ذكر غزوة الصواري
ص 11
قيل وفي هذه السنة كانت غزوة الصواري وقيل كانت سنة أربع وثلاثين وقيل في سنة إحدى وثلاثين كانت غزوة الأساورة وقيل كانتا معا سنة إحدى وثلاثين
وكان علي المسلمين معاوية وكان قد جمع الشام له أيام عثمان وسبب جمعه له أن أبا عبيدة بن الجراح لما حضر استخلف علي عمله عياض بن غنم وكان خاله وابن عمه وكان جوادا مشهورا وقيل استخلف معاذ بن جبل علي ما تقدم فمات عياض واستخلف عمر بعده سعيد بن حذيم الجمحي ومات سعيد بعد وأمر عمر مكانه عمير بن سعيد الأنصاري ومات عمر وعمير علي حمص وقنسرين ومات يزيد بن أبي سفيان فجعل عمر مكانه أخاه معاوية ونعاه لأبي سفيان فقال من جعلت علي عمله يا أمير المؤمنين فقال معاوية فقال وصلتك رحم
فاجتمعت لمعاوية الأردن ودمشق ومرض عمير بن سعد فاستعفي عثمان واستأذنه في الرجوع إلي أهله فإذن له وضم عثمان حمص وقنسرين إلي معاوية ومات عبد الرحمن بن علقمة وكان علي فلسطين فضم عثمان عمله إلي معاوية فاجتمع الشام لمعاوية لسنتين من إمارة عثمان فهذا كان سبب اجتماع الشام له
وأما سبب هذه الغزوة فإن المسلمين لما أصابوا من أهل إفريقية وقتلوهم وسبوهم خرج قسطنطين بن هرقل في جمع له لم تجمع الروم مثله مذ كان الإسلام فخرجوا في خمسمائة مركب أو ستمائة وخرج المسلمون وعلي أهل الشام معاوية بن أبي سفيان وعلي البحر عبد الله بن سعد بن أبي سرح وكانت الريح علي المسلمين لما شاهدوا الروم فأرسي المسلمون والروم وسكنت الريح فقال المسلمون الأمان بيننا فباتوا ليلتهم والمسلمون يقرأون القرآن ويصلون ويدعون والروم يضربون بالنواقيس وقربوا من الغد سفنهم وقرب المسلمون سفنهم فربطوا بعضها مع بعض واقتتلوا بالسيوف والخناجر وقتل من المسلمين بشر كثير وقتل من الروم ما لا يحصي وصبروا يومئذ صبرا لم يصبروا في موطن قط مثله ثم أنزل الله نصره علي المسلمين فانهزم قسطنطين جريحا ولم ينج من الروم إلا الشريد وأقام عبد الله بن سعد بذات الصواري بعد الهزيمة أياما ورجع فكان أول ما تكلم به محمد بن أبي حذيفة ومحمد بن أبي بكر في أمر عثمان في هذه الغزوة وأظهرا عيبه وما غير وما خالف به أبا بكر وعمر ويقولان استعمل عبد الله بن سعد رجلا كان رسول الله قد أباح دمه ونزل القرآن بكفره وأخرج رسول الله قوما أدخلهم ونزع أصحاب رسول الله واستعمل سعيد بن العاص وابن عامر
فبلغ ذلك عبد الله بن سعد فقال لا تركبا معنا فركبا في مركب ما معهما إلا القبط فلقوا العدو فكانا أقل المسلمين نكاية وقتالا فقيل لهما في ذلك فقالا كيف نقاتل مع عبد الله بن سعد استعمله عثمان وعثمان فعل كذا وكذا فأرسل إليهما عبد الله ينهاهما ويتهددهما ففسد الناس بقولهما وتكلموا ما لم يكونوا ينطقون به
وأما قسطنطين فإنه سار في مركبه إلي صقلية فسأله أهلها عن حاله فأخبرهم فقالوا أهلكت النصرانية وأفنيت رجالها لو أتانا العرب لم يكن عندنا من يمنعهم ثم أدخلوه الحمام وقتلوه وتركوا من كان معه في المركب وأذنوا لهم في المسير إلي القسطنطينية
وقيل في هذه السنة فتحت أرمينية علي يد حبيب بن مسلمة وقد تقدم ذكر ذلك
ذكر مقتل يزدجرد بن شهريار
ص 12
في هذه السنة هرب يزدجرد من فارس إلي خراسان في قول بعضهم وقد تقدم الخلاف فيه وكان ابن عامر قد خرج من البصرة حين وليها إلي فارس فافتتحها وهرب يزدجرد من جور وهي أردشير خره في سنة ثلاثين فوجه ابن عامر في أثره مجاشع بن مسعود وقيل هرم بن حيان العبدي وقيل هرم بن حيان اليشكري فاتبعه إلي كرمان فهرب يزدجرد إلي خراسان وأصاب مجاشع بن مسعود ومن معه الثلج والدمق واشتد البرد وكان الثلج قيد رمح فهلك الجند وسلم مجاشع ورجل معه جارية فشق بطن بعير فأدخلها فيه وهرب فلما كان الغد جاء فوجدها حية فحملها فسمي ذلك القصر قصر مجاشع لأن جيشه هلكوا فيه وهو علي بعد خمسة فراسخ أو ستة من الشيرجان من أعمال كرمان هذا علي قول من يقول إن هرب يزدجرد من فارس كان هذه السنة
وأما سبب قتله علي ما تقدم ذكره من فتح فارس وخراسان فقد اختلف الناس في سبب قتله فقيل إنه هرب من كرمان في جماعة يسيرة إلي مرو ومعه خرزاد أخو رستم فرجع عنه إلي العراق ووصي به ماهويه مرزبان مرو فسأله يزدجرد مالا فمنعه فخافه أهل مرو علي أنفسهم فارسلوا إلي الترك يستنصروهم عليه فأتوه فبيتوه فقتلوا أصحابه فهرب يزدجرد ماشيا إلي شط المرغاب فأوي إلي بيت رجل ينقر الأرحاء فلما نام قتله
وقيل بل بيته أهل مرو ولم يستنصروا بالترك فقتلوا أصحابه وهرب منهم فقتله النقار وتبعوا أثره إلي بيت الذي ينقر الأرحاء فأخذوه وضربوه فأقر بقتله فقتلوه وأهله وكان يزدجرد قد وطئ امرأة بها فولدت له غلاما ذاهب الشق ولدته بعد قتله فسمي المخدج فولد له أولاد بخراسان فوجد قتيبة بن مسلم حين افتتح الصعد وغيرها جاريتين من ولد المخدج فبعث بهما أو بإحداهما إلي الحجاج فبعث بها إلي الوليد بن عبد الملك فولدت للوليد يزيد بن الوليد الناقص
وأخرج يزدجرد من النهر وجعل في تابوت وحمل إلي إصطخر فوضع في ناووس هناك
وقيل إن يزدجرد هرب بعد وقعة نهاوند إلي أرض أصبهان وبها رجل يقال له مطياز كان قد أصاب من العرب شيئا يسيرا فصار له بها محل كبير فأتي مطياز يزدجرد ذات يوم زائرا فحجبه بوابه ليستأذن له فضربه وشجه أنفة وحمية لحجبه إياه فدخل البواب علي يزدجرد مدمي فلما نظر إليه أفظعه ذلك فرحل عن أصبهان من ساعته فأتي الري فخرج إليه صاحب طبرستان وعرض عليه بلاده وأخبره بحصانتها وقال له إن أنت لم تجبني يومك هذا ثم أتيتني بعد ذلك فلم أقبلك ولم أراك فلم يجبه
وقيل مضي من فوره ذلك إلي سجستان ثم سار إلي مرو في ألف فارس وقيل بل قصد فارس فأقام بها أربع سنين ثم أتي كرمان فأقام بها سنتين أو ثلاثا فطلب إليه دهقانه شيئا فلم يجبه فجره برجله وطرده عن بلاده فسار إلي سجستان فأقام بها نحوا من خمس سنين ثم عزم علي قصد خراسان ليجمع الجموع ويسير بهم إلي العرب فسار إلي مرو ومعه الرهن من أولاد الدهاقين ومعه في رؤسائهم فزخزاد فلما قدم مرو كاتب ملوك الصين وملك فرغانة وملك كابل وملك الخرز يستمدهم وكان الدهقان يومئذ بمرو ماهوية أبو براز فوكل ماهويه بمرو ابنه براز ليحفظهما ويمنع عنها يزدجرد خوفا من مكره فركب يزدجرد يوما وطاف بالمدينة وأراد دخولها من بعض أبوابها فمنعه براز فصاح به أبوه ليفتح الباب فلم يفعل وأومأ إليه أبوه أن لا يفعل ففطن له رجل من أصحاب يزدجرد فأعلمه بذلك واستأذنه في قتله وقال إن فعلت صفت لك الأمور بهذه الناحية فلم يأذن له وقيل أراد يزدجرد صرف الدهقنة عن ماهوية إلي صنجان ابن أخيه فبلغ ذلك ماهويه فعمل في هلاك يزدجرد فكتب إلي نيزك طرخان يخبره أن يزدجرد وقع إليه مفلولا يدعوه إلي القدوم عليه ليتفقا علي قتله ومصالحة العرب عليه وضمن له إن فعل أن يعطيه كل يوم ألف درهم فكتب نيزك إلي يزدجرد يعده المساعدة علي العرب وأنه يقدم عليه بنفسه إن أبعد عسكره وفرخزاد عنه فاستشار يزدجرد أصحابه فقال له سنجان لست أري أن تبعد عنك أصحابك وفرخزاد وقال أبو براز أري أن تتألف نيزك وتجيبه إلي ما سأل فقبل رأيه وفرق عنه جنده وأمر فرخزاد أن يأتي أجمة سرخس فصاح فرخزاد وشق جيبه وتناول عمودا بين يديه يريد ضرب أبي براز به وقال يا قتلة الملوك قتلتم ملكين وقال أظنكم قاتلي هذا
ولم يبرح فرخزاد حتى كتب له يزدجرد بخط يده أنه آمن وأنه قد أسلم يزدجرد وأهله وما معه إلي ماهويه وأشهد بذلك
وأقبل نيزك فلقيه يزدجرد بالمزامير والملاهي أشار عليه بذلك أبو براز فلما لقيه تأخر عنه أبو براز فاستقبله نيزك ماشيا ويزدجرد علي فرس له فأمر له يزدجرد بجنيبة من جنائبه فركبها فلما توسط عسكره توافقا فقال له نيزك فيما يقول زوجني إحدى بناتك حتى أناصحك في قتال عدوك
فسبه يزدجرد فضربه نيزك بمقرعته وصاح يزدجرد غدر الغادر وركض منهزما وقتل أصحاب نيزك أصحاب يزدجرد وانتهي يزدجرد من هزيمته إلي مكان من نواحي مرو فنزل عن فرسه ودخل إلي بيت طحان فمكث فيه ثلاثة أيام لم يأكل طعاما فقال له الطحان أخر أيها الشقي فكل طعاما فقد جعت
فقال لست أصل إلي ذلك إلا بزمزمة
وكان عند الطحان رجل يزمزم فكلمه الطحان في ذلك ففعل وزمزم له فأكل فلما رجع المزمزم سمع بذكر يزدجرد فسأل عن حليته فوصفوه له فأخبرهم به وبحليته فأرسل إليه أبو براز رجلا من الأساورة وأمره بخنقه وإلقائه في النهر وأتي الطحان فضربه ليدله عليه فلم يفعل وجحده فلما أراد الانصراف عنه قال له بعض أصحابه إني لأجد ريح مسك ونظر إلي طرف ثوبه من ديباج في الماء فجذبه فإذا هو يزدجرد فسأله أن لا يقتله ولا يدل عليه وجعل له خاتمه ومنطقته وسواره فقال له أعطني أربعة دراهم وأخلي عنك فلم يكن معه وقال إن خاتمي لا يحصي ثمنه فخذه فأبي عليه فقال له يزدجرد قد كنت أخبر أني سأحتاج إلي أربعة دراهم وأضطر إلي أن يكون أكلي أكل الهر فقد رأيت ذلك ثم نزع أحد قرطيه فأعطاه الطحان ليستر عليه وأرادوا قتله فقال ويحكم إنا نجد في كتبنا أنه من قتل الملوك عاقبه الله بالحريق في الدنيا فلا تقتلوني واحملوني إلي الدهقان أو إلي العرب فإنهم يستبقون مثلي
فأخذوا ما عليه من الحلي وخنقوه بوتر القوس وألقوه في الماء فجري به الماء حتى انتهي إلي فوهة الرزيق فتعلق بعود فأخذه أسقف مرو وجعله في تابوت ودفنه
وسأل أبو براز عن أحد القرطين وأخذ الذي دل عليه فضربه حتى أتي علي نفسه
وقيل بل سار يزدجرد من كرمان قبل ورود العرب إليها نحو مرو علي الطبسين وقهستان في أربعة آلاف فلما قارب مرو لقيه قائدان يقال لأحدهما براز وللآخر سنجان وكانا متباغضين فسعي براز بسنجان حتى هم يزدجرد بقتله وأفشي ذلك إلي امرأة من نسائه كان براز واطأها ففشا الحديث فجمع سنجان أصحابه وقصد قصر يزدجرد فهرب براز وخاف يزدجرد فهرب براز وخاف يزدجرد فهرب أيضا إلي رحى علي فرسخين من مرو فدخل بيت نقار الرحى فأطعمه الطحان فطلب منه شيئا فأعطاه منطقته فقال إنما يكفيني أربعة دراهم فلم يكن معه ثم نام يزدجرد فقتله الطحان بفأس كان معه وأخذ ما عليه وألقي جيفته في الماء وشق بطنه وثقله وسمع بقتله مطران كان بمرو فجمع النصارى وقال قتل ابن شهريار وإنما شهريار بن شيرين المؤمنة التي قد عرفتم حقها وإحسانها إلي أهل ملتنا مع ما نال النصارى في ملك جده أنوشروان من الشرف فينبغي أن نحزن لقتله ونبني له ناووسا فأجابوه إلي ذلك وبنوا له ناووسا وأخرجوا جثته وكفنوها ودفنوها في الناووس
وكان ملكه عشرين سنة منها أربع سنين في دعة وست عشرة سنة في تعب من محاربة العرب إياه وغلظتهم عليه وكان آخر من ملك من آل أردشير بن بابك وصفا الملك بعده للعرب
ذكر مسير ابن عامر إلي خراسان وفتحها
ص 17
لما قتل عمر بن الخطاب نقض أهل خراسان وغدروا فلما افتتح ابن عامر فارس قام إليه حبيب بن أوس التميمي فقال له أيها الأمير إن الأرض بين يديك ولم يفتح منها إلا القليل فسر فإن الله ناصرك
قال أو لم نؤمر بالمسير وكره أن يظهر أنه قبل رأيه
وقيل إن ابن عامر لما فتح فارس عاد إلي البصرة واستخلف علي إصطخر شريك بن الأعور الحارثي فبني شريك مسجد إصطخر فلما دخل البصرة أتاه الأحنف بن قيس وقيل غيره فقال له إن عدوك منك هارب ولك هائب والبلاد واسعة فسر فإن الله ناصرك ومعز دينه فتجهز وسار واستخلف علي البصرة زيادا وسار إلي كرمان فاستعمل عليها مجاشع بن مسعود السلمي وله صحبة وأمره بمحاربة أهلها وكانوا قد نكثوا أيضا واستعمل علي سجستان الربيع بن زياد الحرثي وكانوا أيضا قد غدروا ونقضوا الصلح وسار ابن عامر إلي نيسابور وجعل علي مقدمته الأحنف بن قيس فأتي الطبسين وهما حصنان وهما بابا خراسان فصالحه أهلهما وسار إلي قهستان فلقيه أهلها وقاتلهم حتى ألجأهم إلي حصنهم وقدم عليها ابن عامر فصالحه أهلها علي ستمائة ألف درهم وقيل كان المتوجه إلي قهستان أمير بن أحمر اليشكري وهي بلاد بكر بن وائل وبعث ابن عامر سرية إلي رستاق زام من أعمال نيسابور ففتحه عنوة وفتح باخرز من أعمال نيسابور أيضا وفتح جوين من أعمال نيسابور أيضا
ووجه ابن عامر الأسود بن كلثوم العدوى من عدي الرباب وكان ناسكا إلي بيهق من أعمالها أيضا فقصد قصبته ودخل حيطان البلد من ثلمة كانت فيه ودخلت معه طائفة من المسلمين فأخذ العدو عليهم تلك الثلمة فقاتل الأسود حتى قتل هو وطائفة ممن معه وقام بأمر الناس بعده أخوه أدهم بن كلثوم فظفر وفتح بيهق وكان الأسود يدعو الله أن يحشره من بطون السباع والطير فلم يواره أخوه ودفن من استشهد من أصحابه وفتح ابن عامر بشت من نيسابور وهذه بشت بالشين المعجمة وليست ببست التي بالسين المهملة تلك من بلاد الداون وهذه من خراسان من نيسابور
وافتتح خواف واسفراين وارغيان ثم قصد نيسابور بعدما استولي علي أعمالها وافتتحها فحصر أهلها أشهرا وكان علي كل ربع منها مرزبان للفرس يحفظه فطلب صاحب ربع من تلك الأرباع الأمان علي أن يدخل المسلمين المدينة فأجيب إلي ذلك فأدخلهم ليلا ففتحوا الباب وتحصن مرزبانها الأكبر في حصنها ومعه جماعة وطلب الأمان والصلح علي جميع نيسابور فصالحه علي ألف ألف درهم وولي نيسابور قيس بن الهيثم السلمي
وسير جيشا إلي نسا وأبيورد فافتتحوها صلحا وسير سرية أخري إلي سرخس مع عبد الله بن خازم السلمي فقاتلوا أهلها ثم طلبوا الأمان والصلح على أمان مائة رجل فأجيبوا إلي ذلك فصالحهم مرزبانها علي ذلك وسمي مائة رجل ولم يذكر نفسه فقتله ودخل سرخس عنوة وأتي مرزبان طوس إلي ابن عامر فصالحه عن طوس علي ستمائة درهم وسير جيشا إلي هراة عليهم عبد الله بن خازم وقيل غيره فبلغ مرزبان هراة ذلك فسار إلي ابن عامر فصالحه عن هراة وباذغيس وبوشنج
وقيل بل سار ابن عامر في الجيش إلي هراة فقاتله أهلها ثم صالحه مرزبانها علي ألف ألف درهم ولما غلب ابن عامر علي هذه البلاد أرسل إليه مرزبان مرو فصالحه علي ألفي ألف ومائتي ألف درهم وقيل غير ذلك
وأرسل ابن عامر حاتم بن النعمان الباهلي إلي مرزبانها وكانت مرو كلها صلحا إلا قرية منها يقال لها سنج فإنها أخذت عنوة وهي بكسر السين المهملة والنون الساكنة وآخرها جيم
ووجه ابن عامر الأحنف بن قيس إلي طخارستان فمر برستاق يعرف برستاق الأحنف ويدعي سونجرد فحصرها أهلها فصالحوه علي ثلاثمائة ألف درهم فقال الأحنف أصالحكم علي ا يدخل رجل منا القصر فيؤذن فيه ويقيم فيكم حتى ينصرف
فرضوا بذلك ومضى الأحنف إلي مرو الروذ فقاتله أهلها فقتلهم وهزمهم وحصرهم وكان مرزبانها من أقارب باذان صاحب اليمن فكتب إلي الأحنف أنه دعاني إلي الصلح إسلام باذان فصالحه علي ستمائة ألف وسير الأحنف سرية فاستولت علي رستاق بغ واستاقت منه مواشي ثم صالحوا أهله وجمع له أهل طخارستان فاجتمع أهل الجوزجان والطالقان والفارياب ومن حولهم في خلق كثير فالتقوا واقتتلوا وحمل ملك الصغانيان علي الأحنف فانتزع الأحنف الرمح من يده وقاتل قتالا شديدا فانهزم المشركون وقتلهم المسلمون قتلا ذريعا كيف شاؤوا وعاد إلي مرو الروذ ولحق بعض العدو بالجوزجان فوجه إليهم الأحنف الأقرع بن حابس التميمي في خيل وقال يا بني تميم تحابوا وتباذلوا تعدل أموركم وابدأوا بجهاد بطونكم وفروجكم يصلح لكم دينكم ولا تغلوا يسلم لكم جهادكم
فسار الأقرع فلقي العدو بالجوزجان فكانت بالمسلمين جولة ثم عادوا فهزموا المشركين وفتحوا الجوزجان عنوة فقال ابن الغريزة النهشلي
( سقي صوب السحاب إذا استهلت % مصارع فتية بالجوزجان )
( إلي القصرين من رستاق خوت % أفادهم هناك الأقرعان )
وفتح الأحنف الطالقان صلحا وفتح الفارياب وقيل بل فتحها أمير بن أحمر ثم سار الأحنف إلي بلخ وهي مدينة طخارستان فصالحه أهلها علي أربعمائة ألف وقيل سبعمائة ألف واستعمل علي بلخ أسيد بن المتشمس ثم سار إلي خوارزم وهي علي نهر جيحون فلم يقدر عليها فاستشار أصحابه فقال له حضين بن المنذر قال عمرو بن معد يكرب
( إذا لم تستطع أمرا فدعه % وجاوزه إلي ما تستطيع )
فعاد إلي بلخ وقد قبض أسيد صلحها ووافق وهو يجيبهم المهرجان فأهدوا له هدايا كثيرة من دراهم ودنتنير ودواب وأواني وثياب وغير ذلك
فقال لهم ما صالحناهم علي هذا فقالوا لا ولكن هذا نفعله في هذا اليوم بأمرائنا فقال ما أدري ما هذا ولعله من حقي ولكن أقبضه حتى أنظر
فقبضه حتى قدم الأحنف فأخبره فسألهم عنه فقالوا ما قالوا لأسيد فحمله إلي ابن عامر وأخبره عنه فقال خذه يا أبا بحر
قال لا حاجة لي فيه
فأخذه ابن عامر قال الحسن البصري فضمه القرشي وكان مضما ولما تم لابن عامر هذا الفتح قال له الناس ما فتح لأحد ما فتح عليك فارس وكرمان وسجستان وخراسان
فقال لا جرم لأجعلن شكري لله علي ذلك أن أخرج محرما من موقفي هذا
فأحرم بعمرة من نيسابور وقدم علي عثمان واستخلف علي خراسان قيس بن الهيثم فسار قيس بعد شخوصه في أرض طخارستان فلم يأت بلدا منها إلا صالحه أهله وأذعنوا له حتى أتى سمنجان فامتنعوا عليه فحصرهم حتى فتحها عنوة
أسيد بفتح الهمزة وكسر السين حضين بن المنذر بالضاد المعجمة
ذكر فتح كرمان
ص 21
لما سار ابن عامر عن كرمان إلي خراسان واستعمل مجاشع بن مسعود السلمي علي كرمان علي ما ذكرناه قبل أمره أن يفتحها وكان أهلها قد نكثوا وغدروا ففتح هميد عنوة واستبقي أهلها وأعطاهم أمانا وبني بها قصرا يعرف بقصر مجاشع وأتي السيرجان وهي مدينة كرمان فأقام عليها أياما يسيرة وأهلها متحصنون فقاتلهم وفتحها عنوة فجلا كثيرا من أهلها وفتح جيرفت عنوة وسار في كرمان فدوخ أهلها وأتي القفص وقد تجمع له خلق كثير من الأعاجم الذين جلوا فقاتلهم فظفر بهم وظهر عليهم وهرب كثير من أهل كرمان فركبوا البحر ولحق بعضهم بمكران وبعضهم بسجستان فأقطعت العرب منازلهم وأراضيهم فعمروها واحتفروا لها القني في مواضع منها وأدوا العشر منها
ذكر فتح سجستان وكابل وغيرهما
ص 21
قد تقدم ذكر فتح سجستان أيام عمر بن الخطاب ثم أن أهلها نقضوا بعده فلما توجه ابن عامر إلي خراسان سير إليها من كرمان الربيع بن زياد الحارثي فقطع المفازة حتى أتي حصن زالق فأغار علي أهله يوم مهرجان وأخذ الدهقان فافتدى نفسه بأن غرز عنزة وغمرها ذهبا وفضة وصالحه على صلح فارس ثم أتي بلدة يقال لها كركويه فصالحه أهلها وسار إلي زرنج فنزل علي مدينة روشت بقرب زرنج فقاتله أهلها وأصيب رجال من المسلمين ثم انهزم المشركون وقتل منهم مقتلة عظيمة وأتي الربيع ناشروذ ففتحها ثم أتي شرواذ فغلب عليها وسار منها إلي زرنج فنازلها وقاتله أهلها فهزمهم وحصرهم فأرسل إليه مرزبانها ليصالحه واستأمنه علي نفسه ليحضر عنده فأمنه وجلس له الربيع علي جسد من أجساد القتلى واتكأ علي آخر وأمر أصحابه ففعلوا مثله فلما رآهم المرزبان هاله ذلك فصالحه علي ألف وصيف مع كل وصيف جام من ذهب ودخل المسلمين المدينة ثم سار منها إلي سناروذ وهي واد فعبره وأتي القرية التي بها مربط فرس رستم الشديد فقاتله أهلها فظفر بهم ثم عاد إلي زرنج وأقام بها نحو سنة وعاد إلي ابن عامر واستخلف عليها عاملا فأخرج أهلها العامل وامتنعوا فكانت ولاية الربيع سنة ونصفا
وسبي فيها أربعين ألف رأس وكان كاتبه الحسن البصري فاستعمل ابن عامر عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس علي سجستان فسار إليها فحصر زرنج فصالحه مرزبانها علي ألفي ألف درهم وألفي وصيف
وغلب عبد الرحمن علي ما بين زرنج والكش من ناحية الهند وغلب من ناحية الرخج علي ما بينه وبين الداون فلما انتهي إلي بلد الداون حصرهم في جبل الزوز ثم صالحهم ودخل علي الزوز وهو صنم من ذهب عيناه ياقوتتان فقطع يده وأخذ الياقوتتان ثم قال للمرزبان دونك الذهب والجوهر وإنما أردت أن أعلمك أنه لا يضر ولا ينفع وفتح كابل وزابلستان وهي ولاية غزنة ثم عاد إلي زرنج فأقام بها حتى اضطرب أمر عثمان فاستخلف عليها أمير بن أحمر اليشكري وانصرف فأخرج أهلها أمير بن أحمر وامتنعوا
ولأمير يقول زياد بن الأعجم
( لولا أمير هلكت يشكر % ويشكر هلكى علي كل حال )
ذكر عدة حوادث
ص 23
وحج بالناس في هذه السنة عثمان
وفيها مات أبو الدرداء الأنصاري وهو بدري وقيل سنة اثنتين وثلاثين وفيها مات أبو طلحة الأنصاري وهو بدري وقيل سنة اثنتين وثلاثين وقيل سنة أحدى وخمسين وفيها مات أبو أسيد الساعدي وقيل مات سنة ستين وهو علي هذا القول آخر من مات من البدريين
أسيد بضم الهمزة
وفيها مات أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم
وأخوه الطفيل
وأبو سفيان بن حرب بن أمية وهو ابن ثمان وثمانين وسنة
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.