الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
23

ثم دخلت سنة سبع وعشرين

الجزء الثاني 4 عنصر صفحة 481
ذكر ولاية عبد الله بن سعد بن أبي سرح مصر وفتح إفريقية ص 481

في هذه السنة عزل عمرو بن العاص عن خراج مصر واستعمل عليه عبد الله بن سعد بن أبي سرح وكان أخا عثمان من الرضاعة فتباغيا فكتب عبد الله إلى عثمان يقول إن عمرا كسر علي الخراج وكتب عمرو يقول إن عبد الله قد كسر علي مكيدة الحرب فعزل عثمان عمرا واستقدمه واستعمل بدله عبد الله على حرب مصر وخراجها فقدم عمرو مغضبا فدخل على عثمان وعليه جبة محشوة قطنا فقال له ما حشو جبتك قال عمرو قال قد علمت ولم أرد هذا إنما سألت أقطن هو أم غيره

وكان عبد الله من جند مصر وكان قد أمره عثمان بغزو إفريقية سنة خمس وعشرين وقال له عثمان إن فتح الله عليك فلك من الفيء خمس الخمس نفلا وأمر عبد الله بن نافع بن عبد القيس وعبد الله بن نافع بن الحارث على جند وسرحهما إلى الأندلس وأمرهما بالاجتماع مع عبد الله بن سعد على صاحب إفريقية وثم يقيم عبد الله في عمله ويسيران إلى عملهما فخرجوا حتى قطعوا أرض مصر ووطئوا أرض إفريقية وكانوا في جيش كثير عدتهم عشرة آلاف من شجعان المسلمين فصالحهم أهلها على مال يؤدونه ولم يقدموا على دخول إفريقية والتوغل فيها لكثرة أهلها

ثم إن عبد الله بن سعد لما ولي أرسل إلى عثمان في غزو إفريقية والاستكثار من الجموع عليها وفتحها فاستشار عثمان من عنده من الصحابة فأشار أكثرهم بذلك فجهز إليه العساكر من المدينة وفيهم جماعة من أعيان الصحابة منهم عبد الله بن عباس وغيره

فسار بهم عبد الله بن سعد إلى إفريقية فلما وصلوا إلى برقة لقيه عقبة بن نافع فيمن معه من المسلمين وكانوا بها وساروا إلى طرابلس الغرب فنهبوا من عندها من الروم وسار نحو إفريقية وبث السرايا في كل ناحية وكان ملكهم اسمه جرجير وملكه من طرابلس إلى طنجة وكان هرقل ملك الروم قد ولاه إفريقية فهو يحمل إليه الخراج كل سنة فلما بلغه خبر المسلمين تجهز وجمع العساكر وأهل البلاد فبلغ عسكره مائة ألف وعشرين ألف فارس والتقى هو والمسلمون بمكان بينه وبين مدينة سبيطلة يوم وليلة وهذه المدينة كانت ذلك الوقت دار الملك فأقاموا هناك يقتتلون كل يوم وراسله عبد الله بن سعد يدعو إلى الإسلام أو الجزية فامتنع منهما وتكبر عن قبول أحدهما وانقطع خبر المسلمين عن عثمان فسير عبد الله بن الزبير في جماعة إليهم ليأتيه بأخبارهم فسار مجدا ووصل إليهم وأقام معهم ولما وصل كثر الصياح والتكبير في المسلمين فسأل جرجير عن الخبر فقيل قد أتاهم عسكر ففت ذلك في عضده

ورأى عبد الله بن الزبير قتال المسلمين كل يوم من بكرة إلى الظهر فإذا أذن بالظهر عاد كل فريق إلى خيامه وشهد القتال من الغد فلم ير ابن أبي سرح معهم فسأل عنه فقيل إنه سمع منادي جرجير يقول من قتل عبد الله بن سعد فله مائة ألف دينار وأزوجه ابنتي وهو يخاف فحضر عنده وقال له تأمر مناديا ينادي من أتاني برأس جرجير نفلته مائة ألف وزوجته ابنته واستعملته على بلاده ففعل ذلك فصار جرجير يخاف أشد من عبد الله

ثم إن عبد الله بن الزبير قال لعبد الله بن سعد إن أمرنا يطول مع هؤلاء وهم في أمداد متصلة وبلاد هي لهم ونحن منقطعون عن المسلمين وبلادهم وقد رأيت أن نترك غدا جماعة صالحة من أبطال المسلمين في خيامهم متأهبين ونقاتل نحن والروم في باقي العسكر إلى أن يضجروا ويملوا فإذا رجعوا إلى خيامهم ورجع المسلمون ركب من كان في الخيام من المسلمين ولم يشهدوا القتال وهم مستريحون ونقصدهم على غرة فلعل الله ينصرنا عليهم

فأحضر جماعة من أعيان الصحابة واستشارهم فوافقوه على ذلك فلما كان الغد فعل عبد الله ما اتفقوا عليه وأقام جميع شجعان المسلمين في خيامهم وخيولهم عندهم مسرجة ومضى الباقون فقاتلوا الروم إلى الظهر قتالا شديدا فلما أذن بالظهر هم الروم بالإنصراف على العادة فلم يمكنهم ابن الزبير وألح عليهم بالقتال حتى أتعبهم ثم عاد عنهم هو والمسلمون فكل من الطائفتين ألقى سلاحه ووقع تعبا فعند ذلك أخذ عبد الله بن الزبير من كان مستريحا من شجعان المسلمين وقصد الروم فلم يشعروا بهم حتى خالطوهم وحملوا حملة رجل واحد وكبروا فلم يتمكن الروم من لبس سلاحهم حتى غشيهم المسلمون وقتل جرير قتله ابن الزبير وانهزم الروم وقتل منهم مقتلة عظيمة وأخذت ابنة الملك جرجير سبية ونازل عبد الله بن سعد المدينة فحصرها حتى فتحها ورأى فيها من الأموال ما لم يكن في غيرها فكان سهم الفارس ثلاثة آلاف دينار وسهم الراجل ألف دينار

ولما فتح عبد الله مدينة سبيطلة بث جيوشه في البلاد فبلغت قفصة فسبوا وغنموا وسير عسكرا إلى حصن الأجم وقد احتمى به أهل تلك البلاد فحصره وفتحه بالأمان فصالحه أهل إفريقية على ألفي ألف وخمسمائة ألف دينار ونفل عبد الله بن الزبير ابنة الملك وأرسله إلى عثمان بالبشارة بفتح إفريقية وقيل إن ابنة الملك وقعت لرجل من الأنصار فأركبها بعيرا وارتجز بها يقول

( يا ابنة جرجير تمشي عقبتك % إن عليك بالحجاز ربتك )

( لتحملن من قباء قربتك % )

ثم ن عبد الله بن سعد عاد من إفريقية إلى مصر وكان مقامه بإفريقية سنة وثلاثة أشهر ولم يفقد من المسلمين إلا ثلاثة نفر قتل منهم أبو ذؤيب الهذلي الشاعر فدفن هناك وحمل خمس إفريقية إلى المدينة فاشتراه مروان بن الحكم بخمسمائة ألف دينار فوضعها عنه عثمان وكان هذا مما أخذ عليه

وهذا أحسن ما قيل في خمس إفريقية فإن بعض الناس يقول أعطى عثمان خمس إفريقية عبد الله بن سعد وبعضهم يقول أعطاه مروان بن الحكم وظهر بهذا أنه أعطى عبد الله خمس الغزوة الأولى وأعطى مروان خمس الغزوة الثانية التي افتتحت فيها جميع إفريقية والله أعلم

ذكر انتقاض إفريقية وفتحها ثانية ص 484

كان هرقل ملك القسطنطينية يؤدي إليه كل ملك من ملوك النصارى الخراج من إفريقية ومصر والأندلس وغير ذلك فلما صالح أهل إفريقية عبد الله بن سعد أرسل هرقل إلى أهلها بطريقا له وأمره أن يأخذ منهم مثل ما أخذ المسلمون فنزل البطريق في قرطاجنة وجمع أهل إفريقية وأخبرهم بما أمره الملك فأبوا عليه وقالوا نحن نؤدي ما كان يؤخذ منا وقد كان ينبغي له أن يسامحنا لما ناله المسلمون منا وكان قد قام بأمر إفريقية بعد قتل جرجير رجل آخر من الروم فطرده البطريق بعد فتن كثيرة فسار إلى الشام وبه معاوية وقد استقر له الأمر بعد قتل علي فوصف له إفريقية وطلب أن يرسل معه جيشا فسير معه معاوية بن أبي سفيان معاوية بن حديج السكوني فلما وصلوا إلى الاسكندرية هلك الرومي ومضى ابن حديج فوصل إلى إفريقية وهي نار تضطرم وكان معه عسكر عظيم فنزل عند قمونية وأرسل البطريق إليه ثلاثين ألف مقاتل فلما سمع بهم معاوية سير إليهم جيشا من المسلمين فقاتلوهم فانهزمت الروم وحصر حصن جلولاء فلم يقدر عليه فانهدم سور الحصن فملكه المسلمون وغنموا ما فيه وبث السرايا فسكن الناس وأطاعوا وعاد إلى مصر

حديج بضم الحاء وفتح الدال المهملتين وآخره جيم

ثم لم يزل أهل إفريقية من أطوع أهل البلدان وأسمعهم إلى زمان هشام بن عبد الملك حتى دب إليهم دعاة أهل العراق فاستشاروهم وشقوا العصا وفرقوا بينهم إلى اليوم وكانوا يقولون لا نخالف الأئمة بما تجني العمال ولا نحمل ذلك عليهم فقالوا لهم إنما يعمل هؤلاء بأمر أولئك فقالوا حتى نخبرهم فخرج ميسرة في بضعة وعشرين رجلا فقدموا على هشام فلم يؤذن لهم فدخلوا على الأبرش فقالوا أبلغ أمير المؤمنين أن أميرنا يغزو بنا وبجنده فإذا غنمنا نفلهم دوننا ويقول هذا أخلص لجهادكم وإذا حاصرنا مدينة قدمنا وأخرهم ويقول هذا ازدياد في الأجر ومثلنا كفى إخوانه ثم إنهم عمدوا إلى ماشيتنا فجعلوا يبقرون بطونها عن سخالها يطلبون الفراء البيض لأمير المؤمنين فيقتلون ألف شاة في جلد فاحتملنا ذلك ثم إنهم سامونا أن يأخذوا كل جميلة من بناتنا فقلنا لم نجد هذا في كتاب ولا سنة ونحن مسلمون فأحببنا أن نعلم أعن رأي أمير المؤمنين هذا أم لا فطال عليهم المقام ونفدت نفقاتهم فكتبوا أسماءهم ودفعوها إلى وزرائه وقالوا إن سأل عنا أمير المؤمنين فأخبروه ثم رجعوا إلى إفريقية فخرجوا على عامل هشام فقتلوه واستولوا على إفريقية وبلغ الخبر هشاما فسأل عن النفر فرفعت إليه فعرف أسماءهم فإذا هم الذين صنعوا ذلك

ذكر غزوة الأندلس ص 485

لما افتتحت إفريقية أمر عثمان عبد الله بن نافع بن الحصين وعبد الله بن نافع بن عبد القيس أن يسيرا إلى الأندلس فأتياها من قبل البحر وكتب عثمان إلى من انتدب معهما إما بعد فإن القسطنطينية إنما تفتح من قبل الأندلس وإنكم إن افتتحتموها كنتم شركاء من يفتحها في الأجر والسلام فخرجوا ومعهم البربر فأتوها من برها وبحرها ففتح الله على المسلمين وزاد في سلطان المسلمين مثل إفريقية ولما عزل عثمان عبد الله بن سعد عن إفريقية ترك في عمله عبد الله بن نافع بن عبد القيس فكان عليها ورجع عبد الله إلى مصر وبعث عبد الله إلى عثمان مالا قد حشد فيه فدخل عمرو على عثمان فقال له يا عمرو هل تعلم أن تلك اللقاح درت بعدك قال عمرو إن فصالها قد هلكت

ذكر عدة حوادث ص 485

حج بالناس هذه السنة عثمان وفيها كان فتح إصطخر الثاني على يد عثمان بن أبي العاص وفيها غزا معاوية بن أبي سفيان قنسرين وفيها مات أبو ذؤيب الهذلي الشاعر بمصر منصرفا من إفريقية وقيل بل مات بطريق مكة في البادية وقيل مات ببلاد الروم وكلهم قالوا مات في خلافة عثمان وفيها مات أبو رمثة البلوي بإفريقية له صحبة وفيها ماتت حفصة بنت عمر بن الخطاب زوج النبي وقيل ماتت سنة إحدى وأربعين وقيل سنة خمس وأربعين

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.