشام فهي خير لك من خراسان فوجه إلى مصر من أحببت وأقم بالشام فتكون بقرب أمير المؤمنين فإن أحب لقاءك أتيته من قريب فلما أتاه الكتاب غضب وقال يوليني الشام ومصر وخراسان لي فكتب الرسول إلى المنصور بذلك واقبل أبو مسلم من الجزيرة مجمعا على الخلاف وخرج عن وجهه يريد خراسان فسار المنصور من الأنبار إلى المدائن وكتب إلى أبي مسلم في المسير إليه فكتب إليه أبو مسلم وهو بالزاب انه لم يبق لأمير المؤمنين أكرمه الله عدو إلا أمكنه الله منه وقد كنا نروي عن ملوك آل ساسان أن أخوف ما يكون الوزراء إذا سكنت الدهماء فنحن نافرون عن قربك حريصون على الوفاء لك وما وفيت حريون بالسمع والطاعة غير أنها من بعيد حيث يقارنها السلامة فإن أرضاك ذلك فأنا كأحسن عبيدك وإن أبيت إلا أن تعطي نفسك أرادتها نقضت ما أبرمت من عهدك ضنا بنفسي فلما وصل الكتاب إلى المنصور كتب إلى أبي مسلم قد فهمت كتابك وليست صفتك صفة أولئك الوزراء الغشيشة ملوكهم الذين يتمون اضطراب حبل الدولة لكثرة جرائمهم فإنما راحتهم في انتشار نظام الجماعة فلم سويت نفسك بهم فأنت في طاعتك ومناصحتك واضطلاعك بما حملت من أعباء هذا الأمر على ما أنت به وليس مع الشريطة التي أوجبت منك سمعا ولا طاعة وحمل إليك أمير المؤمنين عيسى بن موسى رسالة لتسكن إليها إن أصغيت وأسأل الله أن يحول بين الشيطان ونزغاته وبينك فإنه لم يجحد بأبا يفسد به نيتك أو كد عنده وأقرب من الباب الذي فتحه عليك
وقيل بل كتب إليه أبو مسلم أما بعد فإني اتخذت رجلا إماما ودليلا على ما افترض الله على خلقته وكان في محلة العلم نازلا وفي قرابته من رسول الله قريبا فاستجهلني بالقرآن فحرفه عن مواضعه طمعا في قليل قد نعاه الله إلى خلقه فكان كالذي دلى بغرور وأمرني أن أجرد السيف وأرفع الرحمة ولا أقبل المعذرة ولا أقيل العثرة ففعلت توطئة لسلطانكم حتى عرفكم الله من كان يحملكم ثم استنقذني الله بالتوبة فإن يعف عني فقد ما عرف به ونسب إليه وإن يعاقبني فيما قدمت يداي وما الله بظلام للعبيد
وخرج أبو مسلم مراغما مشاقا
وسار المنصور من الأنبار إلى المدائن وأخذ أبو مسلم طريق حلوان فقال المنصور لعمه عيسى بن علي ومن حضر من بني هاشم اكتبوا إلى أبي مسلم فكتبوا إليه يعظمون أمره ويشكرونه ويسألونه أن يتم على ما كان منه وعليه من الطاعة ويحذرونه عاقبة البغي ويأمرونه بالرجوع إلى المنصور وبعث المنصور الكتاب مع أبي حميد المروروزي وقال له كلم أبا مسلم بألين ما تكلم به أحدا ومنه وأعلمكه أني رافعه وصانه به ما لم يصنعه به أحد إن هو صلح وراجع ما أحب فإن أبى أن يرجع فقل له يقول لك أمير المؤمنين لست من العباس واني بريء من محمد إن مضيت مشاقا ولم تأتني إن وكلت أمرك إلى أحد سواي وإن لم أل طلبك وقتالك بنفسي ولو خضت البحر لخضته أو اقتحمت النار لاقتحمتها حتى أقتلك أو أموت قبل ذلك ولا تقولن هذا الكلام حتى تيأس من رجوعه ولا تطمعن منه في خير فسار أبو حميد فقدم على أبي مسلم بحلوان فدفع إليه الكتاب وقال له إن الناس يبلغونك عن أمير المؤمنين ما لم يقله وخلاف ما عليه رأيه منك حسدا وبغيا يريدون إزالة النعمة وتغييرها فلا تفسد ما كان منك وكلمه وقال يا أبا مسلم انك لم تزل أمير آل محمد يعرفك بذلك الناس وما ذخر الله لك من الأجر عنده في ذلك أعظم مما أنت فيه من دنياك فلا تحبط أجرك ولا يستهوينك الشيطان فقال له أبو مسلم متى كنت تكلمني بهذا الكلام فقال إنك دعوتنا إلى هذا الأمر والى طاعة أهل بيت النبي بني العباس وأمرتنا بقتال من خالف ذلك فدعوتنا من أرضين متفرقة وأسباب مختلفة فجمعنا الله على طاعتهم وألف ما بين قلوبنا وأعزنا بنصرنا لهم ولم نلق منهم رجلا إلا بما قذف الله في قلوبنا حتى أتيناهم في بلادهم ببصائر نافذة وطاعة خالصة أفتريد حين بلغنا غاية منانا ومنتهى أملنا أن تفسد أمرنا وتفرق كلمتنا وقد قلت لنا من خالفكم فاقتلوه وإن خالفتكم فاقتلوني فأقبل أبو مسلم على أبي نصر بن مالك بن الهيثم فقال أما تسمع ما يقول لي هذا ما كان بكلامه يا مالك جقال لا تسمع قوله ولا يهولنك هذا منه فلعمري ما هذا كلامه ولما بعد هذا أشد منه فامض لأمرك ولا ترجع فوالله لئن أتيته ليقتلنك ولقد وقع في نفسه منك شيء لا يأمنك أبدا فقال قوموا فنهضوا
فأرسل أبو مسلم إلى نيزك فعرض علبه الكتب وما قالوا فقال ما أرى أن نأتيه وارى أن تأتي الري فتقيم بها ما بين خراسان والرأي لك وهم جندك لا يخالفك أحد فإن استقام لك استقمت له وإن أبى كنت في جندك وكانت خراسان وراءك ورأيت رأيك فدعا أبا حميد فقال ارجعه إلى صاحبك فليس من رأي أن آتيه قال قد عزمت على خلافه قال نعم قال لا تفعل قال لا أعود إليه أبدا فلما يئس من رجوعه معه قال له ما أمره به أبو جعفر فوجم طويلا ثم قال قم فكسره ذلك القول ورعبه وكان أبو جعفر المنصور قد كتب إلى أب داود خليفة أبي مسلم بخراسان حين اتهم أبا مسلم ان لك امرة خراسان ما بقيت فكتب أبي داود إلى أبي مسلم أنا لم نخرج لمعصية خلفاء الله وأهل بيت نبيه فلا تخالفن أمامك ولا ترجعن إلا بإذنه فوافاه كتابه على تلك الحال فزاده رعبا وهما فأرسل إلى أبي حميد فقال له أني كنت عازما على المضي إلى خراسان ثم رأيت أن أوجه أبا إسحاق إلى أمير المؤمنين فيأتيني برأيه فانه ممن أثق به فوجهه فلما قدم تلقاه بنو هاشم بكل ما يحب زوقال له المنصور اصرفه عن وجهه ولطك ولاية خراسان واجازه فرجع أبو إسحاق وقال لأبي مسلم ما أنكرت شيئا رأيتهم معظمين لحقك يرون لك ما يرون لأنفسهم وأشار عليه أن يرجع إلى أمير المؤمنين فيعتذر إليه مما كان منه فاجتمع على ذلك فقال له نيزك قد أجمعت على الرجوع قال نعم وتمثل
( ما للرجال مع القضاء محالة % ذهب القضاء بحيلة الأقوام )
قال إذا عزمت على هذا فخار الله لك احفظ عني واحدة إذا دخلت عليه فاقتله ثم بايع من شئت فإن الناس لا يخالفونك وكتب أبو مسلم إلى المنصور يخبره انه منصرف إليه وسار نحوه واستخلف أبا نصر على عسكره وقال له أقم حتى يأتيك كتابي فان أتاك مختوما بنصف خاتم فأنا كتبته وان أتاك بخاتم كله فلم أختمه وقدم المدائن في ثلاثة آلاف رجل وخلف الناس بحلوتان ولما ورد كتاب أبي مسلم على المنصور قرأه وألقاه إلى أبي أيوب وزيره فقرأه وقال له المنصور والله لئن ملأت عيني لاقتلنه فخاف أبو أيوب من أصحاب أبي مسلم أن يقتلوا المنصور ويقتلوه معه فدعا سلمة بن سعيد بن جابر وقال له هل عندك شكر فقال نعم قال إن وليتك ولاية تصيب منها متا يصيب صاحب العراق تدخل معك أخي حاتما وأراد بإدخال أخيه معه أن يطمع ولا ينكر وتجعل له النصف قال نعم قال له إن كسكر كانت عام أول بكذا وكذا ومنها العام أضعاف ذلك جفان دفعتها إليك بما كأنت أو بالامانة اصبت ما يضيق به ذرعا قال كيف لي بهذا المال تقال له أبو ايوب تأتي أبا مسلم فتلقاه وتكلمه أن يجعل هذا فيما يرفع من حوائجه فان أمير المؤمنين يريد أن يوليه إذا قدم ما وراء بابه ويريح نفسه قال فكيف لي أن يأذن لي أمير المؤمنين في لقائه فاستأذن له أبو ايوب في ذلك فاذن له المنصور وأمره ان يبلغ سلامه وشوقه إلى أبي مسلم فلقيه سلمة بالطريق واخبره الخبر وطابت نفسه وكان قبل ذلك كئيبا حزينا ولم يزل مسرورا حتى قدن فلما دنا أبو مسلم من المنصور أمر الناس بتلقيه فتقلاه بنو هاشم والناس ثم قدم فدخل على المنصور فقبل يده وأمره ان ينصرف ويروح نفسه لثلاثة ويدخل الحمام فانضرف فلما كان الغد دعا المنصور عثمان بن نهيك وأربعة من الحرس منهم شبيب بن واج وأبو حنيفة حرب بن قيس فأمرهم بقتل اب مسلم إذا صفق بيديه وتركهم خلف الوراق وأرسل إلى أبي مسلم يستدعيه وكان عندهح عيسى بن موسى يتغدى فدخل على المنصور فقال له المنصور اخبرني عن نصلين اصبتهما مع عبد الله بن علي قال هذا احدهما قال ارنيه فانضاه وناوله اياه فوضعه المنصور تحت فراشه واقبل عليه يعاتبه وقال له اخبرني عن كتابك إلى السفاح تنهاه عن الموات ااردت ان تعلمنا الدين قال ظننت ان أخذه لا يحل فلما اتاني كتابه علمت انه واهل بيته معدن العلم
قال فاخبرني عن تقدمك اياي بطريق مكة قال كرهت اجتماعنا على الماء فيضر ذلك بالناس فتقدمتك للرفق قال فقولك لما اشار عليك بالانصراف الي بطريق مكة وحين اتاك موت أبي العباس إلى ان نقدم فنرى راينا ومضيت فلا أنت اقمت حتى الجقك ولا أنت رجعت الي قال منعني من ذلك ما اخبرتك من طلب الرفق بالناس وقلت تقدم الكوفة وليس عليك من خلاف قال فجارية عبد الله اردت ان تتخذها قال لا ولكني خفت ان تضيع فحملتها في قبة ووكلت بها من يحفظها قال فمراغمتك وخروجك إلى خراسان قال خفت أن يكون قد دخلك مني شيء فقلت آتي خراسات فاكتب إليك بعذري فأذهب ما في نفسك قال فالمال الذي جمعته بخراسان قال انفقته بالجند تقوية لهم واستصلاحا ألست الكاتب إلي تبدأ بنفسك وتخطب عمتي آمنة ابنة علي وتزعم انك ابن سليط بن عبد الله بن عباس لقد ارتقيت لا أم لك مرتقى صعبا ثم قال وما الذي دعاك إلى قتل سليمان ابن كثير مع أثره في دعوتنا وهو أحد فتياننا قبل ان ندخلك في شيء من هذا الأمر قال أراد الخلاف وعصاني فقتلته
فلما طال عتاب المنصور قال لا يقال هذا لي بعد بلائي وما كان مني قال يا ابن الخبيثة والله لو كأنت أمة مكانك لاجزأت إنما عملت في دولتنا وبريحنا فلو كان ذلك إليك ما قطعت فتيلا فأخذ أبو مسلم بيده يقبلها ويعتذر إليه فقال له المنصور ما رأيت كاليوم والله ما زدتني الا غضبا قال أبو مسلم دع هذا فقد اصبحت ما اخاف الا الله تعالى فغب المنصور وشتمه وصفق بيده على الاخرى فخرج عليه الحرس فضربه عثمان بن هيك فقطع حمائل سيفه فقال استبقني لعدوك يا ايمر المؤمنين فقال لا ابقاني الله إذا اعدو اعدى لي منك وأخذه الحرس بسيوفهم حتى قتلوه وهو يصيح العفو فقال المنصور يا ابن اللخناء العفو والسيوف قد اعتورتك فقتلوه في شعبان لخمس بقين منه فقال المنصور
( زعمت أن الدين لا يقتضي % فاستوف بالكيل أبا مجرم )
( سقيت كأسا وكنت تسقي بها % أمر في الحلق من العلقم )
وكان أبو مسلم قد قتل في دولته ستمائة ألف صبرا فلما قتل أبو مسلم دخل أبو الجهم على المنصور فراى أبا مسلم قتيلا فقال الا ارد الناس قال بلى فمر بمتاع يحمل إلى رزاق آخر وخرج أبو الجهم فقال انصرفوا فان الامير يريد القائلة عند أمير المؤمنين وراوا المتاع يقنل فظنوه صادقا فانصرفوا وأمر لهم المنصور بالجوائز فاعطى أبا إسحاق مائة ألف ودخل عيسى بن موسى على المنصور بعد قتل أبي مسلم فقال يا أمير المؤمنين أين أبو مسلم فقال قد كان ههنا فقال عيسى قد عرفت نصيحته وطاعته ورأي الامام إبراهيم كان فيه فقال يا احمق والله ما اعلم في الأرض عدوا اعدى لك منه ها هو ذا في البساط فقال عيسى أنا لله وانا إليه راجعون وكان لعيسى فيه رأي فقال له المنصور خلع الله قلبك وهل كان لكم ملك أو سلطان أو أمر أو نهي مع أبي مسلم ثم دعا المنصور بجعفر بن حنظلة فدخل عليه فقال ما تقول في أمر أبي مسلم قال يا مير المؤمنين ان كنت اخذت من راسه شعرة فاقتل ثم اقتل فقال له المنصور وفقك الله فلما نظر إلى أبي مسلم مقتولا قال يا أمير المؤمنين عد من هذا اليوم خلافتك ثم دعا المنصور بابي إسحاق فلما دخل عليه قال له أنت المانع عدو الله على ما اجمع عليه وقد كان بلغه انه اشار عليه باتيان خراسان قال فكف أبو إسحاق وجعل يلتفت يمينا وشمالا خوفا من أبي مسلم فقال لهالمنصور تكلم بما أردت فقد قتل الله الفاسق وأمر باخراجه فلما رآه أبو إسحاق خر ساجدا لله فأطال ورفع رأسه وهو يقول الحمد لله الذي أمتني بك اليوم والله ما أمنته يوما واحدا منذ صحبته وما جئته يوما قط الا وقد اوصيت وتكفنت وتحنطت ثم رفع ثيابه الظاهرة فإذا تحتها ثياب أكفان جدد وقد تحنط فلما رأى أبو جعفر حاله رحمه وقال له استقبل طاعة خليفتك واحمد الله الذي أراحك من الفاسق هذا ثم قال له فرق عني هذه الجماعة
ثم كتب المنصور بعد قتل أبي مسلم إلى أبي نصر مالك بن الهيثم عن لسان أبي مسلم يامره بحمل ثقله وما خلف عنده وان يقدم وختم الكتاب بخاتم أبي مسلم فلما رأى الخاتم تاما علم ان أبا مسلم لم يكتب فقال فعلتموها وانحدر إلى همذان وهو يريد خراسان فكتب المنصور لابي نصر عهده على شهرزور وكتب إلى زهير وأبو التركي وهو على همذان ان مر بك أبو نصر فاحبسه فسبق الكتاب إلى زهير وأبو نصر بهمذان فقال له زهير قد صنعت لك طعاما فلو أكرمتني بدخول منزلي فحضر عنده فأخذه زهير وحبسه وتب أبو جعفر إلى زهير كتأبا يامره بقتل أبي نصر وقدم صاحب العهد على أبي نصر بعهده على شهرزور فخلى زهير سبيله لهواه فيه فخرج ثم وصل بعد يوم الكتاب إلى زهير بقتل أبي نصر فقال جاءني كتاب بعهده فخليت سبيله وقدم أبو نصر على المنصور فقال له اشرت على أبي مسلم بالمضي إلى خراسان قال نعم كأنت له عندي اياد فنصحت له وان اصطنعني أمير المؤمنين نصحت له وشكرت فعفا عنه فلما كان يوم الرواندية قام أبو نصر على باب القصر وقال أنا البواب اليوم لا يدخل أحد وانا حي فسال عنه المنصور فاخبر به فعلم ان قد نصح له وقيل ان زهيرا سير أبا نصر إلى المنصور مقيدا فمن عليه واستعمله على الموصل ولما قتل المنصور أبا مسلم خطب الناس فقال ايها الناس لا تخرجوا من انس الطاعة إلى وحشة المعصية ولا تمشوا في ظلمة الباطل بعد سعيكم ف ضياء الحق إن أبا مسلم احسن مبتدئا واساء معقبا وأخذ من الناس بنا أكثر مما اعطانا ورجح قبيح باطنه على حسن ظاهره وعلمنا من خبث سريرته وفساد نيته ما لو علمه اللائم لنا فيه لعذرنا في قتله وعنفنا في إمهالنا وما زال ينقض بيعته ويخفر ذمته حتى احل لنا عقوبته وأباحنا دمه فحكمنا فيه حكمه لنا في غيره ممن شق العصا ولم يمنعنا الحق له من إمضاء الحق فيه وما احسن ما قال النابغة الذيباني للنعمان يعني ابن المنذر
( فمن أطاعك فانفعه بطاعته % كما أطاعك وادلله على الرشد )
( ومن عصاك فعاقبه معاقبة % تنهى الظلوم ولا تقعد على ضمد )
ثم نزل وكان أبو مسلم ق دسمع الحديث من عكرمة وأبي الزبير المكي وثابت البناني ومحمد بن علي بن عبد الله بن عباس والسدير وروى عنه إبراهيم بن ميمون الصائغ وعبد الله بن المبارك وغيرهما خطب يوما فقام إليه رجل فقال ما هذا السواد الذي أرى عليك فقال حدثني أبو الزبير عن جابر بن عبد الله ان النبي دخل مكة يوم الفتح وعلى راسه عمامة سوداء وهذه ثياب الهيبة وثياب الدولة يا غلام اضرب عنقه قيل لعبد الله بن المبارك أبو مسلم كان خيرا أو الحجاج قال لا اقول ان أبا مسلم كان خيرا من أحد ولكن الحجاج كان شرا منه وكان أبو مسلم نازما شجاعا ذا رأي وعقل وتدبير وحزم ومروءة وقيل له بم نلت ما أنت فيه من القهر للأعداء فقال ارتديت الصبر وآثرت الكتمان وحالفت الاحزان والاشجان وسامحت المقادير والاحكام حتى بلغت غاية همتي وأدركت نهاية بغيتي ثم قال
( قد نلت بالحزم والكتمان ما عجزت % عنه ملوك بني ساسان اذ حشدوا )
( ما زلت أضربهم بالسيف فأنتهبوا % من رقدة لم ينمها قبلهم أحد )
( طفقت اسعى عليهم في ديارهم % والقوم في ملكهم بالشام قد رقدوا )
( ومن رعى غنما في أرض مسبعة % ونام عنها تولى رعيها الأسد )
وقيل انأبا مسلم ورد نيسابور على حمار باكاف وليس معه آدمي فقصد في بعض الليالي دارا لفاذوسيان فدق عليه الباب ففزع أصحابه وخرجوا إليه فقال لهم قولوا للدهقان ان أبا مسلم بالباب يطلب منك ألف درهم ودابة فقالوا للدهقان ذلك فقال الدهقان في أي زي واي عدة فأخبروه أنه وحده في أدون زي فسكت ساعة ثم دعا بألف درهم ودابة من خواص دوابه وأذن له وقال يا أبا مسلم قد اسعغفناك بما طلبت وإن عرضت حاجة أخرى فنحن بين يديك فقال ما نضيع لك ما فعلته فلما ملك قال له بعض أقاربه إن فتحت نيسابور أخذت كل ما تريده من مال الفاذوسيان دهقانها المجوسي فقال أبو مسلم له عندنا يد فلما ملك نيسابور اتته هدايا الفاذوسيان فقيل له لا تقبلها واطلب منه الأموال فقال له عندي يد ولم يتعرض له ولا لأحد من أصحابه وأمواله وهذا يدل على علو همة وكمال مروءة وفي هذه السنة استعمل المنصور أبا داود على خراسان وكتب إليه بعهده