وصل إلى بغداد أمير كبير من أمراء مصر اسمه أبو الهيجاء ويعرف بالسمين لأنه كان كثير السمن وكان من أكابر أمراء مصر وكان في أقطاعه أخيرا البيت المقدس وغيره مما يجاوره فلما ملك العزيز والعادل مرتبة دمشق من الأفضل أخذ القدس منه ففارق الشام وعبر الفرات إلى الموصل ثم انحدر إلى بغداد لأنه طلب من ديوان الخلافة فلما وصل إليها أكرم إكراما كثيرا ثم أمر بالتجهيز والمسير إلى همذان مقاما على عساكر البغدادية فسار إليها والتقى عندها بالملك أوزبك بن البهلوان وأمير علم وابنه وابن سطمش وغيرهم وهم قد كاتبوا الخليفة بالطاعة فلما اجتمع بهم وثقوا إليه ولم يحذروه فقبض على أوزبك وابن سطمش وابن قرا بموافقة من أمير علم فلما وصل الخبر بذلك إلى بغداد أنكرت هذه الحال على إبي الهيجاء وأمر بالإفراج عن الجماعة وسيرت لهم الخلع من بغداد تطييبا لقلوبهم فلم يسكنوا بعد هذه الحادثة ولا آمنوا ففارقوا أبا الهيجاء السمين فخاف الديوان فلم يرجع إليه ولم يمكنه أيضا المقام فعاد يريد إربل لأنه من بلدها هو فتوفي قبل وصوله إليها وهو من الأكراد الحكمية من بلد إربل
ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة
في هذه السنة في شوال ملك العادل أبو بكر بن أيوب مدينة يافا من الساحل الشامي وهو بيد الفرنج لعنهم الله وسبب ذلك أن الفرنج كان قد ملكهم الكندهري على ما ذكرناه قبل وكان الصلح قد استقر بين المسلمين والفرنج أيام صلاح الدين يوسف بن أيوب رحمه الله تعالى فلما توفي وملك أولاده بعده كما ذكرناه جدد الملك العزيز الهدنة مع الكندهري وزاد في مدة الهدنة وبقي ذلك إلى الآن وكان بمدينة بيروت أمير يعرف بأسامة وهو مقطعها فكان يرسل الشواني تقطع الطريق على الفرنج فاشتكى الفرنج من ذلك غير مرة إلى الملك العادل بدمشق وإلى الملك العزيز بمصر فلم يمنعا اسامة من ذلك فأرسلوا إلى ملوكهم الذين داخل البحر يشتكون إليهم ما يفعل بهم المسلمون ويقولون إن لم تنجدونا وإلا أخذ المسلمون البلاد فأمدهم الفرنج بالعساكر الكثيرة وكان أكثرهم من ملك الألمان وكان المقدم عليهم قس يعرف بالخنصلير فلما سمع العادل بذلك أرسل إلى العزيز بمصر يطلب العساكر وأرسل إلى ديار الجزيرة والموصل يطلب العساكر فجاءته الأمراء واجتمعوا على عين جالوت فأقاموا شهر رمضان وبعض شوال ورحلوا إلى يافا وملكوا المدينة وامتنع من بها بالقلعة التي لها فخرب المسلمون المدينة وحصروا القلعة فملكوها عنوة وقهرا بالسيف في يومها وهو يوم الجمعة وأخذ كل ما بها غنيمة وأسرا وسببا
ووصل الفرنج من عكا إلى قيسارية ليمنعوا المسلمين عن يافا فوصلهم الخبر بها بملكها فعادوا وكان سبب تأخرهم أن ملكهم الكندهري سقط من موضع عال بعكا فمات قاختلفت احوالهم فتأخروا لذلك وعاد المسلمون إلى عين جالوت فوصلهم الخبر بأن الفرنج على عزم قصد بيروت فرحل العادل من العسكر في ذي القعدة إلى مرج العيون وعزم على تخريب بيروت فسار إليها جمع من العسكر وهدموا سور المدينة سابع ذي الحجة وشرعوا في تخريب دورها وتخريب القلعة فمنعهم أسامة من ذلك وتكفل بحفظها ورحل الفرنج من عكا إلى صيدا وعاد عسكر المسلمين من بيروت فالتقوا هم والفرنج بنواحي صيدا وجرى بينهم مناوشة فقتل من الفريقين جماعة وحجز بينهم الليل وسار الفرنج تاسع ذي الحجة فوصلوا إلى بيروت فلما قاربوها هرب منها أسامة وجميع من معه من المسلمين فملكوها صفوا عفوا بغير حرب ولا قتال فكانت غنيمة باردة
فأرسل العادل إلى صيدا من خرب ما كان بقي منها فإن صلاح الدين كان قد خرب أكثرها وسافرت العساكر الإسلامية إلى صور فقطعوا أشجارها وخربوا ما لها من قرى وأبراج فلما سمع الفرنج بذلك رحلوا من بيروت إلى صور وأقاموا عليها ونزل المسلمون عند قلعة هونين وأذن للعساكر الشرقية بالعود ظنا منه أن الفرنج يقيمون ببلادهم وأراد أن يعطي العساكر المصرية دستورا بالعود فأتاه الخبر منتصف المحرم أن الفرنج يريدون أن يحصروا حصن تبنين فسير العادل إليه عسكرا يحمونه ويمنعون عنه
ورحل الفرنج من صور ونازلوا تبنين أول صفر سنة أربع وتسعين وقاتلوا من به وجدوا في القتال ونقبوه من جهاتهم فلما علم العادل بذلك أرسل إلى العزيز بمصر يطلب منه أن يحضر هو بفسه ويقول له إن حضرت وإلا فلا يمكن حفظ هذا الثغر فسار العزيز مجدا فيمن بقي معه من العساكر وأما من تحصن بتبنين فإنهم لما رأوا الثقوب قد خربت القلعة ولم يبق إلا أن يملكوها بالسيف نزل بعض من فيها إلى الفرنج يطلب الأمان على أنفسهم وأموالهم ليسلموا القلعة وكان المرجع إلى القسيس الخنصلير من أصحاب ملك الألمان فقال لهؤلاء المسلمين بعض الفرنج الذين من ساحل الشام إن سلمتم الحصن استأسركم هذا وقتلكم فاحفظوا نفوسكم فعادوا كأنهم يراجعون من في القلعة ليسلموا فلما صعدوا إليها أصروا على الامتناع وقاتلوا قتال من يحمي نفسه فحموها إلى أن وصل الملك العزيز إلى عسقلان في ربيع الأول فلما سمع الفرنج بوصوله واجتماع المسلمين وأن الفرنج ليس لهم ملك يجمعهم وأن أمرهم إلى امرأة وهي الملكة فاتفقوا وأرسلوا إلى ملك قبرس واسمه هيمري فأحضروه وهو أخو الملك الذي أسر بحطين كما ذكرناه فزوجوه بالملكة زوجة الكندهري وكان رجلا عاقلا يحب السلامة والعافية فلما ملكهم لم يعد إلى الزحف على الحصن ولا قاتل واتفق وصول العزيز أول شهر ربيع الآخر ورحل هو والعساكر إلى جبل الخيل الذي يعرف بجبل عاملة فأقاموا أياما والأمطار متداولة فبقي إلى ثالث عشر الشهر ثم سار وقارب الفرنج وأرسل رماة النشاب فرموهم ساعة وعادوا ورتب العساكر ليزحف إلى الفرنج ويجد في قتالهم فرحلوا إلى صور خامش عشر الشهر المذكور ليلا ثم رحلوا إلى عكا فسار المسلمون فنزلوا اللجون وتراسلوا في الصلح وتطاول الأمر فعاد العزيز إلى مصر قبل انفصال الحال وسبب رحيله أن جماعة من الأمراء وهم ميمون القصري وأسامة وسراسنقر والجحاف وابن المشطوب وغيرهم قد عزموا على الفتك به وبفخر الدين جركس مدبر دولته والله سبحانه وتعالى أعلم بذلك فلما سمع بذلك سار إلى مصر وبقي العادل وترددت الرسل بينه وبين الفرنج في الصلح في شعبان سنة أربع وتسعين فلما انتظم الصلح عاد العادل إلى دمشق وسار منها إلى ماردين من أرض الجزيرة فكان ما نذكره إن شاء الله تعالى
في شوال من هذه السنة توفي سيف الإسلام طغتكين بن أيوب أخو صلاح الدين وهو صاحب اليمن بزبيد وقد ذكرنا كيق ملك وكان شديد السيرة مضيقا على رعيته يشتري أموال التجار لنفسه ويبيعها كيف شاء وأراد ملك مكة حرسها الله تعالى فأرسل الخليفة الناصر لدين الله إلى أخيه صلاح الدين في المعنى فمنعه من ذلك وجمع من الأموال مالا يحصى حتى أنه من كثرته كان يسبك الذهب ويجعله كالطاحون ويدخره ولما توفي ملك بعده ابنه اسماعيل وكان أهوج كثير التخليط بحيث أنه ادعى أنه قرشيمن بني أمية وخطب لنفسه بالخلافة وتلقب بالهادي فلما سمع عمه الملك العادل ذلك ساءه وأهمه وكتب إليه يلومه ويوبخه ويأمره بالعود إلى نسبه الصحيح وبترك ما ارتكبه مما يضحك الناس منه فلم يلتفت إليه ولم يرجع وانضاف إلى ذلك أنه أساء السيرة مع أجناده وأمرائه فوثبوا عليه فقتلوه وملكوا بعده أميرا من مماليك أبيه
في هذه السنة في ربيع الآخر توفي أبو بكر عبد الله بن منصور بن عمران والباقلاني المقري الواسطي بها عن ثلاث وسبعين سنة وثلاثة أشهر وأيام وهو آخر من بقي من أصحاب القلانسي وفي جمادى الآخرة توفي قاضي القضاة أبو طالب علي بن البخاري ببغداد ودفن بتربته في مشهد باب التين
وفيها في ربيع الآخر توفي ملكشاه من خوارزم شاه تكش بنيسابور وكان أبوه قد جعله فيها واضاف إليه عساكر جميع بلاده التي بخراسان وجعله ولي عهده في الملك وخلف ولد اسمه هند وخان فلما مات جعل فيها أبوه خوارزم شاه بعده ولده الآخر قطب الدين محمدا وهو الذي ملك بعد أبيه وكان بين الأخوين عداوة مستحكمة أفضت إلى ان محمدا لما ملك بعد أبيه هرب هندوخان بن ملكشاه منه على ما نذكره
وفيها توفي شيخنا أبو القاسم يعيش بن صدقة بن علي الفراتي الضرير الفقيه الشافعي كان إماما في الفقه مدرسا صالحا كثير الصلاح سمعت عليه كثيرا لم أر مثله رحمه الله تعالى ولقد شاهدت منه عجبا يدل على دينه وإرادته بعمله وجه الله تعالى وذلك أني كنت اسمع عليه ببغداد سنن أبي عبد الرحمن النسائي وهو كتاب كبير والوقت ضيق لأني كنت مع الحجاج قد دعدنا من مكة حرسها اللله فبينما نحن نسمع عليه مع أخي الأكبر مجد الدين أبي السعادات إذ قد أتاه إنسان من أعيان بغداد وقال له قد برز الأمر لنحضر كذا فقال أنا مشغول بسماع هؤلاء السادة ووقتهم يفوت والذي يراد مني لا يفوت فقال أنا لا أحسن أذكر هذا في مقابل أمر الخليفة فقال لا عليك قل قال أبو القاسم لا احضر حتى يفرغ السماع فسألناه ليمشي معه فلم يفعل ذلك وقال اقرؤا فقرأنا فلما كان الغد حضر غلام لنا وذكر ان امير الحاج الموصلي قد رحل فعظم الأمر علينا فقال ولم يعظم عليكم العود إلى أهلكم وبلدكم فقلنا لأجحل فراغ هذا الكتاب فقال إذا رحلتم أستعير دابة وأركبها فأسير معكم وأنتم تقرؤون فإذا فرغتم عدت فمضي الغلام ليتزود ونحن نقرأ فعاد وذكر أن الحجاج لم يرحلوا ففرغنا من الكتاب فانظر إلى هذا الدين المتين يرد أمر الخليفة وهو يخافه ويرجوه ويريد يسير معنا ونحن غرباء لا يخافنا ولا يرجونا
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
