ص 25
ومن الأحاديث في سلطانه خلق أبينا آدم عليه السلام وذلك لما أراد الله تعالى أن يطلع ملائكته على ما علم من انطواء إبليس على الكبر ولم يعلمه الملائكة حتى دنا أمره من البوار وملكه من الزوال فقال للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء
روي عن ابن عباس أن الملائكة قالت ذلك للذي كانوا عهدوه من أمره وأمر الجن الذين كانوا سكان الأرض قبل ذلك فقالوا لربهم تعالى أتجعل فيها من يكون مثل الجن الذين كانوا يسفكون الدماء فيها ويفسدون ويعصونك ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك فقال الله لهم إني أعلم ما لا تعلمون يعني من انطواء إبليس على الكبر والعزم على خلاف أمري واغتراره وأنا مبد ذلك لكم منه لتروه عيانا
فلما أراد الله أن يخلق آدم أمر جبريل أن يأتيه بطين من الأرض فقالت الأرض أعوذ بالله منك أن تنقص مني وتشينني فرجع ولم يأخذ منها شيئا وقال يا رب إنها عاذت بك فأعذتها فبعث ميكائيل فستعاذت منه فأعاذها فرجع وقال مثل جبريل فبعث غليها ملك الموت فاستعاذت منه فقال أنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمر ربي فأخذ من وجه الأرض فخلطه ولم يأخذ من مكان واحد واخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء وطينا لازبا فلذلك خرج بنو آدم مختلفين
وروى أبو موسى عن النبي انه قال إن الله تعالى خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض منهم الأحمر والأسود والأبيض وبين ذلك والسهل والحزن والخبيث والطيب ثم بلت طينته حتى صارت طينا لازبا ثم تركت حتى صارت حمأ مسنونا ثم تركت حتى صارت صلصالا كما قال ربنا تبارك وتعالى ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون
واللازب الطين الملتزب بعضه ببعض أي ثم ترك حتى تغير وأنتن وصار حمأ مسنونا يعني منتنا ثم صار صلصالا وهو الذي له صوت
وإنما سمي آدم لأنه خلق من اديم الأرض قال ابن عباس أمر الله بتربة آدم فرفعت فخلق أدم من طين لازب من حمأ مسنون وإنما كان حمأ مسنونا بعد الالتزاب فخلق منه آدم بيده لئلا يتكبر إبليس عن السجود له قال فمكث أربعين ليلة وقيل أربعين سنة جسدا ملقى فكان إبليس يأتيه فيضربه برجله فيصلصل أي يصوت قال فهو قول الله تعالى من صلصال كالفخار يقول هو كالمنفوخ الذي ليس بمصمت
ثم يدخل من فيه فيخرج من دبره ويدخل من دبره فيخرج من فيه ثم يقول لست شيئا ولشيء ما خلقت ولئن سلطت عليك لأهلكنك ولئن سلطت علي لأعصينك فكانت الملائكة تمر به فتخافه وكان إبليس أشدهم منه خوفا
فلما بلغ الحين الذي أراد الله أن ينفخ فيه الروح قال للملائكة فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فلما نفخ الروح فيه دخلت من قبل رأسه وكان لا يجري شيء من الروح في جسده إلا صار لحما فلما دخلت الروح رأسه عطس فقالت له الملائكة قل الحمد لله وقيل بل ألهمه الله التحميد فقال الحمد لله رب العالمين فقال له رحمك ربك يا آدم
فلما دخلت الروح عينيه نظر إلى ثمار الجنة فلما بلغت جوفه اشتهى الطعام فوثب قبل أن تبلغ الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة فلذلك يقول الله تعالى خلق الإنسان من عجل فسجد له الملائكة كلهم إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين
فقال الله له يا إبليس ما منعك أن تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه لم أكن لأسجد لبشر خلقته من طين فلن يسجد كبرا وبغيا وحسدا فقال الله له يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي إلى قوله لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين
فلما فرغ من إبليس ومعاتبته وأبى إلا المعصية أوقع عليه اللعنة وأيأسه من رحمته وجعله شيطانا رجيما وأخرجه من الجنة
قال الشعبي أنزل إبليس مشتمل الصماء عليه عمامة أعور في إحدى رجليه نعل
وقال حميد بن هلال نزل إبليس مختصرا فلذلك كره الاختصار في الصلاة
ولما أنزل قال يا رب أخرجتني من الجنة من اجل آدم وإنني لا أقوى عليه إلا بسلطانك قال فأنت مسلط قال زدني قال لا يولد له ولد إلا ولد لك مثله
قال زدني قال صدورهم مساكن لك وتجري لك وتجري منهم مجرى الدم قال زدني قال أجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم
قال آدم يا رب قد انظرته وسلطته علي وإنني لا أمتنع منه إلا بك قال لا يولد لكم ولد إلا وكلت به من يحفظه من قرناء السوء قال يا رب زدني قال الحسنة بعشر أمثالها وأزيدها والسيئة بواحدة أو أمحوها قال يا رب زدني قال يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا قال يا رب زدني قال التوبة لا نمنعها من ولدك ما كانت فيهم الروح قال يا رب زدني قال أغفر ولا أبالي قال حسبي
ثم قال الله لآدم ائت أولئك النفر من الملائكة فقل السلام عليكم فأتاهم فسلم عليهم فقالوا له وعليك السلام ورحمة الله ثم رجع إلى ربه فقال هذه تحيتك وتحية ذريتك بينهم فلما امتنع إبليس من السجود وظهر للملائكة ما كان مستترا عنهم علم الله آدم الأسماء كلها
الأسماء التي علمها الله تعالى لآدم
ص 28
واختلف العلماء في الأسماء فقال الضحاك عن ابن عباس علمه الأسماء كلها التي تتعارف بها الناس إنسان ودابة وأرض وسهل وجبل وفرس وجمار وأشباه ذلك حتى الفسوة والفسية وقال مجاهد وسعيد بن جبير مثله وقال ابن زيد علم أسماء ذريته وقال الربيع علم أسماء الملائكة خاصة
فلما علمها عرض الله أهل الأسماء على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين إني إن جعلت الخليفة منكم أطعتموني وقدستموني ولم تعصوني وإن جعلته من غيركم أفسد فيها وسفك الدماء فإنكم إن لم تعلموا أسماء هؤلاء وأنتم تشاهدونهم فبأن لا تعلموا ما يكون منكم ومن غيركم وهو مغيب عنكم أولى وأحرى وهذا قول ابن مسعود ورواية أبي صالح عن ابن عباس
وروي عن الحسن وقتادة أنهما قالا لما أعلم الله الملائكة بخلق آدم واستخلافه وقالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء وقال إني أعلم ما لا تعلمون قالوا فيما بينهم ليخلق ربنا ما يشاء فلن يخلق خلقا إلا كنا أكرم على الله منه وأعلم منه
فلما خلقه وأمرهم بالسجود له علموا أنه خير منهم وأكرم على الله منهم فقالوا إن يك خيرا وأمرهم بالسجود له علموا أنه خير منهم وأكرم على الله منهم فقالوا إن يك خيرا منا وأكرم على الله منا فنحن أعلم منه فلما أعجبوا بعلمهم أبتلوا بأن علمه الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين إني لا أخلق أكرم منكم ولا أعلم منكم ففزعوا إلى التوبة وإليها يفزع كل مؤمن فقالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم قالا وعلمه اسم كل شيء من هذه الخيل والبغال والإبل والجن والوحش وكل شيء
ذكر إسكان آدم الجنة وإخراجه منها
ص 29
فلما ظهر للملائكة من معصية إبليس وطغيانه ما كان مستترا عنهم وعاتبه الله على معصيته بتركه السجود لآدم فأصر على معصيته وأقام على غيه لعنه الله وأخرجه من الجنة وطرده منها وسلبه ما كان إليه من ملك سماء الدنيا والأرض وخزن الجنة فقال الله تعالى له اخرج منها يعني من الجنة فإنك رجيم وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين واسكن آدم الجنة
قال ابن عباس وابن مسعود فلما أسكن آدم الجنة كان يمشي فيها فردا ليس له زوج يسكن إليها فنام نومة واستيقظ فإذا عند رأسه أمرأة قاعدة خلقها الله من ضلعه فسألها فقال من أنت قالت امرأة قال ولم خلقت قالت لتسكن إلي قالت له الملائكة لينظروا مبلغ علمه ما اسمها قال حواء قالوا ولم سميت حواء قال لأنها خلقت من حي وقال الله له يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما وقال ابن إسحاق فيما بلغه عن أهل الكتاب وغيرهم منهم عبد الله بن عباس قال ألقى الله تعالى عن آدم النوم وأخذ ضلعا من أضلاعه من شقه الأيسر ولأم مكانه لحما وخلق منه حواء وآدم نائم فلما استيقظ رآها إلى جنبه فقال لحمي ودمي وروحي فسكن إليها فلما زوجه الله تعالى وجعل له سكنا من نفسه قال له يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين
وعن مجاهد وقتادة مثله فلما أسكن الله آدم وزوجته الجنة أطلق لهما أن يأكلا كل ما أراد من كل ثمارها غير ثمرة شجرة واحدة ابتلاء منه لهما وليمضي قضاؤه فيهما وفي ذريتهما فوسوس لهما الشيطان وكان سبب وصوله إليهما أنه أراد دخول الجنة فمنعه الخزنة فأتى كل دابة من دواب الأرض وعرض نفسه عليها أنها تحمله حتى يدخل الجنة ليكلم أدم وزوجته فكل الدواب أبى عليه حتى أتى الحية وقال لها أمنعك من ابن آدم فأنت في ذمتي إن أنت ادخلتني فجعلته بين نابين من أنيابها ثم دخلت به وكانت كاسية على أربعة قوائم من أحسن دابة خلقها الله كأنها بختية فأعراها الله وجعلها تمشي على بطنها
قال ابن عباس اقتلوها حيث وجدتموها واخفروا ذمة عدو الله فيها
فلما دخلت الحية الجنة خرج إبليس من فيها فناح عليهما نياحه أحزنتهما حين سمعاها فقالا له ما يبكيك
قال أبكي عليكما تموتان فتفارقان ما أنتما فيه من النعمة والكرامة
فوقع ذلك في أنفسهما ثم أتاهما فوسوس لهما وقال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى
وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين أي تكونا ملكين أو تخلدا إن لم تكونا ملكين في نعمة الجنة
قال الله تعالى فدلاهما بغرور وكان انفعال حواء لوسوسته أعظم فدعاها آدم لحاجته فقالت لا إلا أن تأتي ههنا فلما أتى قالت لا إلا أن تأكل من هذه الشجرة وهي الحنطة قال فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وكان لباسهما الظفر فطفقا بخصفان عليهما من ورق الجنة قيل كان ورق التين وكانت الشجرة من أكل منها أحدث وذهب آدم هاربا في الجنة فناداه ربه أن يا آدم مني تفر قال لا يا رب ولكن حياء منك فقال يا آدم من أين أتيت قال من قبل حواء يا رب فقال الله فان لها علي أن أدميها في كل شهر وأن أجعلها سفيهة وقد كنت خلقتها حليمة وإن أجعلها تحمل كرها وتضع كرها وتشرف على الموت مرارا وقد كنت جعلتها تحمل يسرا ويضعن يسرا وقال الله تعالى له لألعنن الأرض التي خلقت منها لعنة يتحول ثمارها شوكا ولم يكن في الجنة ولا في الأرض أفضل من الطلح والسدر وقال للحية دخل الملعون في جوفك حتى غر عبدي ملعونة أنت لعنة يتحول بها قوائمك في بطنك ولا يكون لك رزق إلا التراب أنت عدوة بني آدم وهم أعداؤك حيث لقيت واحدا منهم أخذت بعقبه وحيث لقيك شدخ رأسك اهبطوا بعضكم لبعض عدو آدم وإبليس والحية فاهبطهم إلى الأرض وسلب الله آدم وحواء كل ما كانا فيه من النعمة والكرامة
قيل كان سعيد بن المسيب يحلف بالله ما أكل آدم من الشجرة وهو يعقل ولكن سقته حواء الخمر حتى سكر فلما سكر قادته إليها فأكل
قلت والعجب من سعيد كيف يقول هذا والله يقول في صفة خمر الجنة لا فيها غول
ذكر اليوم الذي أسكن آدم فيه الجنة واليوم الذي أخرج فيه منها واليوم
ص 31
روى أبو هريرة عن النبي خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أسكن الجنة وفيه أهبط منها وفيه تاب الله عليه وفيه تقوم الساعة وفيه ساعة يقللها لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خيرا إلا أعطاه إياه
قال عبد الله بن سلام قد علمت أي ساعة هي هي آخر ساعة من النهار
قدر لبث آدم في الجنة
ص 32
وقال أبو العالية أخرج آدم من الجنة للساعة التاسعة أو العاشرة منه وهبط إلى الأرض لتسع ساعات مضين من ذلك اليوم وكن مكثه في الجنة خمس ساعات منه وقيل كان مكثه ثلاث ساعات منه
فإن كان قائل هذا القول أراد أنه سكن الفردوس لساعتين مضتا من يوم الجمعة من أيام الدنيا التي هي ما هي به اليوم فلم يبعد قوله من الصواب لأن الأخبار كذا كانت واردة عن السلف من أهل العلم بأن آدم خلق آخر ساعة من اليوم السادس التي مقدار اليوم منها ألف سنة من سنيننا فمعلوم أن الساعة الواحدة من ذلك اليوم ثلاثة وثمانون عاما من أعوامنا وقد ذكرنا أن آدم بعد أن خمر ربنا طينته بقي قبل أن ينفخ فيه الروح أربعين عاما وذلك لا شك أنه عنى به اعوامنا ثم بعد ان نفخ فيه الروح إلى أن تناهى أمره وأسكن الجنة وأهبط إلى الأرض غير مستنكر أن يكون مقدار ذلك من سنيننا قدر خمس وثلاثين سنة وإن كان أراد أنه سكن الجنة لساعتين مضتا من نهار يوم الجمعة من الأيام التي مقدار اليوم منها ألف سنة من سنيننا فقد قال غير الحق لأن كل من له قول في ذلك من أهل العلم يقول أنه نفخ فيه الروح آخر نهار يوم الجمعة قبل غروب الشمس وقد روى أبو صالح عن ابن عباس ان مكث آدم كان في الجنة نصف يوم كان مقداره خمسمائة عام وهذا أيضا خلاف ما وردت به الأخبار عن النبي وعن العلماء
ذكر الموضع الذي أهبط فيه آدم وحواء من الأرض
ص 32
قيل ثم إن الله تعالى أهبط ى دم قبل غروب الشمس من اليوم الذي خلقه فيه وهو يوم الجمعة مع زوجته حواء من السماء فقال علي وابن عباس وقتادة وأبو العالية إنه أهبط بالهند على جبل يقال له نود من أرض سرنديب وحواء بجدة
قال ابن عباس فجاء في طلبها فكان كلما وضع قدمه بموضع صار قرية وما بين خطوتيه مفاوز فسار ختى أتى جمعا فازدلفت إليه حواء فلذلك سميت المزدلفة وتعارفا بعرفات فلذلك سميت عرفات واجتمعا بجمع فلذلك سميت جمعا
وأهبطت الحية بأصفهان وإبليس بميسان وقيل اهبط آدم بالبرية وإبليس بالأبلة
قال أبو جعفر وهذا ما لا يوصل إلى معرفة صحته إلا بخبر يجئ مجئ الحجة ولا نعلم خبرا في ذلك غير ما ورد في هبوط آدم بالهند فان ذلك مما لا يدفع صحته علماء الاسلام قال ابن عباس فلما أهبط آدم على جبل نود كانت رجلاه تمس الأرض ورأسه بالسماء يسمع تسبيح الملائكة فكانت تهابه فسألت الله أن ينقص من طوله فنقص طوله إلى ستين ذراعا فحزن آدم لما فاته من الأنس بأصوات الملائكة وتسبيحهم فقال يا رب كنت جارك في دارك ليس لي رب غيرك أدخلتني جنتك آكل منها حيث شئت فاهبطتني إلى الجبل المقدس فكنت أسمع أصوات الملائكة وأجد ريح الجنة فحططتني إلى ستين ذراعا فقد انقطع عني الصوت والنظر وذهبت عني ريح الجنة فأجابه الله تعالى بمعصيتك يا آدم فعلت بك ذلك
فلما رأى الله تعالى عرى آدم وحواء أمره أن يذبح كبشا من الضأن الثمانية الأزواج التي أنزلها الله من الجنة فأخذ كبشا فذبحه وأخذ صوفه فغزلته حواء ونسجه آدم فعمل لنفسه جبة ولحواء درعا وخمارا فلبسا ذلك
وقيل أرسل إليهما ملكا يعلمهما ما يلبسانه من جلود الضأن والأنعام وقيل كان ذلك لباس أولاده وأما هو وحواء فكان لباسهما ما كان خصفا من ورق الجنة .
ما يزعم من بناء آدم للبيت
ص 34
فأوحى الله إلى آدم إن لي حرما حيال عرشي فانطلق وابن لي بيتا فيه ثم حف به كما رأيت ملائكتي يحفون بعرشي فهنالك أستجيب لك ولولدك من كان منهم في طاعتي فقال آدم يل رب وكيف لي بذلك لست أقوى عليه ولا أهتدي إليه فقيض الله ملكا فانطلق به نحو مكة وكان آدم إذا مر بروضة قال للملك انزل بنا ههنا فيقول الملك مكانك حتى قدم مكة فكان كل مكان نزله آدم عمرانا وما عداه مفاوز فبنى البيت من خمسة اجبل من طور سيناء وطور زيتا ولبنان والجودي وبنى قواعده من حراء فلما فرغ من بنائه خرج به الملك إلى عرفات فأراه المناسك التي يفعلها الناس اليوم ثم قدم به مكة فطاف بالبيت أسبوعا ثم رجع إلى الهند فمات على نود
فعلى هذا القول أهبط حواء وآدم وإن جميعا وإن آدم بنى البيت وهذا خلاف الذي نذكره إن شاء الله تعالى منه إن البيت أنزل من السماء
وقيل حج آدم من الهند أربعين حجة ماشيا
ولما أنزل إلى الهند كان على رأسه إكليل من شجر الجنة فلما وصل إلى الأرض يبس فتساقط ورقه فنبتت منه أنواع الطيب بالهند وقيل بل الطيب من الورق الذي خصفه آدم وحواء عليهما وقيل لما أمر بالخروج من الجنة جعل لا يمر بشجرة منها إلا أخذ منها غصنا فهبط وتلك الأغصان معه فكان أصل الطيب بالهند منها وزوده الله من ثمار الجنة فثمارنا هذه منها غير أن هذه تتغير وتلك لا تتغير وعلمه صنعة كل شيء ونزل معه بعض طيب الجنة والحجر الأسود وكان أشد بياضا من الثلج وكان من ياقوت الجنة ونزل معه عصا موسى وهي من آس الجنة أو من لبان وأنزل بعد ذلك العلاة والمطرقة والكلبتان وكان حسن الصورة لا يشبهه من ولده غير يوسف
وأنزل عليه جبريل بصرة فيها حنطة فقال آدم ما هذا قال هذا الذي أخرجك من الجنة فقال ما أصنع به فقال انثره في الأرض ففعل الله من ساعته ثم حصده وجمعه وفركه وذراه وطحنه وعجنه وخبزه كل ذلك بتعليم جبريل عليه السلام وجمع له جبريل الحجر والحديد فقدحه فخرجت منه النار وعلمه جبريل صنعة الحديد والحراثة وانزل إليه ثورا فكان يحرث عليه قيل هو الشقاء الذي ذكره الله تعالى بقوله فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى ثم إن الله أنزل آدم من الجبل وملكه الأرض وجميع ما عليها من الجن والدواب والطير وغير ذلك فشكا إلى الله تعالى وقال يا رب أما في هذه الأرض منم يسبحك غيري فقال الله تعالى سأخرج من صلبك من يسبحني ويحمدني وسأجعل فيها بيوتا ترفع لذكري وأجعل فيها بيتا أختصه بكرامتي وأسميه بيتي وأجعله حرما آمنا فمن حرمه بحرمتي فقد استوجب كرامتي ومن أخاف أهله فيه فقد خفر ذمتي وأباح حرمتي أول بيت وضع للناس فمن اعتمده لا يريد غيره فقد وفد إلي وزارني وضافني ويحق على الكريم أن يكون وفده وأضيافه وأن يسعف كلا بحاجته تعمره أنت يا آدم ما كنت حيا ثم تعمره الأمم والقرون والأنبياء من ولدك أمة بعد أمة
ثم أمر آدم أن يأتي البيت الحرام وكان قد أهبط من الجنة ياقوتة واحدة وقيل درة واحدة وبقي كذلك حتى أغرق الله قوم نوح عليه السلام فرفع وبقي أساسه فبوأ الله لإبراهيم عليه السلام فبناه على ما نذكره إن شاء الله تعالى
وسار آدم إلى البيت ليحجه ويتوب عنده وكان قد بكى هو وحواء على خطيئتهما وما فاتهما من نعيم الجنة مائتي سنة ولم يأكلا ولم يشربا أربعين يوما ثم أكلا وشربا بعدها ومكث آدم لم يقرب حواء مائة عام فحج البيت وتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه وهي قوله تعالى ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين
الغريب
نود بضم النون وسكون الواو آخره دال مهملة
ذكر إخراج ذرية آدم من ظهره وأخذ الميثاق
ص 35
روى سعيد بن جبير عن أبن عباس قال : أخذ الله الميثاق على ذرية آدم بنعمان من عرفة فأخرج من ظهره كل ذرية ذرأها إلى أن تقوم الساعة فنثرهم بين يديه كالذر ثم كلمهم قبلا وقال : ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إلى قوله : بما فعل المبطلون
الغريب
نعمان بفتح النون الأولى
وقيل : عن ابن عباس ايضا : أنه أخذ عليهم الميثاق بدحنا موضع
وقال السري : أخرج الله آدم من الجنة ولم يهبطه إلى الأرض من السماء ثم مسح صفحة ظهره اليمنى فأخرج ذرية كهيئة الذر بيضاء مثل اللؤلؤ فقال لهم : ادخلوا الجنة برحمتي ومسح صفحة ظهره اليسرى فخرج منها كهيئة الذر سوداء فقال : ادخلوا النار ولا أبالي فذلك حين يقول أصحاب اليمين واصحاب الشمال ثم اخذ منهم الميثاق فقال : ألست بربكم قالوا : بلى فأعطوه الميثاق طائفة طائعين وطائفة على وجه التقية
ذكر الأحداث التي كانت في عهد آدم في الدنيا
ص 35
قتل ابن آدم أخيه
وكان أول ذلك قتل قابيل بن آدم أخاه هابيل وأهل العلم مختلفون في اسم قابيل بعضهم يقول قين وبعضهم يقول قائين وبعضهم يقول قاين وبعضهم يقول قابيل
واختلفوا أيضا في سبب قتله فقيل : كان سببه أن آدم كان يغشى حواء في الجنة قبل أن يصيب الخطيئة فحملت له فيها بقابيل بن آدم وتوأمته فلم تجد عليهما وحما ولا وصبا ولم تجد عليهما طلقا حين ولدتهما ولم تر معهما دما لطهر الجنة فلما أكلا من الشجرة وهبطا إلى الأرض فاطمأنا بها تغشاها فحملت بهابيل وتوأمته فوجدت عليهما الوحم والوصب والطلق حين ولدتهما ورأت معهما الدم وكانت حواء فيما يذكرون لا تحمل إلا توأما ذكرا وانثى فولدت حواء لآدم أربعين ولدا لصلبه من ذكر وانثى في عشرين بطنا وكان الولد منهم أي أخواته شاء تزوج الا توأمته التي تولد معه فإنها لا تحل له وذلك أنه لم يكن يومئذ نساء الا اخواتهم وامهم حواء فأمر آدم ابنه قابيل أن ينكح توأمة هابيل وأمر هابيل أن ينكح توأمة أخيه قابيل
وقيل : بل كان آدم غائبا وكان لما أراد السير قال للسماء : احفظي ولدي بالأمانة فأبت وقال للأرض فأبت وللجبال فأبتوقال لقابيل فقال : نعم تذهب وترجع وستجد ما يسرك فانطلق آدم فكان ما نذكره وفيه قال الله تعالى : إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا
فلما قال آدم لقلبيل وهابيل في معنى نكاح أختيهما ما قال لهما سلم هابيل لذلك ورضي به وأبى ذلك قابيل وكرهه تكرها عن أختهابيل ورغب بأخته عن هابيل وفال : نحن من ولادة الجنة وهما من ولادة الأرض فأنا أحق بأختي
وقال بعض أهل العلم : إن أخت قابيل كانت من أحسن الناس فضن بها على أخيه وأرادها لنفسه وانهما لم يكونا من ولادة الجنة إنما كانا من ولادة الأرض والله اعلم فقال له أبوه آدم : يا بني إنها لا تحل لك فأبى أن يقبل ذلك من أبيه فقال له أبوه يا بني فقرب قربانا ويقرب أخوك هابيل قربانا فأيكما قبل الله قربانه فهو أحق بها وكان قابيل على بذر الأرض وهابيل على رعاية الماشية فقرب قابيل قمحا وقرب هابيل أبكارا من أبكار غنمه وقيل قرب بقرة فأرسل الله نارا بيضاء فأكلت قربان هابيل وتركت قربان قابيل وبذلك كان يقبل القربان إذا قبله الله فلما قبل الله قربان هابيل وكان في ذلك القضاء له بأخت قابيل غضب قابيل وغلب عليه الكبر واستحوذ عليه الشيطان قال : لأقتلنك حتى لا تنكح أختي قال هابيل : إنما يتقبل الله من المتقين لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إلى قوله تعالى فطوعت له نفسه قتل أخيه فاتبعه وهو في ماشيته فقتله
فهما اللذان قص الله خبرهما في القرآن فقال : واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر إلى آخر القصة : قال : فلما قتله سقط في يده ولم يدر كيف يواريه وذلك أنه كان فيما يزعمون أول قتيل من بني آدم فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يوارى سوأة أخيه قال يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين إلى قوله المسرفين فلما قتل أخاه قال الله تعالى : يا قابيل أين أخوك هابيل قال لا أدري ما كنت عليه رقيبا فقال الله تعالى : إن صوت دم أخيك يناديني من الأرض الآن أنت معلون من الأرض التي فتحت فاها فبلعت دم أخيك فإذا أنت عملت في الآرض فإنها لا تعود تعطيك حرثها حتى تكون فزعا في الأرض فقال قابيل عظمتت خطيئتي إن لم تغفرها
قيل كان قتله عند عقبة حراء
ثم نزل من الجبل لآخذا بيد أخته وهرب بها إلى عدن من اليمن
قال ابن عباس : لما قتل أخاه أخذ بيد أخته ثم هبط بها من جبل نود إلى الحضيض فقال له آدم اذهب فلا تزال مرعوبا لا تأمن من تراه فكان لا يمر به أحد من ولده الا رماه فأقبل ابن لقابيل أعمى ومعه ابن له فقال للأعمى ابنه : هذا أبوك قابيل فارمه فرمى الأعمى أباه قابيل فقتله فقال ابن الأعمى لأبيه : قتلت أباك فرفعا الأعمى يده فلطم ابنه فمات فقال : يا ويلتي : قتلت أبي برميتي وابني بطلمتي
ولما قتل هابيل كان عمره عشرين سنة وكان لقابيل يوم قتله خمس وعشرونسنة وقال الحسن : كان الرجلان اللذان ذكرهما الله تعالى في القرآن بقوله : واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق من بني إسرائيل ولم يكونا من بني آدم لصلبه وكان آدم أول من مات وقال أبو جعفر : الصحيح عندنا أنهما ابنا آدم لصلبه للحديث الصحيح عن النبي أنه قال ما من نفس تقتل ظلما ال كان ابن آدم الأول كفل منها وذلك لأنه أول من سن القتل فبان بهذا أنهما لصلب آدم فإن القتل ما زال بين بني آدم قبل بني إسرائيل وفي هذا الحديث أنه أول من سن القتل
ومن الدليل على أنه مات من ذرية آدم قبله ما ورد في تفسير قوله تعالى : هو الذي خلقكم من نفس واحدة إلى قوله : جعلا له شركاء فيما آتاهما عن ابن عباس وابن جبير والسري وغيرهم قالوا حواء تلد لآدم فتعبدهم أي تسميهم عبدالله وعبد الرحمن ونحو ذلك فبصيبهم الموت فأتاهما ابليس فقال : لو سميتما بغير هذه الأسماء لعاش ولدكما فولدت ولدافسمته عبد الحارث وهو اسم ابليس فنزلت : هو الذي خلقكم من نفس واحدة الآيات وقد روي هذا المعنى مرفوعا
قلت إنما كان الله تعالى يميت أولادهم اولا وأحيا هذا المسمى بعبد الحارث امتحانا واختبارا وإن كان الله تعالى يعلم الأشياء بغير امتحان علما لا يتعلق به الثواب والعقاب ومن الدليل على أن القاتل والمقتول ابنا آدم لصلبه ما رواه العلماء عن علي بن أبي طالب أن آدم قال لما قتل هابيل
( تغيرت البلاد ومن عليها % فوجه الأرض مغبر قبيح )
( تغير كل ذي طعم ولو ن % وقل بشاشة الوجه المليح )
في أبيات غيرها جيوموث وقد زعم أكثر علماء الفرس أن جيوموث هو آدم وزعم بعضهم أنه ابن آدم لصلبه من حولء وقالوا فيه أوقوالا كثيرة يطول بذكرها الكتاب إذ كان قصدنا ذكر الملوك وأيامهم ولم يكن ذكر الاختلاف في نسب ملك من جنس ما أنشأنا له الكتاب فإن ذكرنا من ذلك شيئا فالتعريف من ذكرنا ليعرفه من لم يكن عارفا به وقد خالف علماء الفرس فيما قالوا من ذلك آخرون من غيرهم ممن زعم أنه غير آدم ووافق علماء الفرس على اسمه وخالفهم في عينه وصفته فزعم أن جيومرث الذي زعمت الفرس أنه آدم إنما حام بن يافث بن نوح وأنه كان معمرا سيدا نزل جبل دنباوند من جبال طبرستان من أرض المشرق وتملك بها وبفارس وعظم أمره وأمر ولده حتى ملكوا بابل وملكوا في بعض الأوقات الأقاليم كلها
وابنتي جيومرث المدن والحصون وأعد السلاح واتخذ الخيل وتجبر في آخر أمره وتسمى بآدم وقال من سماني بغيره قتلته وتزوج ثلاثين امرأة فكثر منهن نسله وإن ماري ابنه وماريانه أخته ممن كانا ولدا في آخر عمره فأعجب بهما وقدمهما فصار الملوك من نسلهما
قال أبو جعفر وإنما ذكرت من امر جيومرث في هذا الموضع ما ذكرت لأنه لا تدافع بين علماء الأمم أنه أبو الفرس من العجم وإنما اختلفوا فيه هل هو آدم أبو البشر أم غيره على ما ذكرناه ومع ذلك فلأن ملكه وملك أولاده لم يزل منتظما على سياق متصل بأرض المشرق وجبالها إلى أن قتل يزدجرد بن شهريار بمرو أيام عثمان بن عفان والتاريخ على أسماء ملوكهم أسهل بيانا وأقرب إلى التحقيق منه على أعمار ملوك غيرهم من الأمم إذ لا يعلم أمة من الأمم الذين ينتسبون إلى آدم دامت لهم المملكة واتصل الملك لملوكهم ياخذخ آخرهم عن أولهم وغابرهم عن سالفهم سواهم
وأنا ذاكر ما نتهى إلينا من القول في عمر آدم وأعمار من بعده من ولده من الملوك والأنبياء وجيومرث أبي الفرس فأذكر ما ختلفوا فيه من أمرهم إلى الحال التي اجتمعوا عليها واتفقوا على ملك منهم في زمان بعينه أنه هو الملك في ذلك الزمان إن شاء الله
وكان آدم مع أعطاه الله تعالى من ملك الأرض نبيا رسولا إلى ولده وأنزل الله عليه إحدى وعشرين صحيفة كتبها آدم بيده علمه إياها جبريل روى أبو ذر عن النبي أنه قال الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا قال قلت يا رسول الله كم الرسل من ذلك قال ثلثمائة وثلاثة عشر جما غفيرا يعني كثيرا طيبا قال قلت من اولهم قال آدم قال قلت يا رسول وهو نبي مرسل قال نعم خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه ثم سواه رجلا
وكان ممن أنزل عليه تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وحروف المعجم في إحدى وعشرين ورقة
ذكر ولادة شيث
ص 42
ومن الأحداث في أيامه شيث وكانت ولادته بعد مضي مائة وعشرين سنة لآدم وبعد قتل هابيل بخمس سنين وقيل ولد فردا بغير توأم وتفسير شيث هبة الله ومعناه أنه خلف من هابيل وهو وصي آدم وقال ابن عباس كان معه توأم ولما حضرت آدم الوفاة عهد إلى شيث وعلمه ساعات الليل والنهار وعبادة الخلوة في كل ساعة منها وأعلمه بالطوفان وصارت الرياسة بعد آدم إليه وأنزل الله عليه خمسين صحيفة وإليه أنساب بني آدم كلهم اليوم وأما الفرس الذين قالوا : إن جيومرث هو آدم فإنهم قالوا ولد لجيومرث ابنته ميشان أخت ميشي وتوج ميشي أخته ميشان فولدت له سيامك وسامي فولد لسيامك بن جيومرث أفروال ودقس وبواسب وأجرب وأوراش وأمهم جميعا سيامي ابنة ميشي وهي اخت أبيهم وذكروا أن الأرض كلها سبعة أقاليم فأرض بابل وما يوصل إليه مما يأتيه الناس برا وبحرا فهو من إقليم واحد وسكانه ولد أفروال بن سيامك وأعقابهم
فولد لا فروال بن سيامك من افرى ابنة سيامك أوشهنج بيشداد الملك وهو الذي خلف جده جيومرث في الملك وهو أو لمن جمع ملك القاليم السبعة وسنذكر أخباره وكان بعضهم يزعم أن اوشهنج هذا هو ابن آدم لصلبه من حواء
وأما ابن الكلبي فإنه زعم أن أول من ملك الأرض أوشهنق بن عامر بن شالخ بن ارفخش ذبن سام بن نوح قال والفرس تزعم أنه كان بعد آدم بمائتي سنة وإنما كان بعد نوح بمائتي سنة ولم تعرف الفرس ما كان قبل نوح
والذي ذكره هشام بن الكلبي لا وجه له لأن اوشهنج مشهور عند الفرس وكل قوم أعلم بأنسابهم وأيامهم من غيرهم قال وقد زعم بعض نسابة الفرس أن أوشهنج هذا هو مهلائيل وأن أباه أفروال هو قينان وان سيامك هو انوش أبو قينان وان ميشي هو شيث أبو أنوش وأن جيومرث هو آدم فإن كان الأمر كما زعم فلا شك أن أوشهنج كان في زمن آدم رجلا وذلك لأن مهلائيل فيما ذكر في الكتب الأولى كانت ولادة أمه دينه ابنة براكيل بن محويل بن جنوخ بن قين بن آدم وأتاه بعد ما مضى من عمر آدم ثلثممائة سنة وخمس وتسعون سنة وقد كان له حين وفاة آدم ستمائة سنة وخمس وستون سنة على حساب أن عمر آدم ألف سنة وقد زعمت الفرس أن ملك أوشهنج كان أربعين سنة فان كان الأمر على ما ذكره النسابة الذي ذكرت منه ما ذكرت فما يبعد من قال أن ملكه كان بعد وفاة آدم بمائتي سنة
ذكر وفاة آدم عليه السلام
ص 43
ذكر أن آدم مرض أحد عشر يوما وأوصى إلى ابنه شيث وأمره أن يخفي علمه عن قابيل وولده لأنه قتل هابيل حسدا منه له حين خصه آدم بالعلم فأخفى شيث وولده ما عندهم من العلم ولم يكن عند قابيل وولده علم ينتفعون به وقد روى أبو هريرة عن النبي أنه قال قال الله تعالى لآدم حين خلقه أئت أؤلئك النفر من الملائكة فقل السلام عليكم فأتاهم فسلم عليهم وقالوا له عليك السلام ورحمة الله ثم رجع إلى ربه فقال له هذه تحيتك وتحية ذريتك بينهم ثم قبض له يديه فقال له خذ واختر فقال أحببت يمين ربي وكلتا يديه يمين ففتحها له فإذا فيها صورة آدم وذريته كلهم وإاذ كل رجل منهم مكتوب عنده أجله وإذا آدم قد كتب له عمر ألف سنة وإذا قوم عليهم النور
فقال يا رب من هؤلاء الذين عليهم النور فقال هؤلاء الأنبياء والرسل الذين أرسلهم إلى عبادي وإذا فيهم رجل هو من أضوئهم نورا ولم يكتب له من العم رإلا أرببعين سنة فقال آدم يا رب هذا من أضوائهم ولم تكتب له إلا أربعين سنة بعد أن أعلمه انه داود عليه اسلام فقال ذلك ما كتبت له فقال يا رب انقص له من عمري ستين سنة فقال رسول فلما أهبط إلى الأرض يعد أيامه فلما أتاه ملك الموت لقبضه قال له آدم عجلت يا ملك الموت قد بقي من عمري ستون سنة فقال له ملك الموت ما بقي شيء سألت ربك أن يكتبه لإبنك داود فقال ما فعلت فقال النبي فنسي آدم فنسيت ذريته وجحد فجحدت ذريته فحينئذ وضع الله الكتاب وأمر بالشهود
وروى عن ابن عباس قال لما نزلت آية الدين قال رسول الله إن أول من جحد آدم ثلاث مرار وإن الله لما خلقه مسح ظهره فأخرج منه ما هو ذرائي إلى يوم القيامة فجعل يعرضهم على آدم فرأى منهم رجلا يزهر قال أي رب أي بني هذا قال ابنك داود قال كم عمره قال ستون سنة قال زده من العمر قال الله تعالى لا إلا أن تزيده أنت وكان عمر آدم ألف سنة فوهب له أربعين سنة فكتبت عليه بذلك كتبا وأشهد عليه الملائكة فلما احتضر آدم أتته الملائكة لتقبض روحه فقال قد بقي من عمري أربعون سنة قالوا إنك قد وهبتها لابنك داود قال ما فعلت ولا وهبت له شيئا فأنزل الله عليه الكتاب وأقام الملائكة شهودا فأكمل لآدم ألف سنة وأكمل لداود مائة سنة
وروي مثل هذا عن عن جماعة منهم سعيد بن جبير وقال ابن عباس كان عمر آدم تسعمائة سنة وستا وثلاثين سنة وأهل التوراة يزعمون أن عمر آدم تسعمائة سنة وثلاثون سنة والأخبار عن رسول الله والعلماء ما ذكرنا ورسول الله أعلم الخلق وعلى رواية أبي هريرة التي فيها أن آدم وهب داود من عمره ستين سنة لم يكن كثير اختلاف بين الحديثين وما في التوراة من أن عمره كان تسعمائة وثلاثين سنة فلعل الله ذكر عمره بين التوراة سوى ما وهبه لداود قال ابن إسحق عن يحيي بن عباد عن أبيه قال بلغني أن آدم حين مات بعث الله بكفنه وحنوطه من الجنة ثم وليت الملائكة قبره ودفنه حتى غيبوه وروى أب يبن كعب عن النبي أن آدم حين حضرته الوفاة بعث الله إليه بحنوطه وكفنه من الجنة فلما رأت حواء الملائكة ذهبت لتدخل دونهم فقال خلي عني وعن رسل ربي فما لقيت ما لقيت إلا منك ولا أصابني ما أصابني ألا فيك فلما قبض غسلوه بالسدر والماء وترا وكفنوه في وتر من الثياب ثم لحدوا له ودفنوه ثم قالوا هذه سنة ولد آدم من بعده قال ابن عباس لما مات آدم قال شيث لجبرائيل صل عليه فقال تقدن أنت فصل على أبيك فكبر عليه ثلاثين تكبيرة فأما خمس فهي الصلاة وأما خمس وعشرون تفضيلا لآدم وقيل دفن في غار في جبل أبي قبيس يقال له غار الكبر وقال ابن عباس لما خرج نوح من السفينة دفن آدم ببيت المقدس وكانت وفاته يوم الجمعة كما تقدم وذكر أن حواء عاشت بعده سنة ثم ماتت فدفنت مع زوجها في الغار الذي ذكرت إلى وقت الطوفان واستخرجهما نوح وجعلها في تابوت ثم حملها معه في السفينة فلما غاضت بالأرض الماء ردهما إلى مكانهما الذي كانا فيه قبل الطوفان قال وكانت حواء فيما ذكر قد غزلت ونسجت وعجنت وخبزت وعملت أعمال النساء كلها
وإذا قد فرغنا من ذكر آدم وعدوه إبليس وذكر أخبارهما وما صنع الله بعدوه إبليس حين تجبر وتكبر من تعجيل العقوبة وطغى وبغي من الطرد والإبعاد والنظرة إلى يوم الدين وما صنع بآدم إذ أخطأ ونسي من تعجيل العقوبة له ثم تغمده الله بالرحمه إذ تاب من زلته فأرجع إلى ذكر قابيل وشيث ابني آدم وأولادهما إن شاء الله
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.