ذكر مقتل ابن زياد
ص 59
ولما سار إبراهيم بن الأشتر من الكوفة أسرع السير ليلقوا ابن زياد قبل أن يدخل أرض العراق وكان ابن زياد قد سار في عسكر عظيم من الشام فبلغ الموصل وملكها كما ذكرناه أولا فسار إبراهيم وخلف أرض العراق وأوغل في أرض الموصل وجعل على مقدمته الطفيل بن لقيط النخعي وكان شجاعا فما دنا من ابن زياد عبى أصحابه ولم يسر إلا على تعبية واجتماع إلا أنه يبعث الطفيل على الطلائع حتى يبلغ نهر الخازر من بلاد الموصل فنزل بقرية بارشيا وأقبل ابن زياد إليه حتى نزل قريبا منهم على شاطئ الخازر وأرسل عمير بن الحباب السلمي وهو من أصحاب ابن زياد إلى ابن الأشتر أن القني
وكانت قيس كلها مضطغنة على ابن مروان من وقعة مرج راهط وجند عبد الملك يومئذ كلب فاجتمع عمير وابن الأشتر فأخبره عمير أنه على مسيرة ابن زياد وواعده أن ينهزم بالناس فقال له ابن الأشتر ما رأيك أخندق علي وأتوقف يومين أو ثلاثة فقال عمير لا تفعل وهل يريدون إلا هذا فإن المطاولة خير لهم هم كثير أضعافكم وليس يطيق القليل الكثير في المطاولة ولكن ناجز القوم فإنهم قد ملئوا منكم رعبا وإن هم شاموا أصحابك وقاتلوهم يوما بعد يوم ومرة بعد مرة انسوا بهم واجترؤوا عليهم فقال إبراهيم الآن علمت أنك لي مناصح وبهذا أوصاني صاحبي قال عمير أطعه فإن الشيخ قد ضرسته الحرب وقاسى منها ما لم يقاسه أحد وإذا أصبحت فناهضهم وعاد عمير إلى أصحابه وأذكى ابن الاشتر ضرسه ولم يدخل عينه عمض حتى إذا كان السر الأول عبى أصحابه وكتب كتائبه وأمر أمراءه فجعل سفيان ين يزيد الأزدي على ميمنته وعلي بن مالك الجشمي على مسيرته وهو أخو أبي الأحوص وجعل عند الرحمن بن عبد الله وهو أخو إبراهيم بن الأشتر لامه على الخيل وكانت خيله قليلة وجعل الطفيل بن لقيط على الرجالة وكانت رايته مع مزاحم بن مالك فلما انفجر الفجر صلى الصبح بغلس ثم خرج فصف أصحابه وألحق كل أمير بمكانه ونزل إبراهيم يمشي ويحرض الناس ويمنيهم الظفر وسار بهم رويدا فأشرف على تل عظيم مشرف على القوم فجلس عليه وإذ أولئك القوم لم يتحرك منهم أحد فأرسل عبد الله بن زهير السلولي ليأتيه بخبر القوم فعاد إليه وقال له قد خرج القوم على دهش وفشل لقيني رجل منهم وليس له كلام ألا يا شيعة أبي تراب يا شيعة المختار الكذاب قال فقلت له الذي بيننا أجل من الشتم وركتب إبراهيم وسار على الرايات يحثهم ويذكر لهم فعل ابن زياد بالحسين وأصحابه وأهل بيته من السبي والقتل ومنع الماء وحرضهم على قتله وتقدم القوم إليه وقد جعل ابن زياد على ميمنته والحصين بن نمير السكوني وعلى ميسرته عمير بن الحباب السلمي وعلى الخيل شرحبيل بن ذي الكلاع الحميري فلما تدانى الصفان حمل الحصين بن نمير في ميمنة أهل الشام على ميسرة إبراهيم فثبت له علي بن مالك الجشمي فقتل ثم أخذ رايته قرة بن علي فقتل في رجال من أهل البأس وانهزمت الميسرة فأخذ الراية عبد الله بن ورقاء بن جنادة السلولي ابن أخي حبشي بن جنادة صاحب رسول الله فاستقبل المنهزمين فقال إلي يا شرطة الله فأقبل إليه أكثرهم فقال هذا أميركم يقاتل ابن زياد ارجعوا بنا إليه فرجعوا وإذا إبراهيم كاشف رأسه ينادي إلى شرطة الله أنا ابن الأشتر إن خير فراركم كراركم ليس مسيئا من أعتب فرجع إليه أصحابه وحملت ميمنة إبراهيم على ميسرة ابن زياد وهم يرجون أن ينهزم عمير بن الحباب كما زعم فقاتلهم عمير قتالا شديدا وأنف من الفرار فلما رأى ذلك إبراهيم قال لأصحابه اقصدوا هذا السواد الأعظم فوالله لئن هزمناه لانجفل من ترون يمنة ويسرة انجفال طير ذعرت فمشى أصحابه إليهم فتطاعنوا ثم صاروا إلى السيوف والعمد فاضربوا بها مليا وكان صوت الضرب بالحديد كصوت القصارين وكان إبراهيم يقول لصاحب رايته انغمس برايتك فيهم فيقول ليس لي متقدم فيقول بلى فإذا تقدم شد إبراهيم بسيفه فلا يضرب رجلا إلا صرعه وكر إبراهيم والرجالة بين يديه كأنهم الحملان وحمل أصحابه حملة رجل واحد واشتد القتال فانهزم أصحاب ابن زياد وقتل من الفريقين قتلى كثيرة وقيل إن عمير بن الحباب أول من انهزم وإنما كان قتاله أولا تعذيرا فلما انهزموا قال إبراهيم إني قد قتلت رجلا تحت راية منفردة على شاطئ نهرالخازر فالتمسوه فإني شممت منه رائحة المسك شرقت يداه وغربت رجلاه فالتمسوه فإذا هو ابن زياد قتيلا بضربة إبراهيم فقد قدته بنصفين وسقط كما ذكر إبراهيم فأخذ رأسه أحرقت جثته وحمل شريك بن جدير التغلبي على الحصين بن نمير السكوني وهو يظنه عبيد الله بن زياد فاعتنق كل واحد منهما صاحبه فنادى التغلبي اقتلوني وابن الزانية فقتلوا الحصين وقيل إن الذي قتل ابن زياد شريك بن جدير وكان هذا شريك شهد صفين مع علي وأصيبت عينه فلما انقضت أيام علي لحق شريك ببيت المقدس فأقام به فلما قتل الحسين عاهد الله تعالى إن ظهر من يطلب بدمه ليقتلن ابن زياد أو ليموتن دونه فلما ظهر المختار للطلب بثأر الحسين أقبل إليه وسار مع إبراهيم بن الأشتر فلما التقوا حمل على خيل الشام يهتكها صفا صفا مع أصحابه من ربيعة حتى وصلوا إلى ابن زياد وثار الرهج فلا تسمع إلا وقع الحديد فانفجر عن الناس وهما قتيلان شريك وابن زياد والأول أصح وشريك هو القائل
( كل عيش قد أراه باطلا % غير ركز الرمح في ظل الفرس )
قال وقتل شرحبيل بن ذي الكلاع الحميري وادعى قتله سفيان بن يزيد الأزدي وورقاء بن عازب الأسدي وعبيد الله بن زهير السلمي وكان عيينة بن أسماء مع ابن زياد فلما انهزم أصحابه حمل أخته هند بنت أسماء وكانت زوجة عبيد الله بن زياد فذهب بها وهو يرتجز
( ان تصرمي حبا لنا فربما % أرديت في الهيجاالكمي المعلما )
ولما انهزم أصحاب ابن زياد تبعهم أصحاب إبراهيم فكان من غرق أكثر ممن قتل وأصابوا عسكرهم وفيه من كل شيء وأرسل إبراهيم البشارة إلى المختار وهو بالمدائن وأنفذ إبراهيم عماله إلى البلاد فبعث أخاه عبد الرحمن بن عبد الله إلى نصيبين وغلب على سنجار ودار وما والاها من أرض الجزيرة فولى زفر بن الحرث قرقيسيا وحاتم بن النعمان الباهلي حران والرها وسميساط وناحيتها وولى عمير بن الحباب السلمي كفرتوثا وطور عابدين وأقام إبراهيم بالموصل وأنفذ رأس عبيد الله بن زياد إلى المختار ومعه رؤوس قواده فألقيت في القصر فجاءت حية دقيقة فتخللت الرؤوس حتى دخلت في فم عبيد الله بن زياد ثم خرجت من منخره ودخلت منخره وخرجت من فيه فعلت هذا مرارا أخرج هذا الترمذي في جامعه
وقال المغيرة أول من ضرب الزيوف في الإسلام عبيد الله بن زياد وقال بعض حجاب بن زياد دخلت معه القصر حين قتل الحسين فأضطرم في وجهه نارا فقال بكمه هذا على وجهه وقال لا تحدثن بهذا أحدا
وقال المغيرة قالت مرجانة لأبنها عبيد الله بعد قتل الحسين يا خبيث قتلت ابن رسول الله لا ترى الجنة أبدا وقال ابن مفرغ حين قتل ابن زياد
( إن المنايا إذا ما زرن طاغية % هتكن أستار حجاب وأبواب )
( أقول بعدا وسحقا عند مصرعه % لابن الخبيثة وابن الكودن الكابي )
( لا أنت زوحمت عن ملك فتمنعه % ولا متت إلى قوم بأسباب )
( لا من نزار ولا من جذم ذي يمن % جلمود ذا ألقيت من بين ألهاب )
( لا تقبل الأرض موتاهم إذا قبروا % وكيف تقبل رجسا بين أثواب ) وقال سراقة البارقي يمدح إبراهيم بن الأشتر
( أتاكم غلام من عرانين مذحج % جرئ على الأعداء غير نكول )
( فيا ابن زياد بؤ بأعظم هالك % وذق حد ماضي الشفرتين صقيل )
( جزى الله خيرا شرطة الله إنهم % شفوامن عبيد الله أمس غليلي ) وقال عمير بن الحباب السلمي يذم جيش ابن زياد
( وما كان جيش يجمع الخمر والزنا % محلا إذا لاقى العدو لينصرا )
ذكر مسير مصعب إلى المختار وقتل المختار
ص 63
ولما هرب أشراف الكوفة من وقعة السبيع أتى جماعة منهم إلى مصعب فأتاه شبث بن ربعي على بغلة قد قطع ذنبها وطرف أذنها وشق قباءه وهو ينادي يا غوثاه فرفع خبره إلى مصعب فقال هذا شبث بن ربعي فادخل عليه فأتاه أشراف الكوفة فدخلوا عليه وأخبروه بما اجتمعوا عليه وسألوه النصر لهم والمسير إلى المختار معهم وقدم عليه محمد بن الأشعث أيضا واستحثه على المسير فأدناه مصعب وأكرمه لشرفه وقال لأهل الكوفة حين أكثروا عليه لا أسير حتى يأتيني المهلب بن أبي صفرة وكتب إليه وهو عامله على فارس يستدعيه ليشهد معهم قتال المختار فأبطأ المهلب واعتل بشئ من الخراج لكراهية الخروج فأمر مصعب محمد بن الأشعث أن يأتي المهلب يستحثه فأتاه محمد ومعه كتاب مصعب فلما قرأه قال له أما وجد مصعب بريدا غيرك فقال ما أنا بريد لأحد غير أن نساءنا وأبناءنا وحرمنا غلبتنا عليهم عبيدنا فأقبل المهلب معه بجموع كثيرة وأموال عظيمة فقدم البصرة وأمر مصعب بالعسكر عند الجسر الأكبر وأرسل عبد الرحمن بن مخنف إلى الكوفة فأمره أن يخرج إليه من قدر عليه وأن يثبط الناس عن المختار ويدعوهم إلى بيعة ابن الزبير سرا ففعل ودخل بيته مستترا
ثم سار مصعب فقدم أمامه عباد بن الحصين الحطمي وبعث عمر بن عبيد الله بن معمر على ميمنته والمهلب على ميسرته وجعل مالك بن مسمع على بكر ومالك بن المنذر على عبد القيس والأحنف بن قيس على تميم وزياد بن عمرو العتكي على الأزد وقيس بن الهيثم على أهل العالية وبلغ الخبر المختار فقام في أصحابه فأعلمهم ذلك وندبهم إلى الخروج مع أحمر بن شميط فخرج وعسكر بحمام أعين ودعا المختار رؤوس الأرباع الذين كانوا مع ابن الأشتر فبعثمهم مع أحمر بن شميط فسار وعلى مقدمته ابن كامل الشاكري فوصلوا إلى المذار وأتى مصعب فعسكر قريبا منه وعبى كل واحد منهما جنده ثم تزاحفا فجعل ابن شميط ابن كامل على ميمنته وعلى الميسرة عبد الله بن وهيب الجشمي وجعل أبا عمرة مولى عرينة على الموالي فجاء عبد الله بن وهيب الجشمي إلى ابن شميط فقال له إن الموالي والعبيد أولو فجور عند المصدوقة وإن معهم رجالا كثيرا على الخيل وأنت تمشي فمرهم فليمشوا معك فإني أتخوف أن يطيروا عليها ويسلموك وكان هذا غشا منه للموالي لما كان لقي منهم بالكوفة فأحب عن كانت عليهم الهزيمة أن لا ينجو منهم أحد فلم يتهمه ابن شميط ففعل ما أشار به فنزل الموالي معه وجاء مصعب وقد جعل عباد بن الحصين على الخيل فدنا عباد من أحمر وأصحابه وفال إنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة رسوله والى بيعة المختار وإلى أن نجعل هذا الأمر شورى في آل الرسول
فرجع عباد فأخبر مصعبا فقال له ارجع فاحمل عليهم فرجع وحمل على ابن شميط وأصحابه فلم ينزل منهم أحد ثم انصرف إلى موقفه وحمل المهلب على ابن كامل فجال بعصهم في بعض فنزل ابن كامل فانصرف عنه المهلب ثم قال المهلب لأصحابه كروا عليهم كرة صادقة فحملوا عليهم حملة منكرة فولوا وصبر ابن كامل في رجال من همدان ساعة ثم انهزم وحمل عمر بن عبيد الله على عبد الله بن أنس فصبر ساعة ثم انصرف وحمل الناس جميعا على ابن شميط فقاتل حتى قتل وتنادوا يا معشر بجيلة وخثعم الصبر فناداهم المهلب الفرار اليوم أنجى لكم علام تقتلون أنفسكم مع هذه العبيد ثم قال والله ما أرى كثرة القتل اليوم إلا في قومي
ومالت الخيل على رجالة ابن شميط فانهزمت وبعث مصعب عبادا على الخيل فقال أيما أسير اخذته فاضرب عنقه وسرح محمد بن الأشعث في خيل عظيمة من أهل الكوفة فقال دونكم ثأركم فكانوا أشد على المنهزمين من أهل البصرة لا يدركون منهزما إلا قتلوه ولا يأخذون أسيرا فيعفون عنه فلم ينج من ذلك الجيش إلا طائفة أصحاب الخيل وأما الرجالة فأبيدوا إلا قليلا قال معاوية بن قرة المزني انتهيت إلى رجل منهم فأدخلت السنان في عينه فأخذت اخضخض عينه به فقيل له أفعلت هذا فقال نعم إنهم كانوا عندنا أحل دماء من الترك والديلم وكان معاوية هذا قاضي البصرة فلما فرغ مصعب منهم أقبل حتى قطع من تلقاء واسط ولم تكن بنيت بعد فأخذ في كسكر ثم حمل الرجال أثقالهم والضعفاء في السفن فأخذوا في نهر خرشاد ثم خرجوا إلى نهر قوسان ثم خرجوا إلى الفرات وأتى المختار خبر الهزيمة ومن قتل بها من فرسان أصحابه فقال ما من الموت بد وما من ميتة أموتها أحب إلي من أن أموت ميتة ابن شميط فعلموا أنه إن لم يبلغ ما يريد يقاتل حتى يقتل ولما بلغه أن مصعبا قد أقبل إليه في البر والبحر سار حتى وصل السلحين ونظر إلى مجتمع الأنهار نهر الخريرة ونهر السلحين ونهر القادسية ونهر رسف فسكر الفرات فذهب ماؤها في هذه الأنهار وبقيت سفن أهل البصرة في الطين فلما رأوا ذلك خرجوا من السفن إلى ذلك السكر فأصلحوه وقصدوا الكوفة وسار المختار إليهم فنزل حروراء وحال بينهم وبين الكوفة وكان قد حصن القصر والمسجد وأدخل إليه عدة الحصار وأقبل مصعب وقد خلع على ميمنته المهلب وعلى مسيرته عمر بن عبيد الله وعلى الخيل عباد بن الحصين وجعل المختار على ميمنته سليم بن يزيد الكندي وعلى ميسرته سعيد بن منقذ الهمداني وعلى الخيل عمرو بن عبد الله النهدي وعلى الرجالة مالك بن عبد الله النهدي
وأقبل محمد بن الأشعث فيمن هرب من أهل الكوفة فنزل بين مصعب والمختار فلما رأى ذلك المختار بعث إلى كل جيش من أهل البصرة رجلا من أصحابه وتدانى الناس فحمل سعيد بن منقذ على بكر وعبد القيس وهم في ميمنة مصعب فاقتتلوا قتالا شديدا فأرسل مصعب إلى المهلب ليحمل على من بإزائه فقال ما كنت لأجزر الأزد خشية أهل الكوفة حتى أرى فرصتي وبعث المختار إلى عبد الله بن جعدة بن هبيرة المخزومي فحمل على من بازائه وهم أهل العاليه فكشفهم فانتهوا إلى مصعب فجثا مصعب على ركبته وبرك الناس عنده فقاتلوا ساعة وتحاجزوا ثم ان المهلب حمل في أصحابه على من بازائه فحطموا أصحاب المختار حطمة منكرة فكشفوهم
وقال عبد الله بن عمرو النهدي وكان ممن شهد صفين اللهم إني على ما كنت عليه بصفين اللهم أبرأ إليك من فعل هؤلاء لأصحابه وأبرأ إليك من أنفس هؤلاء يعني أصحاب مصعب ثم جالد بسيفه حتى قتل وانقضت أصحاب المختار كأنهم أجمة قصب فيها نار وحمل مالك بن عبد الله النهدي وهو على الرجالة ومعه نحو خمسين رجلا وذلك عند المساء على أصحاب ابن الأشعث حملة منكرة فقتل ابن الأشعث وقتل عامة أصحابه وقاتل المختار على فم سكة شبث عامة ليلته وقاتل معه رجال من أهل الأمير اذهب إلى القصر فجاء حتى دخله فقال له بعض أصحابة ألم تكن وعدتنا الظفر وأنا سنهزمهم فقال أما قرأت في كتاب الله تعالى يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب فقيل إن المختار أول من قال بالبداء فلما أصبح مصعب أقبل يسير فيمن معه نحو السبخة فمر بالمهلب فقال له المهلب ياله فتحا ما أهناه لو لم يقتل محمد بن الأشعث قال صدقت ثم قال مصعب للمهلب إن عبيد الله بن علي بن أبي طالب قد قتل فاسترجع المهلب فقال مصعب قد كنت أحب أن يشهد هذا الفتح أتدري من قتله إنما قتله من يزعم أنه شيعة لأبيه ثم نزل السبخة فقطع عنهم الماء والمادة وقاتلهم المختار وأصحابه قتالا ضعيفا واجترأ الناس عليهم فكانوا إذا خرجوا رماهم الناس من فوق البيوت وصبوا عليهم الماء القذر وكان أكثر معاشهم من النساء تأتي المرأة متخفية ومعها القليل من الطعام والشراب إلى أهلها ففطن مصعب بالنساء فمنعهن فاشتد على المختار وأصحابه العطش وكانوا يشربون ماء البئر يعملون فيه العسل فكان ذلك ما يروي بعضهم ثم إن مصعبا أمر أصحابه فاقتربوا من القصر واشتد الحصار عليهم فقال لهم المختار ويلكم إن الحصار لا يزيدكم إلا ضعفا فانزلوا بنا فنقاتل حتى نقتل كراما إن نحن قتلنا فوالله ما أنا بآيس إن صدقتموهم إن ينصركم الله فضعفوا ولم يفعلوا فقال لهم أما أنا فوالله لا أعطي بيدي ولا أحكمهم في نفسي وإذا خرجت فقتلت لم تزدادوا إلا ضعفا وذلا فإن نزلتم على حكمهم وثبت أعداؤكم فقتلوكم وبعضكم ينظر إلى بعض فتقولون يا ليتنا أطعنا المختار ولو أنكم خرجتم معي كنتم إن أخطأتم الظفر متم كراما فلما رأى عبد الله بن جعدة بن هبيرة ما عزم عليه المختار تدلى من القصر فلحق بناس من إخوانه فاختفى عندهم سرا ثم إن المختار تطيب وتحنط وخرج من القصر في تسعة عشر رجلا منهم السائب بن مالك الأشعري وكانت تحته عمرة بنت أبي موسى الأشعري فولدت له غلاما اسمه محمد فلما أخذ القصر وجد صبيا فتركوه فلما خرج المختار قال للسائب ماذا ترى قال ما ترى أنت قال ويحك يا أحمق إنما أنا رجل من العرب رأيت ابن الزبير قد وثب بالحجاز ورأيت ابن نجدة وثب باليمامة ومروان بالشام وكنت فيها كأحدهم إلا أني قد طلبت بثأر أهل البيت إذ نامت عنه العرب فقاتل على حسبك إن لم يكن لك نية فقال إنا لله وإنا إليه راجعون ما كنت أصنع أن أقاتل على حسبي
ثم تقدم المختار فقاتل حتى قتل قتله رجلان من بني حنيفة أخوان أحدهما طرفة والآخر طراف ابنا عبد الله بن دجاجة فلما كان الغد من قتله دعاهم بحير بن عبد الله المسكي ومن معه بالقصر إلى ما دعاهم المختار فأبوا عليه وأمكنوا أصحاب مصعب من أنفسهم ونزلوا على حكمه فأخرجوهم مكتفين فأراد اطلاق العرب وقتل الموالي فأبى أصحابه عليه فعرضوا عليه فأمر بقتلهم وعرض عليه بحير المسكي فقال لمصعب الحمد لله الذي ابتلانا بالأسر وابتلاك بأن تعفوا عنا هما منزلتان إحداهما رضا رضا الله والأخرى سخطه من عفا عفا الله عن وزاده عزا ومن عاقب لم يأمن القصاص يابن الزبير نحن أهل قبلتكم وعلى ملتكم ولسنا تركا ولا ديلما فإنما خلفنا إخواننا من أهل مصرنا فإما إن يكن أصبنا أو أخطأنا فاقتتلنا بيننا كما اقتتل أهل الشام بينهم ثم اجتمعوا وكما اقتتل أهل البصرة واصطلحوا واجتمعوا وقد ملكتم فاسجحوا وقد قدرتم فاعفوا فما زال بهذا القول حتى رق لهم الناس ومصعب وأراد أن يخلي سبيلهم فقام عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فقال أتخلي سبيلهم أخترنا أو اخترهم وقام محمد بن عبد الرحمن بن سعيد الهمداني فقال مثله وقام أشراف الكوفة فقالوا مثلهما فأمر بقتلهم فقالوا له يا ابن الزبير لا تقتلنا واجعلنا على مقدمتك إلى أهل الشام غدا فما بكم عنا غنى فإن قتلنا لم نقتل حتى نضعفهم لكم وان ظفرنا بهم كان ذلك لكم فأبى عليهم فقال بحير المسكي لا تخلط دمي بدمائهم إذ عصوني فقتلهم وقال مسافر بن سعيد بن نمران الناعطي ما تقول يا ابن الزبير لربك غدا وقد قتلت أمة من المسلمين حكموك في أنفسهم صبرا اقتلو من بعدة من قتلنا منكم ففينا رجال لم يشهدوا موطنا من حربنا يوما واحدا كانوا في السواد وجبانة الخراج وحفظ الطرق فلم يسمع منه وأمر بقتله ولما أراد قتلهم استشار مصعب الأحنف بن قيس فقال أرى إن تعفو فإن العفو أقرب للتقوى فقال أشراف أهل الكوفة اقتلهم وضجوا فقتلهم فلما قتلوا قال الأحنف ما أدركتم بقتلهم ثارا فليته لا يكون في الآخرة وبالا
وبعثت عائشة بنت طلحة امرأة مصعب إليه في اطلاقهم فوجدهم الرسول قد قتلوا وأمر مصعب بكف المختار بن أبي عبيدة فعطقت وسمرت بمسمار إلى جانب المسجد فبقيت حتى قدم الحجاج فنظر اليها وسأل عنها فقيل هذا كف المختار فأمر بنزعها وبعث مصعب عماله على الجبال والسواد وكتب إلى إبراهيم بن الأشتر يدعوه إلى طاعته ويقول له إن أطعتني فلك الشام وأعنة الخيل وما غلبت عليه من أرض المغرب ما دام لآل الزبير سلطان وأعطاه عهد الله على ذلك وكتب عبد الملك بن مروان إلى ابن الأشتر يدعوه إلى طاعته ويقول إن أنت أجبتني فلك العراق فاستشار إبرباهيم أصحابه فاختلفوا فقال إبراهيم لو لم أكن أصبت ابن زياد وأشراف الشام لأجبت عبد الملك مع أني لا أختار على أهل مصري وعشيرني غيرهم فكتب إلى مصعب بالدخول معة فكتب إليه مصعب أن أقبل فأقبل إليه بالطاعة
فلما بلغ مصعبا إقباله إليه بعث المهلب على عمله بالموصل والجزيرة وارمينية وأذربيجان ثم إن مصعبا دعا أم ثابت بنت سمرة بن جندب امرأة المختار وعمرة بنت النعمان بن بشير الأنصارية امرأته الأخرى فأحضرهما وسألهما عن المختار فقالت أم ثابت نقول فيه قولك أنت فأطلقها وقالت عمرة رحمة الله كان عبدا الله صالحا فحبسها وكتب إلى أخيه عبد الله بن الزبير أنها تزعم نه نبي فأمر بقتلها فقتلت ليلا بين الكوفة والحيرة قتلها بعض الشرط ضربها ثلاثة ضربات بالسيف وهي تقول يا أبتاه يا عثرتاه فرفع رجل يده فلطم القاتل وقال يا ابن الزانية عذبتها ثم تشحطت فماتت فتعلق الشرطي بالرجل وحمله إلى مصعب فقال خلوه فقد رأى أمرا فظيعا فقال عمر بن ربيعة المخزومي في ذلك
( أن من عجب العجائب عندي % قتل بيضاء حرة عطبول )
( قتلت هكذا على غير جرم % إن لله درها من قتيل )
( كتب القتل والقتال علينا % وعلى المحصنات جر الذيول )
وقال سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت الأنصاري في ذلك أيضا
( أتى راكب بالأمر ذي النبأ العجب % بقتل ابنة النعمان ذي الدين والحسب )
( بقتل فتاة ذات دل ستيرة % مهذبة الأخلاق والخيم والنسب )
( مطهرة من نسل قوم أكارم % من المؤثرين الخير في سالف الحقب )
( خليل النبي المصطفى ونصيره % وصاحبه في الحرب والضرب والكرب )
( أتاني بأن الملحدين تواقفوا % على قتلها لا أحسنوا القتل والسلب )
( فلا هنأت آل الزبير معيشة % وذاقوا لباس الذل والخوف والحرب )
( كأنهم إذ أبرزوها وقطعت % بأسيافهم فأزوا بمملكة العرب )
( ألم تعجب الأقوام من قتل حرة % من المحصنات الدين محمودة الأدب )
( من الغافلات المؤمنات بريئة % من الذم والبهتان والشك والكذب )
( علينا ديات القتل والبأس واجب % وهن العفاف في الحجال وفي الحجب )
( على دين أجداد لها وأبوة % كرام مضت لم تخز أهلا ولم ترب )
( من الخفرات لا خروج بزنة % ولادمة تنعى على جارها الجنب )
( ولا الجار ذي القربى ولم تدر ما الخنا % ولم تزدلف يوما بسوء ولم تجب )
( عجبت لها إذ كتفت وهي حية % ألا إن هذا الخطب من أعجب العجب )
وقيل إن المختار إنما أظهر الخلاف لابن الزبير عند قدوم مصعب البصرة وإن مصعبا لم سار إليه فبلغه مسير أحمر بن شميط وأمره أن يواقعه بالمذار وقال إن الفتح بالمذار لأنه بلغه أن رجلا من ثقيف يفتح عليه بالمذار فتح عظيم فظن أنه هو وإنما كان ذلك للحجاج في قتال عبد الرحمن بن الأشعث وأمر مصعب عبادا الحطمي بالمسير إلى جمع المختار فتقدم وتقدم معه عبيد الله بن علي بن أبي طالب وبقي مصعب على نهر البصريين وخرج المختار في عشرين ألفا وزحف مصعب ومن معه فوافوه مع الليل فقال المختار لأصحابه لا يبرحن أحد منكم حتى يسمع مناديا ينادي يا محمد فإذا سمعتوه فاحملوا فلما طلع القمر أمر مناديا فنادى يا محمد فحملوا على أصحاب مصعب فهزموهم وأدخلوهم عسكرهم فلم يزالوا يقاتلونهم حتى أصبحوا وأصبح المختار وليس عنده أحد وأصحابه قد أوغلوا في أصحاب مصعب فانصرف المختار منهزما حتى دخل قصر الكوفة وجاء أصحابه حين أصبحوا فوقفوا مليا فلم يروا المختار فقالوا قد قتل فهرب منهم من أطاق الهرب فاختفوا بدور الكوفة وتوجه منهم نحو القصر ثمانية آلاف فوجدوا المختار في القصر فدخلوا عليه وكانوا قد قتلوا تلك الليلة من أصحاب مصعب خلقا كثيرا منهم محمد بن الأشعث وأقبل مصعب فأحاط بالقصر وحاصرهم أربعة أشهر يخرج المختار كل يوم فيقاتلهم في سوق الكوفة فلما قتل المختار بعث من في القصر يطلب الأمان فأبى مصعب فنزلوا على حكمه فقتل من العرب سبعمائة أو نحو ذلك وسائرهم من العجم
وكان عدة القتلى سبعة آلاف رجل ولما قتل المختار كان عمره سبعا وستين سنة وكان قتله لأربع عشرة خلت من رمضان سنة سبع وستين قيل إن مصعبا لقي ابن عمر فسلم عليه وقال له أنا ابن أخيك مصعب فقال له أبن عمر أنت القاتل سبعة آلاف من أهل القبلة في غداة واحدة غير ما بدا لك فقال مصعب إنهم كانوا كفرة فجرة فقال والله لو قتلت عدتهم غنما من تراث أبيك لكان ذلك سرفا وقال ابن الزبير لعبد الله بن عباس ألم يبلغك قتل الكذاب قال ومن الكذاب قال ابن أبي عبيد قال قد بلغني قتل المختار قال كأنك نكرت تسميته كذابا ومتوجع له قال ذاك رجل قتل قتلتنا وطلب ثأرنا وشفى غليل صدورنا وليس جزاؤه منا الشتم والشماتة وقال عروة بن الزبير لابن عباس قد قتل الكذاب المختار وهذا رأسه فقال ابن عباس قد بقيت لكم عقبة كؤود فإن صعدتموها فأنتم أنتم وإلا فلا يعني عبد الملك بن مروان وكانت هدايا المختار تأتي ابن عمر وابن الحنفية فيقبلانها وقيل رد ابن عمر هديته