الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
6

ثم دخلت سنة إحدى وسبعين

الجزء الرابع 4 عنصر صفحة 103
ذكر مقتل مصعب وملك عبد الملك العراق ص 103

في هذه السنة قتل مصعب بن الزبير في جمادى الآخرة واستولى عبد الملك بن مروان على العراق وسبب ذلك أن عبد الملك بن مروان لما قتل عمرو بن سعيد بن العاص كما تقدم ذكره وضع السيف فقتل من خالفه فصفا له الشام فلما لم يبق له مخالف فيه أجمع المسير إلى مصعب بن الزبير بالعراق فاستشار أصحابه في ذلك فأشار يحيى بن الحكم بن أبي العاص عمه بأن يقنع بالشام ويترك ابن الزبير والعراق وكان يقول عبد الملك من أراد صواب الرأي فليخالف يحيى وقال بعضهم إن العام جدب وقد غزوت سنتين فلم تظفر فأقم عامك هذا فقال عبد الملك الشام بلد قليل المال ولا آمن نفاده وقد كتب كثير من أشراف العراق يدعونني إليهم وقال أخوه محمد بن مروان الرأي أن تطلب حقك وتسير إلى العراق فإني أرجوا أن الله ينصرك وقال بعضهم الرأي أن تقيم وتبعث بعض أهلك وتمده بالجنود فقال عبد الملك إنه لا يقوم بهذا الأمر إلا قرشي له رأي ولعلي أبعث من له شجاعة ولا رأي له وإني بصير بالحرب شجاع بالسيف إن احتجت إليه ومصعب شجاع من بيت شجاعة ولكنه لا علم له بالحرب يحب الخفض ومعه من يخالفه ومعي من ينصح لي فلما عزم على المسير ودع زوجته عاتكة بنت يزيد بن معاوية فبكت وبكى جواريها لبكائها فقال قاتل الله كثير عزة لكأنه يشاهدنا حين يقول

( إذا ما أراد الغزو لم يثن همه % حصان عليها عقد در يزينها )

( نهته فلما لم تر النهي عاقه % بكت وبكى مما عناها فطينها )

وسار عبد الملك إلى العراق فلما بلغ مصعبا مسيره وهو بالبصرة أرسل إلى المهلب وهو يقاتل الخوارج يستشيره وقيل بل أحضره عنده فقال لمصعب اعلم أن أهل العراق قد كاتبوا عبد الملك وكاتبهم فلا تبعدني عنك فقال له مصعب إن أهل البصرة قد أبوا أن يسيروا حتى أجعلك على قتال الخوارج وهم قد بلغوا سوق الأهواز وأنا أكره إذ سار عبد الملك إلي أن لا أسير إليه فاكفني هذا الثغر فعاد إليهم وسار مصعب إلى الكوفة معه الأحنف فتوفي بالكوفة وأحضر مصعب إبراهيم بن الأشتر وكان على الموصل والجزيرة فلما حضر عنده جعله على مقدمته وسار حتى نزل باجميرا وهي قريب من أوانا وهي من مسكن فعسكر هناك وسار عبد الملك وعلى مقدمته أخوه محمد بن مروان وخالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد فنزلوا بقرقيسيا وحصروا زفر بن الحرث الكلائي ثم صالحهم على ما نذكره إن شاء الله تعالى وسير زفر ابنه الهذيل مع عبد الملك وكان معه ثم لحق بمصعب بن الزبير فلما اصطلحا سار عبد الملك ومن معه فنزلوا بمسكن قريبا من عسكر مصعب بين العسكرين ثلاثة فراسخ ويقال فرسخان وكتب عبد الملك إلى أهل العراق من كاتبه ومن لم يكاتبه وبذل لجميعهم أصبهان طعمة وقيل إن كل من كاتبه طلب منه امرة أصبهان فقال أي شيء أصبهان هذه حتى كلهم يطلبها فكل منهم أخفى كتابه إلا إبراهيم بن الأشتر فإنه أحضر كتابه عند مصعب مختوما فقرأه مصعب فإذا هو يدعوه إلى نفسه ويجعل له ولاية العراق فقال له مصعب أتدري ما فيه قال لا قال يعرض عليك كذا وكذا وإن هذا لما يرغب فيه فقال إبراهيم ما كنت لأتقلد الغدر والخيانة ووالله ما عند عبد الملك من أحد من الناس بأيأس منه مني ولقد كتب إلى أصحابك كلهن مثل الذي كتب إلي فأطعني واضرب أعناقهم قال أذا لا يناصحني عشائرهم قال فأوقرهم حديدا وابعث بهم إلى أبيض كسرى واحبسهم هناك ووكل بهم من إن غلبت وتفرقت عشائرهم عنك ضرب رقابهم وإن ظهرت مننت على عشائهم بإطلاقهم فقال إني لفي شغل عن ذلك فرحم الله أبا بحر يعني الأحنف بن قيس إن كان ليحذرني أهل العراق ويقول هم كالمومسة تريد كل يوم بعلا وهم يريدون كل يوم أميرا فلما رأى قيس بن الهيثم ما عزم أهل العراق عليه من الغدر بمصعب قال لهم ويحكم لا تدخلوا أهل الشام عليكم فوالله لئن يطعموا بعيشكم ليضيقين عليكم منازلكم والله لقد رأيت سيد أهل الشام على باب الخليفة يفرح أن أرسله في حاجة ولقد رأيتنا في الصوائف وإن زاد أحدنا على عدة أجمال وإن الرجل من وجوههم ليغزو على فرسه وزاده خلفه فلم يسمعوا منه فلما تدانى العسكران أرسل عبد الملك إلى مصعب رجلا من كلب وقال له اقرئ ابن اختك السلام وكانت أم مصعب كلبية وقل له يدع دعاءه إلى أخيه وادع دعائي إلى نفسي ويجعل الأمر شورى فقال له مصعب قل له السيف بيننا فقدم عبد الملك أخاه محمدا وقدم مصعب إبراهيم بن الأشتر فالتقيا فتناوش الفريقان فقتل صاحب لواء محمد وجعل مصعب يمد إبراهيم فازال محمدا عن موقفه فوجه عبد الملك عبد الله بن يزيد إلى أخيه محمد فاشتد القتال فقتل مسلم بن عمروا الباهلي والد قتيبة وهو من أصحاب مصعب وأمد مصعب إبراهيم بعتاب بن ورقاء فساء ذلك إبراهيم وقال قد قلت له لا تمدني بعتاب وضربائه وإنا لله وإنا إليه راجعون فانهزم عتاب بالناس وكان قد كاتب عبد الملك وبايعه فلما انهزم صبر ابن الأشتر فقتل قتله عبيد بن ميسرة مولى بني عذرة وحمل رأسه إلى عبد الملك وتقدم أهل الشام فقاتلهم مصعب وقال لقطن بن عبد الله الحارثي قدم خيلك أبا عثمان فقال أكره أن تقتل مذحج في غير شيء فقال لحجار بن أبجر يا أبا أسيد قدم خيلك قال إلى هؤلاء الأنتان قال ما تتأخر إليه انتن فقال لمحمد بن عبد الرحمن بن سعيد مثل ذلك فقال ما فعل أحد هذا فأفعله فقال مصعب يا إبراهيم ولا إبراهيم لي اليوم ثم التفت فرأى عروة بن المغيرة بن شعبة فاستدناه فقال له أخبرني عن الحسين بن علي كيف صنع بامتناعه عن النزول على حكم ابن زياد وعزمه على الحرب فأخبره فقال

( إن الألى بالطف من آل هاشم % تأسوا فنسوا للكرام التأسيا )

قال عروة فعلمت أنه لا يبرح حتى يقتل ثم دنا محمد بن مروان من مصعب وناداه أنا ابن عمك محمد بن مروان فاقبل أمان أمير المؤمنين فقال أمير المؤمنين بمكة يعني أخاه عبد الله بن الزبير قال فإن القوم خاذلوك فأبى ما عرض عليه فنادى محمد عيسى بن مصعب بن الزبير له فقال له مصعب انظر ما يريد منك فدنا منه فقال له إني لك ولأبيك ناصح ولكما الأمان فرجع إلى أبيه فأخبره فقال إني أظن القوم يفون لك فإن أحببت أن تأتيهم فافعل فقال لا تتحدث نساء قريش إني خذلتك ورغبت بنفسي عنك قال فاذهب أنت ومن معك إلى عمك بمكة فأخبره بما صنع أهل العراق ودعني فإني مقتول فقال لا أخبر عنك قريشا أبدا ولكن يا أبت الحق بالبصرة فإنهم على الطاعة أو الحق بأمير المؤمنين فقال مصعب لا تتحدث قريش أني فررت وقال لابنه عيسى تقدم اذن احتسبك فتقدم ومعه ناس فقتل وقتلوا وجاء رجل من أهل الشام ليحتز رأس عيسى فحمل عليه مصعب فقتله وشد على الناس فانفرجوا له وعاد ثم حمل ثانية فانفرجوا له وبذل عبد الملك الأمان وقال أنه يعز علي أن تقتل فاقبل أماني ولك كحمل في المال والعمل فأبى وجعل يضارب فقال عبد الملك هذا والله كما قال القائل

( ومدجج كره الكماة نزاله % لا ممعنا هربا ولا مستسلما )

ودخل مصعب سرادقة فتحنط ورمى السرادق وخرج فقاتل فأتاه عبيد الله بن زياد بن ظبيان فدعاه إلى المبارزة فقال له يا كلب اعزب مثلي يبارز مثلك وحمل عليه مصعب فضربه على البيضة فهشمها وجرحه فرجع وعصب رأسه وترك الناس مصعبا وخذلوه حتى بقي في سبعة أنفس وأثخن مصعب بالرمي وكثرت الجراحات فيه فعاد إلى عبيد الله بن زياد بن ظبيان فضربه مصعب فلم يصنع شيئا لضعفه بكثرة الجراحات وضربه ابن ظبيان فقتله وقيل بل نظر إليه زائدة بن قدامة الثقفي فحمل عليه فطعنه وقال يا لثارات المختار فصرعه وأخذ عبيد الله بن زياد رأسه وحمله إلى عبد الملك فألقاه بين يديه وأنشد

( نعاطي الملوك الحق ما قسطوا لنا % وليس علينا قتلهم بمحرم )

فلما رأى عبد الملك الرأس سجد قال ابن ظبيان لقد هممت أن أقتل عبد الملك وهو ساجد فأكون قد قتلت ملكي العرب وأرحت الناس منهما وقال عبد الملك لقد هممت أن أقتل ابن ظبيان فأكون قد قتلت أفتك الناس بأشجع الناس وأمر عبد الملك لابن ظبيان بألف دينار فقال لم أقتله على طاعتك وانما قتلته على قتل أخي النابئ بن زياد ولم يأخذ منها شيئا وكان قتل مصعب بدير الجاثليق عند نهر دجيل فأمر عبد الملك به وبابنه عيسى فدفنا وقال كانت الحرمة بيننا قديمة ولكن الملك عقيم

وكان سبب قتل النابئ أنه قطع الطريق هو ورجل من بني نمير فأحضرا عند مطرف ابن سيدان الباهلي صاحب شرطة مصعب فقتل النابئ وضرب النميري وأطلقه فجمع عبيد الله جمعا وقصد مطرفا بعد أن عزله مصعب عن شرطته وولاه الأهواز وسار عبيد الله إلى المطرف فقتله فبعث مصعب مكرم بن مطرف في طلب عبيد الله فسار حتى بلغ عسكر مكرم فنسب إليه ولم يلق عبيد الله كان قد لحق بعبد الملك وقيل في قتله غير ذلك فلما أتى بعبد الملك برأس مصعب نظر إليه وقال متى تغزو قرشية مثلك وكانا يتحدثان إلى حبى وهما بالمدينة فقيل لها قتل مصعب فقالت تعس قاتله فقيل قتله عبد الملك بن مروان فقالت وا بأبي القاتل والممقتول ثم دعا عبد الملك بن مروان جند العراق إلى بيعته فبايعوه وسار حتى دخل الكوفة فأقام بالنخيلة أربعين يوما وخطب الناس بالكوفة فوعد المحسن وتوعد المسيء فقال إن الجامعة التي وضعت في عنق عمرو بن سعيد عندي والله لا أضعها في عنق رجل فانتزعها إلا صعدا لا أفكها عنه فكا فلا يبقين امرؤ إلا على نفسه ولا يولغن دمه والسلام

ودعا الناس إلى البيعة فبايعوه فحضرت قضاعة فقال لهم كيف سلمتم وأنتم قليل مع مضر فقال عبد الله بن يعلى النهدي نحن أعز منهم وأمنع بك وبمن معك منا ثم دجاءت مذحج فقال ما أرى لأحد مع هؤلاء بالكوفة شيئا ثم جاءت جعفى فقال ائتوني بابن أختكم يعني يحيى بن سعيد وكانت أمه مذحجية فقالوا هو آمن فقال وتشترطون أيضا فقال رجل منهم إنا ما نشترط جهلا بحقك ولكنا نتسحب عليك تسحب الولد على الوالد فقال نعم أنتم الحي ان كنتم لفرسانا في الجاهلية والاسلام ليحضر فهو آمن فأتوه به فبايعه ثم أتته عدوان فقدموا بن أيديهم رجلا جميلا وسيما فقال عبد الملك

( عذير الحي من عدوا % ن كانوا حية الأرض )

( بغى بعضهم بعضا % فلم يرعوا على بعض )

( ومنهم كانت السادا % ت والموفون بالقرض )

ثم أقبل على ذلك الرجل الجميل فقال إيه فقال لا أدري فقال معبد بن خالد الجدلي وكان خلفه

( ومنهم حكم يقضي % فلا ينقض ما يقضي )

( ومنهم من يجيز الحج % بالسنة والفرض )

( وهم مذ ولدوا شبوا % بسرالنسب المحض )

فأقبل عبد الملك على ذلك الجميل فقال من هو فقال لا أدري فقال معبد من ورائه هو ذو الأصبع فاقبل على الجميل فقال لم تسمى ذا الإصبع فقال لا أدري فقال معبد لأن حية نهشت أصبعه فقتطعتها فاقبل على الجميل فقال ما كان اسمه قال لا أدري فقال معبد حرثان بن الحرث فقال للجميل من أيكم هو قال لا أدري فقال معبد من بني ناج ثم قال للجميل كم عطاؤك قال سبعمائة قال لمعبد كم عطاؤك قال ثلاثمائة فقال لكاتبه اجعل معبدا في سبعمائة وانقص من عطاء هذا أربعمائة ففعل ثم جاءت كندة فنظر إلى عبد الله بن اسحاق بن الأشعث فاوصى به أخاه بشر بن مروان وأقبل داود بن قحذم في جمع كثير من بكر بن وائل عليهم الاقبية الداودية وبه سميت فجلس مع عبد الملك على سريره فأقبل عليه عبد الملك ثم نهض ونهضوا معه فقال عبد الملك هؤلاء الفساق لولا أن صاحبهم جاءني ما أعطاني أحد منهم طاعة ثم ولى قطن بن عبد الله الحارثي الكوفة اربعين يوما ثم عزله فاستعمل أخاه بشر بن مروان ثم استعمل محمد بن عمير الهمداني على همذان ويزيد بن رويم على الري ولم يف لأحد شرط له اصبهان وقال علي بهؤلاء الفساق الذين انغلوا الشام وأفسدوا العراق فقيل قد أجارهم رؤساء عشائرهم فقال وهل يجير علي أحد وكان عبد الله بن يزيد بن أسد والد خالد القسري قد لجأ إلى علي بن عبد الله بن عباس ولجأ إليه أيضا يحيى بن معيوف الهمداني ولجأ الهذيل بن زفر بن الحرث وكان مع عبد الملك على ما نذكره عمرو بن يزيد الحكمي إلى خالد بن يزيد فأمنهم عبد الملك فظهروا فصنع عمرو بن حريث لعبد الملك طعاما كثيرا وأمر به إلى الخورنق وأذن إذنا عاما فدخل الناس وأخذوا مجالسهم فدخل عمرو بن حريث فأجلسه معه على سريره ثم جاءت الموائد فأكلوا فقال عبد الملك ما ألذ عيشنا لو دام ولكنا كما قال الأول

( وكل جديد يا أميم إلى بلى % وكل امرئ يوما يصير إلى كان )

فلما فرغوا من الطعام طاف عبد الملك في القصر وعمرو بن حريث معه وهو يسأله لمن هذا البيت ومن بنى هذا البيت وعمرو يخبره فقال عبد الملك

( اعمل على مهل فإنك ميت % واكدح لنفسك أيها الإنسان )

( فكأن ما قد كان لم يك إذ مضى % وكأن ما هو كائن قد كان )

ولما بلغ عبد الله بن خازم مسير مصعب لقتال عبد الملك قال أمعه عمر بن عبيد الله بن معمر قيل لا استعمله على فارس قال أمعه المهلب قيل لا استعمله على الخوارج قال أمعه عباد بن الحصين قيل استخلفه على البصرة قال وأنا بخراسان

( خذيني فجريني جعار وأبشري % بلحم امرئ لم يشهد اليوم ناصره )

ولما قتل مصعب بعث عبد الملك رأسه إلى الكوفة أو حمله معه إليها ثم بعث به إلى أخيه عبد العزيز بن مروان بمصر فلما رآه وقد قطع السيف أنفه قال رحمك الله أما والله لقد كنت من أحسنهم خلقا وأشدهم بأسا وأسخاهم نفسا ثم سيره إلى الشام فنصب بدمشق وأرادوا أن يطوفوا به في نواحي الشام فأخذته عاتكة بنت يزيد بن معاوية زوجة عبد الملك بن مروان وهي أم يزيد بن عبد الملك فغسلته ودفنته وقالت أما رضيتم بما صنعتم حتى تطوفوا به في المدن هذا بغي وكان عمر مصعب حين قتل ستا وثلاثين سنة قال يوما عبد الملك لجلسائة من أشد الناس قالوا أمير المؤمنين قال اسلكوا غير هذا الطريق قالوا عمير ين الحباب قال قبح الله عمير لص ثوب ينازع عليه أعز عنده من نفسه ودينه قالوا فشبيب قال إن للحرورية لطريقا قالوا فمن قال مصعب كان عنده عقيلتا قريش سكينة بنت الحسين وعائشة بن طلحة ثم هو أكثر الناس مالا جعلت له الأمان وولاية العراق وعلم أني سأفي له للمودة التي كانت بيننا فحمي أنفا وأبى وقاتل حتى قتل فقال رجل كان مصعب يشرب النبيذ قال كان ذلك قبل أن يطلب المروءة فأما مذ طلبها فلو علم أن الماء ينقص مروءته ما ذاقه قال الأقشر الأسدي

( حمى أنفه أن يقبل الضيم مصعب % فمات كريما لم تذم خلائقه )

( ولو شاء أعطى الضيم من رام هضمه % فعاش ملوما في الرجال طرائعه )

( ولكن مضى والبرق يبرق خاله % يشاوره مرا ومرا يعانقه )

( فولى كريما لم تنله مذمة % ولم يك رغدا تطبيه نمارقه ) وقال عرفجة بن شريك

( ما لابن مروان أعمى الله ناظره % ولا أصاب رغيبات ولا نفلا )

( يرجو الفلاح ابن مروان وقد قتلت % خيل ابن مروان حرا ماجدا بطلا )

( ياابن الحواري كم من نعمة لكم % لو رام غيركم أمثالها شغلا )

( حملتم فحملتم كل معضلة % إن الكريم إذا حملته حملا )

وقال عبد الله بن الزبير الأسدي في إبراهيم بن الأشتر هذا الزبير بفتح الزاي وكسر الباء

( سأبكي وإن لم تبك فتيان مذحج % فتاها إذا الليل التمام تأوبا )

( فتى لم يكن في مرة الحرب جاهلا % ولا بمطيع في الوغى من تهيبا )

( أبان أنوف الحي قحطان قتله % وأنف نزار قد أبان فأوعبا )

( فمن يك أمسى خائنا لأميره % فما خان إبراهيم في الموت مصعبا )

وحين قتل مصعب كان المهلب يحارب الأزارقة بسولاف بلد بفارس على شاطئ البحر ثمانية أشهر فبلغ قتله الأزارقة قبل المهلب فصاحوا بأصحاب المهلب ما قولكم في مصعب قالو أمير هدى وهو ولينا في الدنيا والآخرة ونحن أولياؤه قالوا فما قولكم في عبد الملك قالوا ذاك ابن اللعين نحن نبرأ إلى الله منه وهو أحل دما منكم قالوا فإن عبد الملك قتل مصعبا وستجعلون غدا عبد الملك إمامكم فلما كان الغد سمع المهلب وأصحابه قتل مصعب فبايع المهلب الناس لعبد الملك بن مروان فصاح بهم الخوارج يا أعداء الله ما تقولون في مصعب قالوا يا أعداء الله لا نخبركم وكرهوا أن يكذبوا أنفسهم قالوا وما قولكم في عبد الملك قالوا خليفتنا ولم يجدوا بدا إذ بايعوه أن يقولوا ذلك قالوا يا أعداء الله أنتم بالأمس تبرؤن منه في الدنيا والآخرة وهو اليوم إمامكم وقد قتل أميركم الذي كنتم تولونه فأيهما المهتدي وأيهما المبطل قالوا يا أعداء الله رضينا بذلك إذ كان يتولى أمرنا ونرتضي بهذا قالوا لا والله ولكنكم إخوان الشياطين وعبيد الدنيا

وأما عبد الله بن الزبير فلما انتهى إليه قتل أخيه مصعب قام في الناس فخطبهم فقال الحمد لله الذي له الخلق والأمر يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء ألا وإنه لم يذلل الله من كان الحق معه وإن كان فردا ولم يعزز من كان وليه الشيطان وإن كان الناس معه طرا ألا وإنه قد أتانا من العراق خبر أحزننا وأفرحنا أتانا قتل مصعب رحمه الله أما الذي أفرحنا فعلمنا أن قتله شهادة وأما الذي أحزننا فإن لفراق الحميم لوعة يجدها حميمه عند المصيبة يرعوي بعدها ذوو الرأي الجميل إلى الصبر وكيم العزاء وما مصعب إلا عبد من عبيد الله وعون من أعواني ألا وإن أهل العراق أهل الغدر والنفاق أسلموه وباعوه بأقل الثمن فان يقتل فمه والله ما نموت على مضاجعنا كما يموت بنو أبي العاص والله ما قتل رجل منهم في زحف في الجاهليه ولا في الإسلام ولا نموت الا عقصا بالرماح وتحت ظلال السيوف ألا انما الدنيا عارية من الملك الأعلى الذي لا يزول سلطانه ولا يبيد ملكه فإن تقبل لا آخذها أخذ البطر وإن تدبر لم أبك عليها بكاء الضرع المهين أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم حجار بن أبجر بفتح الحاء المهملة وتشديد الجيم وكنيته أبو أسيد بضم الهمزه وفتح السين وحبي بضم الحاء المهملة وبالباء الموحدة المشددة الممالة وآخره ياء مثناة من تحتها وعبد الله بن خازم بالخاء المعجمة والزاي

ذكر ولاية خالد بن عبد الله البصرة ص 111

وفي هذه السنة تنازع ولاية البصرة حمران بن أبان وعبيد الله بن أبي بكرة فقال ابن أبي بكرة أنا أعظم منك كنت أنفق على أصحاب خالد يوم الجفرة فقيل لحمران إنك لا تقوى على ابن أبي بكرة فاستعن بعبد الله بن الأهيم فاستعان به فغلب على البصرة وعبد الله على شرطها وكان لحمران منزلة عند بني أمية وكانت هذه المنازعة بعد قتل مصعب فلما استولى عبد الملك على العراق بعد قتله استعمل على البصرة خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد فوجه خالد عبيد الله بن أبي بكرة إليها خليفة له فلما قدم على حمران قال قد جئت لا جئت فكان عبيد الله عليها حتى قدم خالد ولما فرغ عبد الملك من أمر العراق عاد إلى الشام

ذكر أمر عبد الملك وزفر بن الحرث ص 112

قد ذكرنا في واقعة راهط مسير زفر إلى قرقيسيا واجتماع قيس عليه والسبب في استيلائه عليها وما كان منه بعد ذلك وكان على بيعة ابن الزبير وفي طاعته فلما مات مروان بن الحكم وولي ابنه عبد الملك كتب إلى أبان بن عقبة بن أبي معيط وهو على حمص يأمره أن يسير إلى زفرفسار إليه وعلى مقدمته عبد الله بن زميت الطائي فواقع عبد الله زفر قبل وصول أبان وكثر في أصحابه القتل قتل منهم ثلاثمائة فلامه أبان على عجلته وأقبل أبان فواقع زفر فقتل ابنه وكيع بن زفر وأدركت طيئثقل زفر ونساءه فاستوهب محمد بن حصين بن نمير النساء وألحقهن بزفر بقرقيسيا فقال زفر

( علقن بحبل من حصين لو أنه % تغيب حالت دونهن المصائر )

( أبوكم أبونا في القديم وإنني % لغابركم في آخر الدهر شاكر )

وكان يقال لزفر إنه من كندة ثم إن عبد الملك لما أراد المسير إلى مصعب سار إلى قرقيسيا فحصر زفر فيها ونصب عليها المجانيق فأمر زفر أن ينادى في عسكر عبد الملك لم نصبتم علينا المجانيق قال لنثلم ثلمة نقاتلكم عليها فقال زفر قولوا لهم فإنا لا نقاتلكم من وراء الحيطان ولكنا نخرج إليكم وثلمت المنجنيق من المدينة برجا مما يلي حريث بن بحدل فقال زفر

( لقد تركتني منجنيق ابن بحدل % أحيد عن العصفور حين يطير )

وكان خالد بن يزيد بن معاوية مجدا في قتالهم فقال رجل من أصحاب زفر من بني كلاب لأقولن لخالد كلاما يعود عما يصنع فلما كان الغد خرج خالد للمحاربة فقال له الكلابي

( ماذا ابتغاء خالد وهمه % إذ سلب الملك ونيكت أمه )

فاستحيا وعاد ولم يرجع يقاتلهم وقالت كلب لعبد الملك إنا إذا لقينا زفر انهزمت القيسية الذين معك فلا تخلطهم معنا ففعل فكتبت القيسية على نبلها أنه ليس يقاتلكم غدا مضري ورموا النبل إلى قرقيسيا فلما أصبح زفر دعا ابنه الهذيل وبه كان يكنى وقيل كان يكنى أبا الكوثر فقال اخرج إليهم فشد عليهم شدة لا ترجع حتى تضرب فسطاط عبد الملك والله لئن رجعت دون أن تطأ أطناب فسطاطه لأقتلنك فجمع الهذيل خيله وحمل عليهم فصبروا قليلا ثم انكشفوا وتبعهم الهذيل بخيله حتى وطئوا أطناب الفسطاط وقطعوا بعضها ثم رجعوا فقبل زفر رأس الهذيل وقال لا يزال عبد الملك يحبك بعدها أبدا فقال الهذيل والله لو شئت أن أدخل الفسطاط لفعلت فقال زفر

( ألا لا أبالي من أتاه حمامه % إذا ما المنايا عن هذيل تجلت )

( تراه أمام الخيل أول فارس % ويضرب في أعجازها إن تولت )

ولما ثلم برج قرقيسيا قال لعبد الملك بعض أهله لو قاتلتهم بقضاعة لملكتهم ففعل وقاتلهم فلما كان عند المساء انكشفت قضاعة وكثر القتل فيهم وأقبل روح بن زنباع الجذامي إلى برج منها فسأل أهله وقال نشدتكم الله كم قتلنا منكم قالوا والله لم يقتل منا أحد ولم يجرح إلا رجل واحد ولا بأس عليه ثم قالوا نشدناك الله كم قتل منكم قال عدة فرسان وجرحتم ما لا يحصى فلعن الله ابن بحدل ورجع روح إلى عبد الملك وقال ان ابن بحدل يمنيك الباطل فأعرض عن هذا الرجل

وكان رجل من كلب يقال له الذيال يخرج فيسب زفر فيكثر فقال زفر للهذيل ابنه أو لبعض أصحابه أما تكفيني هذا قال أنا أجيئك به فدخل عسكر عبد الملك ليلا فجعل ينادي من يعرف بغلا من صفته كذا وكذا حتى انتهى إلى خباء الرجل وقد عرفه فقال الرجل رد الله عليك ضالتك فقال يا عبد الله إني قد عييت فلو أذنت لي فاسترحت قليلا قال أدخل فدخل والرجل وحده في خبائه فرمى بنفسه ونام صاحب الخباء فقام إليه فأيقظه وقال والله لئن تكلمت لأقتلنك قتلت أو سلمت فماذا ينفعك قتلي إذا قتلت أنت ولئن سكت وجئت معي إلى زفر فلك عهد الله وميثاقه أن أردك إلى عسكرك بعد أن يصلك زفر ويحسن إليك فخرجا وهو ينادي من دل على بغل من صفته كذا وكذا حتى أتى زفر والرجل معه فأعلمه أنه قد أمنه فوهب له زفر دنانير وحمله على رحالة النساء وألبسه ثيابهن وبعث معه رجلا حتى دنوا من عسكر عبد الملك فنادوا هذه جارية قد بعث بها زفر إلى عبد الملك وانصرفوا فلما نظر إليه أهل العسكر عرفوه وأخبروا عبد الملك الخبر فضحك وقال لا يبعد الله رجلا نصر والله إن قتلهم لذل وان تركهم لحسرة وكف الرجل فلم يعد يسب زفر وقيل إنه هرب من العسكر

ثم إن عبد الملك أمر أخاه محمدا أن يعرض على زفر وابنه الهذيل الأمان على أنفسهما ومن معهما ومالهم وأن يعطيا ما أحبا ففعل محمد ذلك فاجاب الهذيل وكلم أباه وقال له لو صالحت هذا الرجل فقد أطاعه الناس وهو خير لك من ابن الزبير فأجاب على أن له الخيار في بيعته سنة وأن ينزل حيث شاء ولا يعين عبد الملك على قتال ابن الزبير فبينا الرسل تختلف بينهما إذ جاءه رجل من كلب فقال قد هدم من المدينة أربعة أبراج فقال عبد الملك لا أصالحهم وزحف اليهم فهزموا أصحابه حتى أدخلوهم عسكرهم فقال أعطوهم ما أرادوا فقال زفر لو كان قبل هذا لكان أحسن واستقر الصلح على أمان الجميع ووضع الدماء والأموال وأن لا يبايع عبد الملك حتى يموت ابن الزبير للبيعة له في عنقه وأن يعطى مالا يقسمه في أصحابه وخاف زفر أن يغدر به عبد الملك كما غدر بعمرو بن سعيد فلم ينزل إليه فأرسل إليه بقضيب النبي أمانا له فنزل إليه فلما دخل عليه أجلسه معه على سريره فقال ابن عضاة الأشعري أنا كنت أحق بهذا المجلس منه فقال زفر كذبت هناك إني عاديت فضررت وواليت فنفعت ولما رأى عبد الملك قلة مع زفر قال لو علمت أنه في هذه القلة لحاصرته أبدا حتى نزل على حكمي فبلغ قوله زفر فقال إن شئت رجعنا ورجعت فقال بل نفي لك يا أبا الهذيل وقال له عبد الملك يوما بلغني أنك من كندة فقال وما خير من لا يبغي حسدا ولا يدعي رغبة وتزوج مسلمة بن عبد الملك الرباب بنت زفر فكان يؤذن لأخويها الهذيل والكوثر في أول الناس وأمر زفر ابنه الهذيل أن يسير مع عبد الملك إلى قتال مصعب وقال له أنت لا عهد عليك فسار معه فلما قارب مصعبا هرب إليه وقاتل مع ابن الأشتر فلما قتل ابن الأشتر اختفى الهذيل بالكوفة حتى استؤمن له عبد الملك فأمنه كما تقدم

ذكر عدة حوادث ص 114

وفي هذه السنة افتتح عبد الملك قيسارية في قول الواقدي وفيها نزع ابن الزبير جابر بن الأسود بن عوف عن المدينة واستعمل عليها طلحة بن عبيد الله بن عوف وهو آخر وال كان له على المدينة حتى أتاه طارق بن عمرو مولى عثمان فهرب طلحة وأقام طارق بها حتى سار إلى مكة لقتال ابن الزبير وفي إمارة مصعب مات البراء بن عازب بالكوفة ويزيد بن مفزع الحميري الشاعر بها أيضا وعبد الله بن أبي حدود الأسلمي شهد الحديبية وخيبر وفي أيامه مات شتير بن شكل القيسي الكوفي وهو من أصحاب علي وابن مسعود شتير بضم الشين المعجمة وفتح التاء فوقها نقطتان وبعدها ياء تحتها نقطتان وشكل بفتح الشين المعجمة والكاف وآخره لام

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.