الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
60

ذكر يونس بن متى

الجزء الأول 1 عنصر صفحة 277
ص 277

وكان أمره من الأحداث أيام ملوك الطوائف

قيل لم ينسب أحد من الأنبياء إلى أمه إلا عيسى بن مريم ويونس بن متى وهي أمه وكان من قرية من قرى الموصل يقال لها نينوى وكان قومه يعبدون الأصنام فبعثه الله إليهم بالنهي عن عبادتها والأمر بالتوحيد فأقام فيهم ثلاثا وثلاثين سنة يدعوهم فلما يؤمن غير رجلين فلما أيس من إيمانهم دعا عليهم فقيل له ما أسرع ما دعوت على عبادي ارجع إليهم فادعهم أربعين يوما فدعاهم سبعة وثلاثين يوما فلم يجيبوه فقال لهم إن العذاب يأتيكم إلى ثلاثة أيام وآية ذلك أن ألوانكم تتغير

فلما أصبحوا تغيرت ألوانهم فقالوا قد نزل بكم ما قال يونس ولم نجرب عليه كذبا فانظروا فإن يبت فيكم فأمنوا من العذاب وإن لم يبت فاعلموا أن العذاب يصبحكم فلما كانت ليلة الأربعين أيقن يونس بنزول العذاب فخرج من بين أظهرهم فلما كان الغد تغشاهم العذاب فوق رؤوسهم خرج عليهم غيم أسود هائل يدخن دخانا شديدا ثم نزل إلى المدينة فاسودت منه سطوحهم فلما رأوا ذلك أيقنوا بالهلاك فطلبوا يونس فلم يجدوه فألهمهم الله التوبة فأخلصوا النية في ذلك وقصدوا شيخا وقالوا له قد نزل بنا ما ترى فما نفعل

قال آمنوا بالله وتوبوا وقولوا يا حي يا قيوم يا حي حين لاحي ويا حي محيي الموتى يا حي لا إله إلا أنت فخرجوا من القرية إلى مكان رفيع فيه براز من الأرض وفرقوا بين كل دابة وولدها ثم عجوا إلى الله واستقالوه وردوا المظالم جميعا حتى إن كان أحدهم ليقلع الحجر من بنائه فيرده إلى صاحبه فكشف الله عنهم العذاب وكان يوم عاشوراء يوم الأربعاء وقيل لنصف من شوال يوم الأربعاء وانتظر يونس الخبر عن القرية وأهلها حتى مر به مار فقال ما فعل أهل القرية فقال تابوا إلى الله فقبل منهم وأخر عنهم العذاب فغضب يونس عند ذلك فقال والله لا أرجع كذابا ولم تكن قرية رد الله عنهم العذاب بعدما غشيتهم إلا قوم يونس ومضى مغاضبا لربه وكان فيه حده وعجلة وقلة صبر ولذلك نهي النبي أن يكون مثله فقال الله تعالى ولا تكن كصاحب الحوت ولما مضى ظن أن الله لا يقدر عليه أي يقضي عليه العقوبة وقيل يضيق عليه الحبس فسار حتى ركب في سفينة فأصاب أهلها عاصف من الريح وقيل بل وقفت فلم تسر فقال من فيها هذا بخطيئة أحدكم فقال يونس هذا بخطيئتي فألقوني في البحر

فأبوا عليه حتى أفاضوا بسهامهم فساهم فكان من المدحضين فلم يلقوه وفعلوا ذلك ثلاثا ولم يلقوه فألقى نفسه في البحر وذلك تحت الليل فالتقمه الحوت فأوحى الله إلى الحوت أن يأخذه ولا يخدش له لحما ولا يكسر له عظما فأخذه وعاد إلى مسكنه من البحر فلما انتهى إليه سمع يونس حسا فقال في نفسه ما هذا فأوحى الله إليه في بطن الحوت إن هذا تسبيح دواب البحر فسبح وهو في بطن الحوت فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا ربنا نسمع صوتا ضعيفا بأرض غريبة فقال ذلك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر فقالوا العبد الصالح الذي كان يصعد له كل يوم عمل صالح فشفعوا له عند ذلك فنادى في الظلمات ظلمة البحر وظلمة بطن الحوت وظلمة الليل أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين وكان قد سبق له من العمل الصالح فأنزل الله فيه

فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون وذلك أن العمل الصالح يرفع صاحبه إذا عثر فنبذناه بالعراء وهو سقيم ألقي على جانب البحر وهو كالصبي المنفوس ومكث في بطن الحوت أربعين يوما وقيل عشرين يوما وقيل ثلاثة أيام وقيل سبعة أيام والله أعلم

وأنبت عليه شجرة من يقطين وهو القرع يتقطر إليه من اللبن وقيل هيأ الله له أروية وحشية فكانت ترضعه بكرة وعشية حتى رجعت إليه قوته وصار يمشي فرجع ذات يوم إلى الشجرة فوجدها قد يبست فحزن وبكى عليها فعاتبه الله وقيل له أتبكي وتحزن على شجرة ولا تحزن على مائة ألف وزيادة أردت أن تهلكهم

ثم إن الله أمره أن يأتي قومه فيخبرهم أن الله تاب عليهم فعمد إليهم فلقي راعيا فسأله عن قوم يونس فأخبره أنهم على رجاء أن يرجع إليهم رسولهم قال فأخبرهم أنك قد لقيت يونس قال لا أستطيع إلا بشاهد فسمى له عنزا من غنمه والبقعة التي كانا فيها وشجرة هناك وقال كل هذه تشهد لك

فرجع الراعي إلى قومه فأخبرهم أنه رأى يونس فهموا به فقال لا تعجلوا حتى أصبح فلما أصبح غدا بهم إلى البقعة التي لقي فيها يونس فاستنطقها فشهدت له وكذلك الشاه والشجرة وكان يونس قد اختفى هناك فلما شهدت الشاه قالت لهم إن أردتم نبي الله فهو بمكان كذا وكذا فأتوه فلما رأوه قبلوا يديه ورجليه وأدخلوه المدينة بعد امتناع فمكث مع أهله وولده أربعين يوما وخرج سائحا وخرج الملك معه يصحبه وسلم الملك إلى الراعي فأقام يدبر أمرهم أربعين سنة بعد ذلك ثم إن يونس أتاهم بعد ذلك

وقال ابن عباس وشهر بن حوشب كانت رسالة يونس بعد ما نبذه الحوت وقالا كذلك أخبر الله تعالى في سورة الصافات فإنه قال فنبذناه بالعراء وهو سقيم وأنبتنا عليه شجرة من يقطين وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون

وقال شهر إن جبريل أتى يونس فقال له انطلق إلى أهل نينوى فأنذرهم العذاب فإنه قد حضرهم قال ألتمس دابة قال الأمر أعجل من ذلك قال أتلمس حذاء قال الأمر أعجل من ذلك قال فغضب وانطلق إلى السفينة فركب فلما ركب احتبست قال فساهموا فسهم فجاءت الحوت فنودي الحوت إنا لم نجعل يونس من رزقك إنما جعلناك له حرزا فالتقمه الحوت وانطلق به من ذلك المكان حتى مر به على أبله ثم انطلق به على دجلة حتى ألقاه بنينوى

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.