ذكر حروب الخوارج بفارس والعراق
ص 73
في هذه السنة استعمل مصعب عمر بن عبيد الله بن معمر على فارس وولاه حرب الأزارقة وكان المهلب على حربهم أيام مصعب الأولى وأيام حمزة بن عبد الله بن الزبير فلما عاد مصعب أراد أن يولي المهلب بلاد الموصل والجزيرة وأرمينية ليكون بينه وبين عبد الله بن مروان فكتب إليه وهو بفارس في القدوم عليه فقدم ليكون بينه وبين عبد الله بن مروان فكتب إليه وهو بفارس في القدوم عليه فقدم واستخلف على عمله ابنه المغيرة ووصاه بالاحتياط وقدم البصرة فعزله مصعب عن حرب الخوارج وبلاد فارس واستعمل عليهما عمر بن عبيد الله بن معمر فلما سمع الخوارج به قال قطري بن الفجاءة قد جاءكم شجاع وهو شجاع وبطل وجاءه يقاتل لدينه وملكه بطبيعة لم أر مثلها لأحد ما حضر حربا إلا كان أول فارس يقتل قرنه وكان الخوارج قد استعملوا عليهم بعد قتل عبيد الله بن الماجوز الزبير بن الماحوز على ما ذكرناه سنة خمس وستين فجاءت الخوارج إلى اصطخر فقدم إليهم عمر ابنه عبيد الله في خيل فاقتتلوا فقتل عبيد الله بن عمر وأراد الزبير بن الماحوز قتال عمر فقال له قطري إن عمر موتور فلا نقاتله فقتل من فرسان الخوارج تسعون رجلا وطعن عمر صالح بن مخارق فشتر عينه وضرب قطريا على جبينه ففلقه وانهزمت الخوارج وساروا إلى سابور فعاد عمر ولقيهم بها ومعه مجاعة بن سعر فقتل مجاعة بعمود كان معه أربعة عشر رجلا من الخوارج وكاد عمر يهلك في هذ الوقعة فدافع عنه مجاعة فوهب له عمر تسعمائة ى لف درهم فقيل في ذلك
( قد ذدت عادية الكتيبة عن فتى % قد كان يترك لحمه اقطاعا )
وظهر عليهم فساروا وقطعوا قنطرة بينهما ليمتنع من طلبهم وقصدوا نحو أصبهان فأقاموا عندها حتى قووا واستعدوا ثم اقبلوا حتى مروا بفارس وبها عمر فقطعوها في غير الموضع الذي هم به أخذوا على سابور ثم على أرجان حتى أتوا الأهواز فقال مصعب العجب لعمر قطع هذا العدو الذي هو بصدد محاربته أرض فارس فلم يقاتلهم ولو قاتلهم وفر كان أعذر له وكتب إليه يا ابن معمر ما انصفتني تجبي الفيء وتحيد عن العدو فاكفني أمرهم فسار عمر من فارس في أثرهم مجدا يرجو أن يلحقهم قبل أن يدخلوا العراق وخرج مصعب فعسكر عند الجسر الأكبر وعسكر الناس معه وبلغ الخوارج وهم بالأهواز إقبال عمر إليهم وإن مصعبا قد خرج من البصرة إليهم فقال لهم الزبير بن الماحوز من سوء الرأي وقوعكم بين هاتين الشوكتين انهضوا بنا إلى عدونا نلقهم من وجه واحد فسار بهم فقطع بهم أرض جوخى والنهروانات فأتى المدائن وبها كردم بن مرثد القرادي فشنوا الغارة على أهل المدائن يقتلون الرجال والنساء والولدان ويشقون أجواف الحبالى فهرب كردم وأقبلوا إلى ساباط ووضعوا
السيف في الناس يقتلون وأرسلوا جماعة إلى الكرج فلقوا أبا بكر بن مخنف فقاتلهم قتالا شديدا فقتل أبو بكر وانهزم أصحابه وأفسد الخوارج في الأرض فأتى أهل الكوفة أميرهم وهو الحرث بن أبي ربيعة ولقبه القباع فصاحوا به وقالوا اخرج فإن العدو قد أظل علينا ليست له بقية فخرج حتى نزل النخيلة فأقام أياما فوثب إليه إبراهيم بن الأشتر فحثه على المسير فسار حتى نزل دير عبد الرحمن فأقام به حتى دخل إليه شبث بن ربعي فأمر بالمسير فلما رأى الناس بطء مسيره رجزوا به فقالوا
( سار بنا القباع سيرا نكرا % يسير يوما ويقيم شهرا )
فسار من ذلك المكان كلما نزل منزلا أقام به حتى يصيح به الناس فبلغ الفرات في بضعة عشر يوما فأتاها وقد انتهى إليها الخوارج فقطعوا الجسر بينهم وبينه وأخذوا رجلا اسمه سماك بن يزيد ومعه بنت له فأخذوها ليقتلوها فقالت لهم يا أهل الإسلام إن أبي مصاب فلا تقتلوه وأما أنا فجارية والله ما أتيت فاحشة قط ولا آذيت جارة لي تطلعت ولا تشرفت قط فلما أرادوا قتلها سقطت ميته فقصعوها بأسيافهم وبقي سماك معهم حتى أشرفوا على الصراة فاستقبل أهل الكوفة فناداهم اعبروا إليهم فإنهم قليل خبيث فضربوا عنقه وصلبوه فقال إبراهيم بن الأشتر للحرث اندب معي الناس حتى أعبر إلى هؤلاء الكلاب فأجيئك برؤوسهم فقال شبث وأسماء بن خارجة ويزيد بن الحرث ومحمد بن عمير وغيرهم أصلح الله الأمير دعهم فليذهبوا وكأنهم حسدوا إبراهيم فلما رأى الخوارج كثرة الناس قطعوا الجسر واغتنم ذلك الحرث فتحبس ثم جلس للناس فقال أما بعد فإن أول القتال الرمية بالنبل وإشراع الرماح والطعن ثم الطعن شزرا ثم السلة آخر ذلك كله فقال له رجل قد أحسن الأمير الصفة ولكن متى نصنع هذا وهذا البحر بيننا وبينهم فمر بهذا الجسر فليعقد ثم عبرنا إليهم فإن الله سيريك ما تحب فعقد الجسر وعبر الناس فطارد الخوارج حتى أتوا المدائن وطاردت بعض خيلهم عند الجسر طرادا ضعيفا فرجعوا فاتبعهم الحرث عبد الرحمن بن مخنف في ستة آلاف ليجرجهم من أرض الكوفة وقال له إذا وقعوا في أرض البصرة فاتركهم فسار عبد الرحمن يتبعهم حتى وقعوا في أرض أصبهان فرجع عنهم ولم يقاتلهم وقصدوا الري وعليها يزيد بن الحرث بن رويم الشيباني فقاتلهم فأعان أهل الري الخوارج فقتل يزيد وهرب ابنه حوشب ودعاه أبوه ليدفع عنه فلم يرجع فقال بعضهم
( فلو كان حرا حوشب ذا حفيظة % رأى ما رأى في الموت عيسى بن مصعب )
يعني أن عيسى بن مصعب لم يفر عن أبيه بل قاتل عنه معه حتى قتل وقال بشر بن مروان يوما وعنده حوشب هذا وعكرمة بن ربعي من يدلني على فرس جواد فقال عكرمة فرس حوشب فإنه نجا عليه يوم الري وقال بشر أيضا يوما من يدلني على بغلة قوية الظهر فقال حوشب بغلة واصل بن مسافر كان عكرمة يتهم بامرأة واصل فتبسم بشر وقال لقد انتصفت ولما فرغ الخوارج من الري انحطوا إلى أصفهان حاصروها وبها عتاب بن ورقاء فصبر لهم وكان يقاتلهم على باب المدينة ويرمون من السور بالنبل والحجارة وكان مع عتاب رجل من حضرموت يقال له أبو هريرة فكان يحمل عليهم ويقول
( كيف ترون يا كلاب النار % شد أبي هريرة الهرار )
( يهركم بالليل والنهار % يا ابن أبي ماحوز والأشرار )
( كيف ترى حربي على المضمار )
فلما طال ذلك على الخوارج كمن له رجل منهم ذات يوم فضربه بالسيف على حبال عاتقه فصرعه فاحتمله أصحابه وداووه حتى برأ وخرج إليهم على عادته ثم إن الخوارج أقامت عليهم أشهرا حتى نفدت أطعمتهم واشتد عليهم الحصار وأصابهم الجهد الشديد فقال لهم عتاب أيها الناس قد نزل بكم من الجهد ما ترون وما بقي إلا أن يموت أحدكم على فراشه فيدفنه أخوه إن استطاع ثم يموت هو فلا يجد من يدفنه ولا يصلي عليه والله ما أنتم بالقليل وإنكم الفرسان الصلحاء فاخرجوا بنا إلى هؤلاء وبكم قوة وحياة قبل أن تضعفوا عن الحركة من الجهد فوالله إني لأرجو إن صدقتموهم أن تظفروا بهم فأجابوه إلى ذلك
ذكر خبر عبيد الله بن الحر ومقتله
ص 77
في هذه السنه قتل عبيد الله بن الحر الجعفي وكان من خيار قومه صلاحا وفضلا واجتهادا فلما قتل عثمان ووقعت الحرب بين علي ومعاوية قصد معاوية فكان معه لمحبته عثمان وشهد معه صفين هو ومالك بن مسمع وأقام عبيد الله عند معاوية وكان له زوجة بالكوفة فلما فلما طالت غيبته زوجها أخوها رجلا يقال له عكرمة من الخبيص وبلغ ذلك عبيد الله فأقبل من الشام فخاصم عكرمة إلى علي فقال له ظاهرت علينا عدونا فغلت فقال له أيمنعنى ذلك من عدلك قال لا فقص عليه قصته فرد عليه امرأته وكانت حبلى فوضعها عند من يثق إليه حتى وضعت فألحق الولد بعكرمة ودفع المرأة إلى عبيد الله وعاد إلى الشام فأقام به حتى قتل علي فلما قتل أقبل إلى الكوفة فأتى إخوانه فقال ما أرى أحدا ينفعه اعتزاله كنا بالشام فكان من أمر معاوية كيت وكيت فقالوا وكان من أمر علي كيت وكيت وكانوا يلتقون بذلك
فلما مات معاوية وقتل الحسين بن علي لم يكن عبيد الله فيمن حضر قتله يغيب عن ذلك تعمدا فلما قتل جعل ابن زياد يتفقد الأشراف من أهل الكوفة فلم ير عبيد الله بن الحر ثم جاءه بعد أيام حتى دخل عليه فقال له أين كنت يا ابن الحر قال كنت مريضا قال مريض القلب أم مريض البدن فقال أما قلبي فلم يمرض وأما بدني فقد من الله علي بالعافية فقال ابن زياد كذبت ولكنك كنت مع عدونا فقال لو كنت معه لرئي مكاني وغفل عنه ابن زياد فخرج فركب فرسه ثم طلبه ابن زياد فقالوا ركب الساعة فقال علي به فأحضر الشرطة خلفه فقالوا أجب الأمير فقال أبلغوه عني أني لا آتيه طائعا أبدا ثم أجرى فرسه وأتى منزل أحمد بن زياد الطائي فاجتمع إليه أصحابه ثم خرج حتى أتى كربلاء فنظر إلى مصارع الحسين ومن قتل معه فاستغفر لهم ثم مضى إلى المدائن وقال في ذلك
( يقول أمير غادر وابن غادر % ألا كنت قاتلت الحسين بن فاطمه )
( ونفسي على خذلانه واعتزاله % وبيعة هذا الناكث العهد لائمه )
( فيا ندمي أن لا أكون نصرته % ألا كل نفس لا تسدد نادمه )
( وإني لأني لم أكن من حماته % لذو حسرة أن لا تفارق لازمه )
( سقى الله أرواح الذين تبادوا % إلى نصره سحا من الغيث دائمه )
( وقفت على أجداثهم ومحالهم % فكاد الحشاينقض والعين ساجمه )
( لعمري لقد كانون مصاليت في الوغى % سراعا إلى الهيجا حماة خضارمه )
( تأسوا على نصر ابن بنت نبيهم % بأسيافهم آساد غيل ضراغمه )
( فإن يقتلوا في كل نفس بقية % على الأرض قد أضحت لذلك واجمه )
( وما إن رأى الراؤون أفضل منهم % لدى الموت سادات وزهر قماقمه )
( يقتلهم ظلما ويرجو ودادنا % فدع خطة ليست لنا بملائمه )
( لعمري لقد راغمتمونا بقتلهم % فكم ناقم منا عليكم وناقمه )
( أهم مرارا أن أسير بجحفل % إلى فئة زاغت عن الحق ظالمه )
( فكفوا وإلا زدتكم بكتائب % أشد عليكم من زحوف الديالمه )
وأقام ابن الحر بمنزله على شاطئ الفرات إلى أن مات يزيد ووقعت الفتنة فقال ما أرى قرشيا ينصف أين أبناء الحرائر فأتاه كل خليع ثم خرج إلى المدائن فلم يدع مالا قدم به السلطان إلا أخذ منه عطاءه وعطاء أصحابه ويكتب لصاحب المال بذلك ثم جعل ينقص الكور على مثل ذلك إلا أنه لم يتعرض لمال أحد ولا ذمة فلم يزل كذلك حتى ظهر المختار وسمع ما يعمل في السواد فأخذ امرأته فحبسها فأقبل عبيد الله في أصحابه إلى الكوفة فكسر باب السجن وأخرجها وأخرج كل أمرأة فيه وقال في ذلك
( ألم تعلمي يا أم توبة أنني % أنا الفارس الحامي حقائق مذحج )
( وأني صبحت السجن في سورة الضحى % بكل فتى حامي الذمار مدجج )
( فما إن برحنا السجن حتى بدا لنا % جبين كقرن الشمس غير مشنج )
( وخد أسيل عن فتاة حبيبة % إلينا سقاها كل دان مثجج )
( فما العيش إلا أن أزورك آمنا % كعادتنا من قبل حربي ومخرجي )
( وما زلت محبوسا لحبسك واجما % وإني بما تلقين من بعده شجي ) وهي طويلة
وجعل يعبث بعمال المختار وأصحابه فأحرقت بهمدان داره ونهبوا ضيعته فسار عبيد الله إلى ضياع همدان فنهبها جميعها وكان يأتي المدائن فيمر بعمال جوخى فيأخذ ما معهم من المال ثم يميل إلى الجبل فلم يزل على ذلك حتى قتل المختار وقيل إنه بايع المختار بعد امتناع وأراد المختار أن يسطو به فامتنع لأجل إبراهيم بن الأشتر ثم سار مع ابن الأشتر إلى الموصل ولم يشهد معه قتال ابن زياد أظهر المرض ثم فارق ابن الأشتر وأقبل في ثلاثمائة إلى الأنبار فأغار عليها وأخذ مافي بيت مالها فلما فعل ذلك أمر المختار بهدم داره وأخذ امرأته ففعل ما تقدم ذكره وحضر مع مصعب قتال المختار وقتله فلما قتل المختار قال الناس لمصعب في ولايته الثانية إنا لا نأمن أن يثب ابن الحر بالسواد كما كان يفعل بابن زياد والمختار فحسبه فقال
( فمن مبلغ الفتيان أن أخاهم % أتى دونه باب شديد وحاجبه )
( بمنزلة ما كان يرضى بمثلها % إذا قام عنته كبول تجاذبه )
( على الساق فوق الكعب أسود صامت % شديد يداني خطوه ويقاربه )
( وما كان ذا من عظم جرم جرمته % ولكن سعى الساعي بما هو كاذبه )
( وقد كان في الأرض العريضة مسلك % وأي امرئ ضاقت عليه مذاهبه )
( وقال بأي بلاء أم بأية نعمة % تقدم قبلي مسلم والمهلب )
يعني مسلم بن عمرو والد قتيبة والمهلب بن أبي صفرة وكلم عبيد الله قوما من وجوه مذحج ليشفعوا له إلى مصعب وأرسل إلى فتيان مذحج وقال البسوا السلاح واستروه فإن شفعهم مصعب فلا تعترضوا لأحد وإن خرجوا ولم يشفعهم فاقصدوا السجن فإني سأعينكم من داخل فلما شفع أولئك النفر فيه شفعهم مصعب وأطلقه فأتى منزله وأتاه الناس يهنونه فقال لهم إن هذا الأمر لا يصلح إلا بمثل الخلفاء الماضين الأربعة ولم نر لهم فينا شبيها فنلقي إليه أزمتنا فإن كان من عزيز فعلام نعقد في أعناقنا بيعة وليسوا بأشجع منا لقاء ولا أعظم مناعة وقد قال رسول الله ( لا طاعة لمخلوق في معصية الله تعالى ) وكلهم عاص مخالف قوي الدنيا ضعيف الآخرة فعلام تستحل حرمتنا ونحن أصحاب النخيلة والقادسية وجلولاء ونهاوند نلقى الأسنة بنحورنا والسيوف بجباهنا ثم لا يعرف حقنا وفضلنا فقاتلوا عن حريمكم فإني قد قلبت لكم ظهر المجن وأظهرت لهم العداوة ولا قوة إلا بالله وخرج عن الكوفة وحاربهم وأغار فأرسل إليه مصعب سيف بن هانئ المرادي فعرض عليه خراج بادرويا وغيرها ويدخل في الطاعة فلم يجب إلى ذلك فبعث إليه مصعب الأبرد بن قرة الرياحي فقاتله فهزمه عبيد الله وضربه على وجهه فبعث إليه أيضا حريث بن يزيد فقتله عبيد الله فبعث إليه مصعب الحجاج بن جارية الخثعمي ومسلم بن عمرو فلقياه بنهر صرصر فقاتلهما فهزمهما فأرسل إليه مصعب يدعوه إلى الأمان والصلة وأن يوليه أي بلد شاء فلم يقبل وأتى نرسي ففر دهقانها بمال الفلوجة فتبعه ابن الحر حتى مر بعين تمر وعليها بسطام بن مصقلة بن هبيرة الشيباني فالتجأ إليهم الدهقان فخرجوا إلى عبيد الله فقاتلوه ووافاهم الحجاج بن جارية الخثعمي فحمل على عبيد الله فأسره عبيد الله وأسر أيضا بسطام بن مصقلة وناسا كثيرا وبعث ناسا من أصحابه فأخذوا المال الذي مع الدهقان وأطلق الأسرى ثم ان عبيد الله أتى تكريت فأقام يجبي الخراج فبعث إليه مصعب الأبرد بن قرة الرياحي والجون بن كعب الهمداني في ألف وأمدهم المهلب بيزيد بن المغفل في خمسمائة فقال لعبيد الله رجل من أصحابه قد أتاك جمع كثير فلا تقاتلهم فقال
( يخوفني بالقتل قومي وإنما % أموت إذا جاء الكتاب المؤجل )
( لعل القنا تدلي بأطرفها الغنى % فنجدي كراما تجتدي ونؤمل )
( ألم تر أن الفقر يزري بأهله % وأن الغنى فيه العلى والتجمل )
( وأنك إلا تركب الهول لا تنل % من المال ما يرضي الصديق ويفضل )
وقاتلهم عبيد الله يومين وهو في ثلاثمائة ولما كان عند المساء تحاجزوا وخرج عبيد الله من تكريت وقال لأصحابه إني سائر بكم إلى عبد الملك بن مروان فتجهزوا وقال إني خائف أن أموت ولم أذعر مصعبا وأصحابه وسار نحو الكوفة فبلغ كسكر فأخذ بيت مالها ثم أتى الكوفة فنزل بحمام جرير فبعث إليه مصعب عمر بن عبيد الله بن معمر فقاتله فخرج إلى دير الأعور فبعث إليه مصعب حجار بن ابجر فانهزم حجار فشتمه مصعب وضم إليه الجون بن كعب الهمداني وعمر بن عبيد الله بن معمر فقاتلوه بأجمعهم وكثرت الجراحات في عسكر عبيد الله بن معمر فقاتلوه بأجمعهم وكثرت الجراحات في عسكر عبيد الله بن الحر وعقرت خيولهم وانهزم حجار ثم رجع فاقتتلوا قتالا شديدا حتى أمسوا وخرج ابن الحر من الكوفة وكتب مصعب إلى يزيد بن الحرث بن رويم الشيباني وهو بالمدائي يأمره بقتال ابن الحر فقدم ابنه حوشبا فلقيه بباجسرى فهزمه عبيد الله وقتل فيهم وأقبل ابن الحر إلى المدائن فتحصنوا منه فخرج عبيد الله فوجه إليه الجون بن كعب الهمداني وبشر بن عبد الله الأسدي فنزل الجون بحولايا وقدم بشر إلى تامرا فلقي ابن الحر فقتله ابن الحر وهزم أصحابه ثم لقي الجون بن كعب بحولايا فخرج إليه عبد الرحمن بن عبد الله فقتله ابن الحر وهزم أصحابه وخرج إليه بشير بن عبد الرحمن بن بشير العجلي فقاتله بسوراء قتالا شديدا فرجع عنه بشير وأقام ابن الحر بالسواد يغير ويجبي الخراج ثم لحق بعبد الملك بن مروان فلما صار إليه أكرمه وأجلسه معه على السرير وأعطاه مائة ألف درهم وأعطى أصحابه مالا فقال له ابن الحر لتوجه معي حندا أقاتل بهم مصعبا فقال له سر بأصحابك وادع من قدرت عليه وأنا ممدك بالرجال فسار بأصحابه نحو الكوفة فنزل بقربه إلى جانب الأنبار فاستأذنه أصحابه في إتيان الكوفة فأذن لهم وأمرهم أن يخبروا أصحابه بقدومه ليخرجوا إليه فبلغ ذلك القيسية فأتوا الحرث بن أبي ربيعة عامل ابن الزبير بالكوفة فسألوه أن يرسل معهم جيشا يقاتلون عبيد الله ويغتنمون الفرصة فيه بتفرق أصحابه فبعث معهم جيشا كثيفا فساروا فلقوا ابن الحر فقال لابن الحر أصحابه نحن نفر يسير وهذا الجيش لا طاقة لنا به فقال ما كنت لأدعهم وحمل عليهم هو يقول
( يا لك يوما فات فيه نهبي % وغاب عني ثقتي وصحبي )
ثم عطفوا عليه فكشفوا أصحابه وحاولوا أن يأسروه فلم يقدروا على ذلك وأذن لأصحابه في الذهاب فلم يعرض لهم أحد وجعل يقاتل وحده فحمل عليه رجل من باهلة يكنى أبا كدية فطعنه وجعلوا يرمونه ويكتبون عليه ولا يدنون منه وهو يقول أهذه نبل أم مغازل فلما اثخنته الجراج حاص إلى معبر هناك فدخله ولم يدخل فرسه فركب السفينة ومضى به الملاح حتى توسط الفرات فأشرفت عليه الخيل وكان معه في السفينة نبط فقالوا لهم إن في السفينة طليبة أمير المؤمنين فإن فاتكم قتلناكم فوثب ابن الحر ليرمي نفسه في الماء فوثب إليه رجل عظيم الخلق فقبض على يديه وجراحاته تجري دما وضربه الباقون بالمجاديف فلما رأى أنه يقصد به نحو القيسية فقبض على الذي معه وألقى نفسه معه في الماء فغرقا وقيل في قتله إنه كان يغشى مصعب بن الزبير بالكوفة فرآه يقدم عليه غيره فكتب إلى عبد الله بن الزبير قصيدة يعاتب فيها مصعبا ويخوفه مسيره إلى ابن مروان يقول فيها
( أبلغ أمير المؤمنين رسالة % فلست على رأي قبيح أواربه )
( أفي الحق أن أجفى ويجعل مصعب % وزيرا له من كنت فيه أحاربه )
( فكيف وقد آتيتكم حق بيعتي % وحقي يلوى عندكم وأطالبه )
( وأبليتكم ما لا يضيع مثله % وآسيتكم والأمر صعب مراتبه )
( فلما استنار الملك وانقادت العدى % وأدرك من ملك العراق رغائبه )
( جفا مصعب عني ولو كان غيره % لأصبح فيما بيننا لا أعاتبه )
( لقد رابني من مصعب أن مصعبا % أرى كل ذي غش لنا هو صاحبه )
( وما أنا إن خليتموني بوارد % على كدر قد غص بالماء شاربه )
( وما لامرئ إلا الذي الله سائق % إليه وما قد خط في الزبر كاتبه )
( إذا قمت عند الباب أدخل مسلما % فيمنعني أن أدخل حاجبه )
فحبسه مصعب وله معه معاتبات من الحبس ثم أنه قال قصيدة يهجو فيها قيس عيلان منها
( ألم تر قيسا عيلان برقعت % لحاها وباعت نبلها بالمغازل )
فأرسل زفر بن الحرث الكلائي إلى مصعب إني قد كفيتك قتال ابن الزرقاء يعني عبد الملك بن مروان وابن الحر يهجو قيسا ثم إن نفرا من بني سليم أسروا ابن الحر فقال إنما قلت
( ألم تر قيس عيلان أقبلت % وسارت إلينا في القنا والقبائل )