ذكر عزل الوليد عن الكوفة وولاية سعيد
ص 2
في هذه السنة عزل عثمان الوليد بن عقبة عن الكوفة وولاها سعيد بن العاص وقد تقدم سبب ولاية الوليد علي الكوفة في السنة الثانية من خلافة عثمان وأنه كان محبوبا إلي الناس فبقي كذلك خمس سنين وليس لداره باب
ثم أن شبابا من أهل الكوفة نقبوا علي ابن الحيسمان الخزاعي وكاثروه فندر بهم وخرج عليهم بالسيف وصرخ فأشرف عليهم أبو شريح الخزاعي وكان قد انتقل من المدينة إلي الكوفة للقرب من الجهاد فصاح بهم أبو شريح فلم يلتفتوا وقتلوا ابن الحيسمان وأخذهم الناس وفيهم زهير بن جندب الأزدي ومورع بن أبي مورع الأسدي وشبيل بن أبي الأزدي وغيرهم فشهد عليهم أبو شريح وابنه فكتب فيهم الوليد إلي عثمان فكتب عثمان بقتلهم فقتلهم علي باب القصر ولهذا السبب أخذ في القسامة بقول ولي المقتول عن ملأ من الناس ليفطم الناس عن القتل
وكان أبو زبيد الشاعر في الجاهلية والاسلام في بني تغلب وكانوا أخواله فظلموه دينا لهم فأخذ له الوليد حقه إذ كان عاملا عليهم فشكر أبو زبيد ذلك له وانقطع إليه وغشيه بالمدينة والكوفة وكان نصرانيا فأسلم عند الوليد وحسن إسلامه فبينما هو عنده أتي آت أبا زينب وأبا مورع وجندبا وكانوا يحفرون للوليد منذ قتل أبناءهم ويضعون له العيون فقال لهم إن الوليد وأبا زبيد يشربان الخمر فثاروا وأخذوا معهم نفرا من أهل الكوفة فاقتحموا عليه فلم يروا فأقبلوا يتلاومون وسبهم الناس وكتم الوليد ذلك عن عثمان
وجاء جندب ورهط معه إلي ابن مسعود فقالوا له إن الوليد معتكف علي الخمر وأذاعوا ذلك فقال ابن مسعود من استتر عنا بشيء لم نتبع عورته ولم نهتك ستره فعاتبه الوليد علي قوله حتى تغاضبا ثم أتي الوليد بساحر فأرسل إلي ابن مسعود يسأله عن حده واعترف الساحر عند ابن مسعود وكان يخيل إلي الناس أنه يدخل في دبر الحمار ويخرج من فيه فأمره ابن مسعود بقتله فلما أراد الوليد قتله أقبل الناس ومعهم جندب فضرب الساحر فقتله فحبسه الوليد وكتب إلي عثمان فيه وأمره بإطلاقه وتأديبه فغضب لجندب أصحابه وخرجوا إلي عثمان يستعفون من الوليد فردهم خائبين
فلما رجعوا أتاهم كل موتور فاجتمعوا معهم علي رأيهم ودخل أبو زينب وأبو مورع وغيرهما علي الوليد فتحدثوا عنده فنام فأخذا خاتمه وسارا إلي المدينة واستيقظ الوليد فلم ير خاتمه فسأل نساءه عن ذلك فأخبرنه أن آخر من بقى عنده رجلان صفتهما كذا وكذا فاتهمهما وقال هما أبو زينب وأبو مورع وأرسل يطلبهما فلم يوجدا فقدما علي عثمان ومعهما غيرهما وأخبراه أنه شرب الخمر فأرسل إلي الوليد فقدم المدينة ودعا بهما عثمان فقال أتشهدان أنكما رأيتماه يشرب فقالا لا قال فكيف قالا اعتصرناها من لحيته وهو يقئ الخمر
فأمر سعيد بن العاص فجلده فأورث ذلك عداوة بين أهليهما فكان علي الوليد خميصة فأمر علي بن أبي طالب بنزعها لما جلد هكذا في هذه الرواية والصحيح أن الذي جلده عبد الله بن جعفر بن أبي طالب لأن عليا أمر ابنه الحسن أن يجلده فقال الحسن ول حارها من تولي قارها فأمر عبد الله بن جعفر فجلده أربعين فقال علي أمسك جلد رسول الله وأبو بكر أربعين وجلد عمر ثمانين وكل سنة وهذا أحب إلي وقيل إن الوليد سكر وصلي الصبح بأهل الكوفة أربعا ثم التفت إليهم وقال أزيدكم فقال له ابن مسعود ما زلنا معك في زيادة منذ اليوم وشهدوا عليه عند عثمان فأمر عليا بجلده فأمر علي عبد الله بن جعفر فجلده وقال الحطيئة
( شهد الحطيئة يوم يلقي ربه % أن الوليد أحق بالعذر )
( نادي وقد تمت صلاتهم % أأزيدكم سكرا وما يدري )
( فأبوا أبا وهب ولو أذنوا % لقرنت بين الشفع والوتر )
( كفوا عنانك إذ جريت ولو % تركوا عنانك لم تزل تجري )
فلما علم عثمان من الوليد شرب الخمر عزله وولي سعيد بن العاص بن أمية وكان سعيد قد ربي في جحر عثمان فلما فتح الشام قدمه فأقام مع معاوية فذكر عمر يوما قريشا فسأله عنه فأخبر أنه بالشام فاستقدمه فقدم عليه فقال له قد بلغني عنك بلاء وصلاح فازدد يزدك الله خيرا وقال له هل لك من زوجة قال لا وجاء عمر بنات سفيان بن عويف ومعهن أمهن فقالت أمهن هلك رجالنا وإذا هلك الرجال ضاع النساء فضعن في أكفائهن فزوج سعيد أحداهن وزوج عبد الرحمن بن عوف الأخري والوليد بن عقبة الثالثة وأتاه بنات مسعود بن نعيم النهشلي فقلن له قد هلك رجالنا وبقي الصبيان فضعنا في أكفائنا فزوج سعيدا إحداهن وجبير بن مطعم الأخري فشارك سعيد هؤلاء وهؤلاء وكان عمومته ذوي بلاء في الإسلام وسابقة فلم يمت عمر حتى كان سعيد من رجال قريش فلما استعمله عثمان سار حتى أتي الكوفة أميرا ورجع معه الأشتر وأبو خشة الغفاري وجندب بن عبد الله وجثامة بن صعب بن جثامة وكانوا ممن شخص مع الوليد يعينونه فصاروا عليه فقال بعض شعراء الكوفة
( فررت من الوليد إلي سعيد % كاهل الحجر إذ جزعوا فباروا )
( يلينا من قريش كل عام % أمير محدث أو مستشار )
( لنا نار نخوفها فنخشى % وليس لهم فلا يخشون نار )
فلما وصل سعيد الكوفة صعد المنبر فحمد الله وأثني عليه ثم قال والله لقد بعثت إليكم وأني لكاره ولكني لم أجد بدا إذا أمرت أن أتمر إلا أن الفتنة قد أطلعت خطمها وعينيها ووالله لأضربن وجهها حتى أقمعها وتعييني وإني لرائد نفسي اليوم ثم نزل وسأل عن أهل الكوفة فعرف حال أهلها فكتب إلي عثمان أن أهل الكوفة قد اضطرب أمرهم وغلب أهل الشرف منهم والبيوتات والسابقة والغالب علي تلك البلاد روادف قدمت وأعراب لحقت حتى لا ينظر إلي ذي شرف وبلاء من نابتتها ولا نازلتها
فكتب إليه عثمان أما بعد ففضل أهل السابقة والقدمة ومن فتح الله عليه تلك البلاد وليكن من نزلها من غيرهم تبعا لهم إلا أن يكونوا تثاقلوا عن الحق وتركوا القيام به وقام به هؤلاء واحفظ لكل منزلته وأعطهم جميعا بقسطهم من الحق فإن المعرفة بالناس بها يصاب العدل فأرسل سعيد إلي أهل الأيام والقادسية فقال أنتم وجوه الناس والوجه ينبئ عن الجسد فأبلغونا حاجة ذي الحاجة وخلة ذي الخلة
وأدخل معهم من يحتمل من اللواحق والروادف وجعل القراء في سمره فكأنما كانت الكوفة يبسا شملته نار فانقطع إلي ذلك الضرب ضربهم ففشت القالة في أهل الكوفة فكتب سعيد إلي عثمان بذلك فجمع الناس وأخبرهم بما كتب إليه فقالوا له أصبت فلا تسعفهم في ذلك ولا تطمعهم فيما ليسوا له بأهل فإنه إذا نهض في الأمور من ليس بأهل لها لم يحتملها وأفسدها فقال عثمان يا أهل المدينة استعدوا واستمسكوا فقد دبت إليكم الفتن وإني والله لأتخلصن لكم الذي لكم حتى أنقله إليكم إن رأيتم حتى يأتي من شهد مع أهل العراق سهمه فيقيم معه في بلاده فقالوا كيف تنقل إلينا سهمنا من الأرضين فقال يبيعها من شاء بما كان له بالحجاز واليمن وغيرهما من البلاد ففرحوا وفتح الله لهم أمرا لم يكن في حسابهم وفعلوا ذلك واشتراه رجال من كل قبيلة وجاز لهم عن تراض منهم ومن الناس وإقرار بالحقوق
ذكر غزو سعيد بن العاص طبرستان
ص 5
في هذه السنة غزا سعيد بن العاص طبرستان فإنها لم يغزها أحد إلي هذه السنة وقد تقدم في أيام عمر الخلاف في ذلك وأن أصبهبذها صالح سويد بن مقرن أيام عمر علي مال بذله وأما علي هذا القول فإن سعيدا غزاها من الكوفة سنة ثلاثين ومعه الحسن والحسين وابن عباس وابن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمرو بن العاص وحذيفة بن اليمان وابن الزبير وناس من أصحاب النبي وخرج ابن عامر من البصرة يريد خراسان فسبق سعيدا ونزل نيسابور ونزل سعيد قومس وهي صلح صالحهم حذيفة بعد نهاوند فأتي جرجان فصالحوه علي مائتي ألف ثم أتي طميسة وهي كلها من طبرستان متاخمة جرجان وهي مدينة علي ساحل البحر فقاتله أهلها فصلي صلاة الخوف أعلمه حذيفة كيفيتها وهم يقتتلون وضرب سعيد يومئذ رجلا بالسيف علي حبل عاتقه فخرج السيف من تحت مرفقه وحاصرهم فسألوا الأمان فأعطاهم علي أن لا يقتل منهم رجلا واحدا ففتحوا الحصن فقتلوا أجميعن إلا رجلا واحدا ففتحوا الحصن وحوي ما في الحصن فأصاب رجل من بني فهد سفطا عليه قفل فظن أن فيه جوهرا وبلغ سعيدا فبعث إلي النهدي فأتاه بالسفط فكسروا قفله فوجدوا فيه سفطا ففتحوه فوجدوا خرقة سوداء مدرجة فنشروها فوجدوا خرقة حمراء فنشروها فإذا خرقة صفراء وفيها إيران كميت وورد فقال شاعر يهجو بني نهد
( آب الكرام بالسبايا غنيمة % وآب بنو نهد بأيرين في سفط )
( كميت وورد وافرين كلاهما % فظنوهما غنما فناهيك من غلط )
وفتح سعيد نامية وليست بمدينة هي صحاري ومات مع سعيد محمد بن الحكم بن أبي عقيل جد يوسف بن عمر ثم رجع سعيد إلي الكوفة فمدحه كعب بن جعيل فقال
فنعم الفتي إذ حال جيلان دونه % وإذا هبطوا من دستبي وأبهرا
في أبيات
ولما صالح سعيد أهل جرجان كانوا يجبون أحيانا مائة ألف وأحيانا مائتي ألف وأحيانا ثلاثمائة ألف ويقولون هذا صلح صلحنا وربما منعوه ثم امتنعوا وكفروا فانقطع طريق خراسان من ناحية قومس إلا علي خوف شديد منهم كان الطريق إلي خراسان من فارس إلي كرمان إلي خراسان وأول من صير الطريق من قومس قتيبة بن مسلم حين ولي خراسان وقدمها يزيد بن المهلب فصالح صولا وفتح البحيرة ودهستان وصالح أهل جرجان علي صلح سعيد
ذكر غزو حذيفة الباب وأمر المصاحف
ص 7
وفيها صرف حذيفة عن غزو الري إلي غزو الباب مددا لعبد الرحمن بن ربيعة وخرج معه سعيد بن العاص فبلغ معه أذربيجان وكانوا يجعلون الناس ردا فأقام حتى عاد حذيفة ثم رجعا فلما عاد حذيفة قال لسعيد بن العاص لقد رأيت في سفرتي هذه أمرا لئن ترك الناس ليختلفن في القرآن ثم لا يقومون عليه أبدا قال وما ذاك قال رأيت أناسا من أهل حمص يزعمون أن قراءتهم خيرا من قراءة غيرهم وأنهم أخذوا القرآن عن المقداد ورأيت أهل دمشق يقولون إن قراءتهم خير من قراءة غيرهم ورأيت أهل الكوفة يقولون مثل ذلك وأنهم قرأوا علي ابن مسعود وأهل البصرة يقولون مثل ذلك وأنهم قرأوا علي أبي موسى ويسمون مصحفه لباب القلوب
فلما وصلوا إلي الكوفة أخبر حذيفة الناس بذلك وحذرهم ما يخاف فرافقه أصحاب رسول الله وكثير من التابعين وقال له أصحاب ابن مسعود ما تنكر ألسنا نقرأه علي قراءة ابن مسعود فغضب حذيفة ومن وافقه وقالوا إنما أنتم أعراب فاسكتوا فإنكم علي خطأ وقال حذيفة والله لئن عشت لآتين أمير المؤمنين ولأشيرن عليه أن يحول بين الناس وبين ذلك فأغلظ له ابن مسعود فغضب سعي وقام وتفرق الناس وغضب حذيفة وسار إلي عثمان فأخبره بالذي رأى وقال أنا النذير العريان فأدركوا الأمة
فجمع عثمان الصحابة وأخبرهم الخبر فأعظموه ورأوا جميعا ما رأي حذيفة فأرسل عثمان إلي حفصة بنت عمر أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها وكانت هذه الصحف هي التي كتبت في أيام أبي بكر فإن القتل لما كثر في الصحابة يوم اليمامة قال عمر لأبي بكر إن القتل قد كثر واستحر بقراء القرآن يوم اليمامة وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء فيذهب من القرآن كثير وإني أري أن تأمر بجمع القرآن
فأمر أبو بكر زيد بن ثابت فجمعه من الرقاع والعسب وصدور الرجال فكانت الصحف عند أبي بكر ثم عند عمر فلما توفي عمر أخذتها حفصة فكانت عندها فأرسل عثمان إليها أخذها منها وأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف وقال عثمان إذا اختلفتم فاكتبوها بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم
ففعلوا فلما نسخوا الصحف ردها عثمان إلي حفصة وأرسل إلي كل أفق بمصحف وحرق ما سوي ذلك وأمر أن يعتمدوا عليها ويدعوا ما سوي ذلك فكل الناس عرف فضل هذا الفعل إلا ما كان من أهل الكوفة فإن المصحف لما قدم عليهم فرح به أصحاب النبي وإن أصحاب عبد الله ومن وافقهم امتنعوا من ذلك وعابوا الناس فقام فيهم ابن مسعود وقال ولا كل ذلك فإنكم والله قد سبقتم سبقا بينا فأربعوا علي ظلعكم ولما قدم علي الكوفة قام إليه رجل فعاب عثمان يجمع الناس علي المصحف فصاح وقال أسكت فعن ملأ منا فعل ذلك فلو وليت منه ما ولي عثمان لسلكت سبيله
ذكر سقوط خاتم النبي في بئر أريس
ص 8
وفيها وقع خاتم النبي من يد عثمان في بئر أريس وهي علي ميلين من المدينة وكانت قليلة الماء فما أدرك قعرها بعد وكان رسول الله اتخذه لما أراد أن يكاتب الأعاجم يدعوهم إلي الله تعالي فقيل له إنهم لا يقبلون كتابا إلا مختوما فأمر رسول الله أن يعمل له خاتم من حديد فلما عمل جعله في إصبعه فأتاه جبريل فنهاه عنه فنبذه وأمر فعمل له خاتم من نحاس وجعله في إصبعه فقال له جبريل أنبذه فنبذه وأمر رسول الله بخاتم من فضة فصنع له فجعله في إصبعه فأمره جبريل أن يقره فأقره وكان نقشه ثلاثة أسطر محمد سطر ورسول سطر والله سطر فتختم به رسول الله حتى توفي ثم تختم به أبو بكر حتى توفي ثم عمر حتى توفي ثم تختم به عثمان ست سنين فحفروا بئرا بالمدينة شرابا للمسلمين فقعد علي رأس البئر فجعل يعبث بالخاتم ويديره بإصبعه فسقط من يده في البئر فطلبوه فيها ونزحوا ما فيها من الماء فلم يقدروا عليه فجعل فيه مالا عظيما لمن جاء به واغتم لذلك غما شديدا فلما يئس منه صنع خاتما آخر علي مثاله ونقشه فبقي في إصبعه حتى هلك فلما قتل ذهب الخاتم فلم يدر من أخذه
ذكر تسيير أبي ذر إلي الربذة
ص 9
وفي هذه السنة كان ما ذكر في أمر أبي ذر وإشخاص معاوية إياه من الشام إلي المدينة وقد ذكر في سبب ذلك أمور كثيرة من سب معاوية إياه وتهديده بالقتل وحمله إلي المدينة من الشام بغير وطاء ونفيه من المدينة علي الوجه الشنيع لا يصح النقل به ولو صح لكان ينبغي أن يعتذر عن عثمان فإن للإمام أن يؤدب رعيته وغير ذلك من الأعذار لا أن يجعل ذلك سببا للطعن عليه كرهت ذكرها
وأما العاذرون فإنهم قالوا لما ورد ابن السوداء إلي الشام لقي أبا ذر فقال يا أبا ذر ألا تعجب من معاوية يقول المال مال الله إلا إن كل شيء لله كأنه يريد أن يحتجنه دون الناس ويمحو اسم المسلمين فأتاه أبو ذر فقال ما يدعوك إلي أن تسمي مال المسلمين مال الله الساعة قال يرحمك الله يا أبا ذر ألسنا عباد الله والمال ماله والخلق خلقه والأمر أمره قال فلا تقله قال سأقول مال المسلمين وأتي ابن السوداء أبا الدرداء فقال له مثل ذلك فقال له من أنت أظنك والله يهوديا فأتي عبادة بن الصامت فتعلق به عبادة وأتي به معاوية فقال هذا والله الذي بعث عليك أبا ذر
وكان أبو ذر يذهب إلي أن المسلم لا ينبغي له أن يكون في ملكه أكثر من قوت يومه وليلته أو شيء ينفقه في سبيل الله أو يعده لكريم ويأخذ بظاهر القرآن والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم فكان يقوم بالشام ويقول يا معشر الأغنياء واسوا الفقراء بشر الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله بمكاو من نار تكوي بها جباههم وجنوبهم وظهورهم فما زال حتى ولع الفقراء بمثل ذلك وأوجبوه علي الأغنياء وشكا الأغنياء ما يلقون منهم فأرسل معاوية إليه بألف دينار في جنح الليل فأنفقها فلما صلي معاوية الصبح دعا رسوله الذي أرسله إليه فقال اذهب إلي أبي ذر فقل له انقذ جسدي من عذاب معاوية فإنه أرسلني إلي غيرك وإني أخطأت بك ففعل ذلك فقال له أبو ذر يا بني قل له والله ما أصبح عندنا من دنانيرك دينار ولكن أخرنا ثلاثة أيام حتى نجمعها
فلما رأى معاوية أن فعله يصدق قوله كتب إلي عثمان أن أبا ذر قد ضيق علي وقد كان كذا وكذا للذي يقوله الفقراء فكتب إليه عثمان أن الفتنة قد أخرجت خطمها وعينيها ولم يبق إلا أن تثب فلا تنكأ القرح وجهز أبا ذر إلي وابعث معه دليلا وزوده وارفق به وكفكف الناس ونفسك ما استطعت وبعث إليه بابني ذر فلما قدم المدينة ورأي المجالس في أصل جبل سلع قال بشر أهل المدينة بغارة شعواء وحرب مذكار
ودخل علي عثمان فقال له ما لأهل الشام يشكون ذرب لسانك فأخبره فقال يا أبا ذر علي أن أقضي ما علي وأن أدعو الرعية إلي الاجتهاد والاقتصاد وما علي أن أجبرهم علي الزهد فقال أبو ذر لا ترضوا من الأغنياء حتى يبذلوا المعروف ويحسنوا إلي الجيران والاخوان ويصلوا القرابات فقال كعب الأحبار وكان حاضرا من أدى الفريضة فقد قضي ما عليه فضربه أبو ذر فشجه وقال له يا بن اليهودية ما أنت وما ها هنا فاستوهب عثمان كعبا فوهبه فقال أبو ذر لعثمان تأذن لي في الخروج من المدينة فإن رسول الله أمرني بالخروج منها إذا بلغ البناء سلعا
فإذن له فنزل الربذة وبني بها مسجدا وأقطعه عثمان صرمة من الإبل وأعطاه مملوكين وأجري عليه كل يوم عطاء وكذلك علي رافع بن خديج وكان قد خرج أيضا عن المدينة لشيء سمعه وكان أبو ذر يتعاهد المدينة مخافة أن يعود أعرابيا وأخرج معاوية إليه أهله فخرجوا ومعهم جراب مثقل يد الرجل فقال انظروا إلي هذا الذي يزهد في الدنيا ما عنده فقالت امرأته والله ما هو دينار ولا درهم ولكنها فلوس كان إذا خرج عطاؤه ابتاع منه فلوسا لحوائجنا ولما نزل الربذة أقيمت الصلاة وعليها رجل يلي الصدقة فقال تقدم يا أبا ذر فقال لا تقدم أنت فإن رسول الله قال لي أسمع وأطع وإن كان عليك عبد مجدع فأنت عبد ولست بأجدع وكان من رقيق الصدقة اسمه مجاشع
ذكر عدة حوادث
ص 10
في هذه السنة زاد عثمان النداء الثالث يوم الجمعة علي الزوراء
وفيها مات حاطب بن أبي بلتعة اللخمي وهو من أهل بدر حاطب بالحاء المهملة وبلتعة بالباء الموحدة ثم التاء المثناة من فوق بوزن مقرعة وفيها مات عمرو بن أبي سرح الفهري وكان بدريا وفيها مات مسعود بن الربيع وقيل ابن ربيعة بن عمرو القاري من القارة أسلم قبل دخول النبي دار الأرقم وشهد بدرا وكان عمره قد جاوز الستين وفيها مات عبد الله بن كعب بن عمرو الأنصاري شهد بدرا وكان علي غنائم النبي فيها وفي غيرها وفيها مات عبد الله بن مظعون أخو عثمان وكان بدريا
وجبار بن صخر وهو بدري أيضا جبار بالجيم وآخره راء
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.