الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
63

ومما كان من الأحداث أيضا جرجيس

الجزء الأول 1 عنصر صفحة 284
ص 284

قيل كان بالموصل ملك يقال له ( دازانه ) وكان جبارا عاتيا وكان جرجيس رجلا صالحا من أهل فلسطين يكتم إيمانه مع أصحاب له صالحين وكانوا قد أدركوا بقايا من الحواريين فأخذوا عنهم وكان جرجيس كثير التجارة عظيم الصدقة وربما كان نفد ماله في الصدقة ثم يعود يكتسب مثله ولولا الصدقة لكان الفقر أحب إليه من الغنى وكان يخاف بالشام أن يفتتن عن دينه فقصد الموصل ومعه هدية لملكها لئلا يجعل لأحد عليه سبيلا فجاءه وحين قد جاءه أحضر عظماء قومه وأوقد نارا وأعد أصنافا من العذاب وأمر بصنم له يقال له ( أفلون ) فنصب فمن لم يسجد له عذبه وألقي في النار

فلما رأى جرجيس ما يصنع استعظمه وحدث نفسه بجهاده فعمد إلى المال الذي معه فقسمه في أهل ملته وأقبل عليه وهو شديد الغضب فقال له اعلم أنك عبد مملوك لا تملك لنفسك شيئا ولا لغيرك شيئا وإن فوقك ربا هو الذي خلقك ورزقك فأخذ في ذكر عظمة الله تعالى وعيب صنمه فأجابه الملك بأن يسأل من هو ومن أين هو فقال جرجيس أنا عبد الله وابن أمته من التراب خلقت وإليه أعود

فدعاه الملك إلى عبادة صنمه وقال له لو كان ربك ملك الملوك لرؤي عليك أثره كما ترى على من حولي من ملوك قومي فأجابه جرجيس بتعظيم أمر الله وتمجيده وقال له تعبد أفلون الذي لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى من رب العالمين أم تعبد الذي قامت بأمره السموات والأرض أم تعبد طرفلينا عظيم قومك من الناس عليه السلام فإنه كان آدميا يأكل ويشرب فأكرمه الله بأن جعله إنسيا ملكيا أم تعبد عظيم قومك مخليطيس أيضا وما قال بولايتك عيسى عليه السلام وذكر من معجزاته وما خصه الله به من الكرامة

فقال له الملك إنك أتيتنا بأشياء لا نعلمها ثم خيره بين العذاب والسجود للصنم فقال له جرجيس إن كان صنمك هو الذي رفع السماء وعدد أشياء من قدرة الله عز وجل فقد أصبت ونصحت وإلا فاخسأ أيها الملعون

فلما سمع الملك أمر بحبسه ومشط جسده بأمشاط الحديد حتى تقطع لحمه وعروقه وينضح بالخل والخردل فلم يمت فلما رأى ذلك لم يقتله أرم بستة مسامير من حديد فأحميت حتى صارت نارا ثم سمر بها رأسه فسأل دماغه فحفظه الله تعالى فلما رأى ذلك لم يقتله أمر بحوض من نحاس فأوقد عليه حتى جعله نارا ثم أدخله فيه وأطبق حتى برد فلما رأى ذلك لم يقتله دعاه وقال له ألم تجد ألم هذا العذاب قال إن إلهي حمل عني عذابك وصبرني ليحتج عليك

فأيقن الملك بالشر وخافه على نفسه وملكه فأجمع رأيه على أن يخلده في السجن فقال الملأ من قومه إنك أن تركته في السجن طليقا يكلم الناس ويميل بهم عليك ولكن يعذب بعذاب يمنعه من الكلام فأمر به فبطح في السجن على وجهه أو تدفى يده ورجليه أوتادا من حديد ثم أمر باسطوان من رخام حمله ثمانية عشر رجلا فوضع على ظهره فظل يومه ذلك تحت الحجر فلما أدركه الليل أرسل الله إليه ملكا وذلك أول ما أيد بالملائكة فأول ما جاءه الوحي قلع عنه الحجر ونزع الأوتاد وأطعمه وأسقاه وبشره وعزاه

فلما أصبح أخرجه من السجن فقال له الحق بعدوك فجاهده فإني قد ابتليتك به سبع سنين يعذبك ويقتلك فيهن أربع مرات في كل ذلك أرد إليك روحك فإذا كانت القتلة الرابعة تقبلت روحك وأوفيتك أجرك

فلم يشعر الملك إلا وقد وقف جرجيس على رأسه يدعوه إلى الله فقال له أجرجيس قال نعم قال من أخرجك من السجن قال أخرجني من سلطانه فوق سلطانك

فملئ غيظا ودعا بأصناف العذاب ومدوه بين خشبتين ووضعوا على رأسه سيفا ثم أشروه حتى سقط بين رجليه وصار جزلتين ثم قطعوهما قطعا وكان له سبعة أسد ضارية في جب فألقوا جسده إليها فلما رأته خضعت برؤوسها وقامت على براثنها لا تألوا أن تقيه الأذى الذي تحتها فظلت يومها تحته ميتا وكان أول ميتة ذاقها

فلما أدركه الليل جمع الله جسده وسواه ورد فيه الروح وأخرجه من قعر الجب فلما أصبحوا أقبل جرجيس وهم في عيد لهم صنعوه فرحا بموت جرجيس فلما نظروا إليه مقبلا قالوا ما أشبه هذا بجرجيس

قال الملك هو هو قال جرجيس أنا هو حقا بئس القوم أنتم قتلتم ومثلتم فرد الله روحي إلي هلموا إلى عذاب هذا الرب العظيم الذي أراكم قدرته فقالوا ساحر سحر أعينكم وأيديكم عنه

فجمعوا من ببلادهم من السحرة فلما جاؤوا قال الملك لكبيرهم اعرض علي من سحرك ما يسري به عني فدعا بثور فنفخ في أذنيه فإذا هو ثوران ودعا ببذر فبذر وحرث وزرع وحصد ودق وذرى وطحن وخبر وأكل في ساعته فقال له الملك هل تقدر أن تمسخه كلبا قال ادع لي بقدح من ماء فأتي به فنفث فيه الساحر ثم قال لجرجيس اشربه فشربه جرجيس حتى أتى على آخره فقال له الساحر ماذا تجد قال ما أجد إلا خيرا كنت عطشانا فلطف الله بي فسقاني وأقبل الساحر على الملك وقال لو كنت تقاسي جبارا مثلك لغلبته إنما تقاسي جبار السماء والأرض وكانت أتت جرجيس امرأة من الشام وهو في أشد العذاب فقالت له إنه لم يكن لي مال إلا ثور أعيش به من حرثه فمات وجئتك لترحمني وتسأل الله أن يحيي ثوري فأعطاها عصا وقال إذهبي إلى ثورك فاضربيه بهذه العصا وقولي به احيى بإذن الله فأخذت العصا وأتت مصرع الثور فرأت روقية وشعر ذنبه فجمعتها ثم قرعتها بالعصا وقالت ما أمر هابه جرجيس فعاش ثورها وجاء الخبر بذلك فلما قال الساحر ما قال قال رحل من أصحاب الملك وكان أعظمهم بعد الملك اسمعوا مني قالوا نعم قال إنكم قد وضعتم أمره على السحر وإنه لم يعذب ولم يقتل فهل رأيتم ساحرا قط قدر على أن يدفع عن نفسه الموت أو أحيا ميتا وذكر الثور وإحياءه

فقالوا له إن كلامك كلام رجل قد اصغى إليه فقال قد آمنت به وأشهد أني بريء مما تعبدون

فقال إليه الملك وأصحابه بالخناجر فقطعوا لسانه بالخناجر فلم يلبث أن مات وقيل أصابه الطاعون فأعجله قبل أن يتكلم وكتموا شأنه فكشفه جرجيس للناس فاتبعه أربعة آلاف وهو ميت فقتلهم الملك بأنواع العذاب حتى أفناهم وقال له رجل من عظماء أصحاب الملك يا جرجيس إنك زعمت أن إلهك يبدأ الخلق ثم يعيده وإني سائلك أمرا إن فعله إلهك آمنت به وصدقتك وكفيتك قومي هذا تحتنا أربعة عشرة منبرا ومائدة وأقداح وصحاف من خشب يابس وهو من أشجار شتى فادع لنا ربك أن يعيدها خضرا كما بدأها يعرف كل عود بلونه وورقه وزهره وثمره قال جرجيس قد سألت أمرا عزيزا علي وعليك وإنه على الله يسير

ودعا الله فما برحوا حتى اخضرت وساخت عروقها وتشعبت ونبت ورقها وزهرها حتى عرفوا كل عود باسمه فقال الذي سأله هذا أنا أتولى عذابه

فعمد إلى نحاس فصنع منه صورة ثور مجوف ثم حشاها نفطا ورصاصا وكبريتا وزرنيخا وأدخل جرجيس في وسطها ثم أوقد تحت الصورة النار حتى التهبت وذاب كل شيء فيها واختلط ومات جرجيس في جوفها

فلما مات أرسل الله ريحا عاصفا ورعدا وبرقا وسحابا مظلما وأظلم ما بين السماء والأرض وبقوا أياما متحيرين فأرسل الله ميكائيل فاحتمل تلك الصورة فلما أقلها ضرب بها الأرض ففزع من روعتها كل من سمعها وانكسرت وخرج منها جرجيس حيا

فلما وقف وكلمهم انكشفت الظلمة وأسفر ما بين السماء والأرض قال له عظيم من عظمائهم ادعوا الله بأن تحيي موتانا من هذه القبور

فأمر جرجيس بالقبور فنبشت وهي عظام رفات ثم دعا فما برحوا حتى نظروا إلى سبعة عشرة إنسانا تسعة رجال وخمسة نسوة وثلاث صبية وفيهم شيخ كبير فقال له جرجيس متى مت فقال في زمان كذا وكذا فإذا هو أربعمائة عام

فلما رأى ذلك الملك قال لم يبق من عذابكم شيء إلا وقد عذبتموه وأصحابه إلا الجوع والعطش فعذبوه به فعمدوا إلى بيت عجوز فقيرة وكان لها ابن أعمى أبكم مقعد فحصروه فيه فلا يصل إليه الطعام ولا الشراب فلما جاع قال للعجوز هل عندك طعام أو شراب قالت لا والذي يحلف به مالنا عهد بالطعام من كذا وكذا وسأخرج فالتمس لك شيئا فقال لها هل تعبدين الله قالت لا فدعاها فآمنت وانطلقت تطلب له شيئا وفي بيتها دعامة خشب يابسة تحمل خشب البيت فدعا الله فاخضرت تلك الدعامة وأنبتت كل فاكهة تؤكل وتعرف فظهر للدعامة فروع من فوق البيت تظله وما حوله وعادت العجوز وهو يأكل رغدا فلما رأت الذي في بيتها قالت آمنت بالذي أطعمك في بيت الجوع فادع هذا الرب العظيم أن يشفي ابني قال أدنيه مني فأدنته فبصق في عينيه فأبصر فنفث في أذنيه فسمع قالت له أطلق لسانه ورجليه قال لها أخريه فإن له يوما عظيما

ورأى الملك الشجرة فقال أرى شجرة ما كنت أعهدها قالوا تلك العجوز نبتت لذلك الساحر الذي أردت أن تعذبه بالجوع وقد شبع منها وأشبع العجوز وشفى لها ابنها

فأمر بالبيت فهدم وبالشجرة أن تقطع فلما هموا بقطعها أيبسها الله وتركوها وأمر بجرجيس فبطح على وجهه وأمر بعجل فاوقر اسطوانا وجعل في أسفل العجل خناجر وشفارا ثم دعا بأربعين ثورا فنهضت بالعجل نهضة واحدة وجرجيس تحتها فانقطع ثلاث قطع ثم أمر بقطعه فأحرقت حتى صارت رمادا وبعث الرماد من رجال فذروه في البحر فلم يبرحوا حتى سمعوا صوتا من السماء يا بحر إن الله يأمرك أن تحفظ ما فيك من هذا الجسد الطيب فإني أريد أن أعيده فأرسل الريح فجمعته كما كان قبل أن يذروه والذين ذروه قيام لم يبرحوا

وخرج جرجيس حيا مغبرا فرجعوا ورجع معهم وأخبروا خبر الصوت والرياح فقال له الملك هل لك فيما هو خير لي ولك ولولا أن يقال أنك غلبتني لآمنت بك ولكن اسجد لصنمي سجدة واحدة أو أذبح له شاة واحدة وأنا أفعل ما يسرك

فطمع جرجيس في إهلاك الصنم حين رآه وإيمان الملك عند ذلك فقال له أفعل خديعة منه وأدخلني على صنمك أسجد له وأذبح

فرح الملك بذلك وقبل يديه ورجليه وطلب منه أن يكون يومه وليلته عنده ففعل فأخلى له الملك بيتا ودخله جرجيس فلما جاء الليل قام يصلي ويقرأ الزبور وكان حسن الصوت فلما سمعته امرأة الملك استجابت له وآمنت به وكتمت إيمانها

فلما أصبح غدا به إلى بيت الأصنام ليسجد لها وقيل للعجوز إن جرجيس قد افتتن وطمع في الملك بعد الملك فخرجت تحمل ابنها على عاتقها في أغراضها توبخ جرجيس فلما دخل بيت الأصنام نظر فإذا العجوز وابنها أقرب الناس إليه فدعا ابنها فأجابه وما تكلم قبل ذلك قط ثم نزل عن عاتق أمه يمشي على قدميه سويين وما وطئ الأرض قط فلما وقف بين يدي جرجيس قال له ادع لي هذه الأصنام وهي على منابر من ذهب واحد وسبعون صنما وهم يعبدون الشمس والقمر معها فدعاها فأقبلت تتدحرج إليه فلما انتهت إليه ركض برجله الأرض فخسف بها وبمنابرها فقال له الملك يا جرجيس خدعتني وأهلكت أصنامي فقال له فعلت ذلك عمدا لتعتبر وتعلم أنها لو كانت آلهة لامتنعت مني

فلما قال هذا قالت امرأة الملك وأظهرت إسلامها وعددت عليهم أفعال جرجيس وقالت ما تنتظرون من هذا الرجل إلا دعوة فتهلكون كما هلكت أصنامكم فقال الملك ما أسرع ما أضلك هذا الساحر

ثم أمر فعلقت على خشبة ثم مشط لحمها بمشاط الحديد فلما آلمها العذاب قالت لجرجيس ادع الله أن يخفف عني الألم فقال انظري فوقك فنظرت فضحكت فقال لها الملك ما يضحكك قالت أرى على رأسي ملكين معهما تاج من حلي الجنة ينتظرون خروج روحي ليزيناني به ويصعدان بها إلى الجنة

فلما ماتت أقبل جرجيس على الدعاء وقال اللهم أكرمتني بهذا البلاء لتعطيني فضل منازل الشهداء وهذا آخر أيامي فأسألك أن تنزل بهؤلاء المنكرين من سطواتك وعقوبتك مالا قبل لهم به فأمطر الله عليهم النار فأحرقتهم فلما احترقوا بحرها عمدوا إليه فضربوه بالسيوف فقتلوه وهي القتلة الرابعة فلما احترقت المدينة بجميع ما فيها رفعت من الأرض وجعل عاليها سافلها فلبثت زمانا يخرج من تحتها دخان منتن وكان جميع من آمن به وقتل معه أربعة وثلاثين ألفا وامرأة الملك

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.