الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / الكامل في التاريخ / الجزء الأول / ذكر ولادة المسيح عليه السلام ونبوته إلى أخر أمره
54

ذكر ولادة المسيح عليه السلام ونبوته إلى أخر أمره

الجزء الأول 4 عنصر صفحة 235
ص 235

كانت ولادة المسيح أيام ملوك الطوائف قالت المجوس كان ذلك بعد خمس وستين من غلبة الإسكندر على أرض بابل وبعد إحدى وخمسين سنة مضت من ملك الأشكانيين

وقالت النصارى إن ولادته كانت لمضي ثلثمائة وثلاث وستين سنة من وقت غلبة الإسكندر على أرض بابل وزعموا أن مولد يحيى كان قبل مولد المسيح بستة أشهر وأن مريم عليها السلام حملت بعيسى ولها ثلاث عشرة سنة وقيل خمس عشة وقيل عشرين وأن عيسى عاش إلى أن رفع اثنتين وثلاثين سنة وأياما وأن مريم عاشت بعده ست سنين فكان جميع عمرها إحدى وخمسين سنة وأن يحيى قتل قبل أن يرفع المسيح وأتت المسيح النبوة والرسالة وعمره ثلاثون سنة

وقد ذكرنا حال مريم في خدمة الكنيسة وكانت هي وابن عمها يوسف بن يعقوب بن ماثان النجار يليان خدمة الكنيسة وكان يوسف حكيما نجارا يعمل بيديه ويتصدق بذلك وقالت النصارى إن مريم كان قد تزوجها يوسف ابن عمها إلا أنه لم يقربها إلا بعد أن رفع المسيح والله أعلم

وكانت مريم إذا نفذ ماؤها وماء يوسف ابن عمها أخذ كل واحد منهما قلته وانطلق إلى المغارة التي فيها الماء يستعذبان منه ثم يرجعان إلى الكنيسة فلما كان اليوم الذي لقيها فيه جبريل نفذ ماؤها فقالت ليوسف ليذهب معها إلى الماء فقال عندي من الماء ما يكفيني إلى غد فأخذت قلتها وانطلقت وحدها حتى دخلت المغارة فوجدت جبرائيل قد مثله الله لها بشرا سويا فقال لها

يا مريم إن الله قد بعثني إليك لأهب لك غلاما زكيا قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا أي مطيعا لله وقيل هو اسم رجل بعينه وتحسبه رجلا قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا أي زانية قال كذلك قال ربك إلى قوله أمرا مقضيا

فلما قال ذلك استسلمت لقضاء الله فنفخ في جيب درعها ثم انصرف عنها وقد حملت بالمسيح وملأت قلتها وعادت وكان لا يعلم في أهل زمانها أعبد منها ومن ابن عمها يوسف النجار وكان معها وهو أول من أنكر حملها فلما رأت الذي بها استعظمته ولم يدر على ماذا يضع ذلك منها فإذا أراد أن يتهمها ذكر صلاحها وأنها لم تغب عنه ساعة قط وإذا أراد أن يبرئها رأى الذي بها فلما اشتد ذلك عليه كلمها فكان أول كلامه لها أن قال لها إنه قد وقع من أمرك شيء قد حرصت على أن أميته وأكتمه فغلبني فقلت قل قولا جميلا فقال حدثيني هل ينبت زرع بغير بذر قالت نعم قال فهل ينبت شجر بغير غيث يصيبه قالت نعم قال فهل يكون ولد بغير ذكر قالت له نعم ألم تعلم أن الله أنبت الزرع يوم خلقه بغير بذر ألم تعلم أن الله خلق الشجر من غير مطر وأنه جعل بتلك الغيث حياة للشجر بعد ما خلق كل واحدة منها وحده أو تقول لن يقدر الله على أن ينبت حتى يستعين بالبذر والمطر

قال يوسف لا أقول هكذا ولكني أقول إن الله يقدر على ما يشاء أنما يقول لذلك كن فيكون قالت له ألم تعلم أن الله خلق آدم وحواء من غير ذكر ولا أنثى قال بلى فلما قالت له ذلك وقع في نفسه أن الذي بها شيء من الله لا يسعه أن يسألها عنه لما رأى من كتمانها له وقيل أنها خرجت إلى جانب الحجرات لحيض أصابها فاتخذت من دونهم حجابا من الجدران فلما طهرت إذا برجل معها وذكر الآيات فلما حملت أتتها خالتها امرأة زكريا ليلة تزورها فلما فتحت لها الباب التزمتها فقالت امرأة زكريا إني حبلى فقالت لها مريم وأنا أيضا حبلى قالت امرأة زكريا فإني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك وولدت امرأة زكريا يحيى

وقد اختلفت في مدة حملها فقيل تسعة أشهر وهو قول النصارى وقيل ثمانية أشهر فكان ذلك آية أخرى لأنه لم يعش مولود لثمانية أشهر غيره وقيل ستة أشهر وقيل ثلاث ساعات وقيل ساعة واحدة وهو أشبه بظاهر القرآن العزيز لقوله تعالى فحملته فانتبذت به مكانا قصيا عقبه بالفاء

فلما أحست مريم خرجت إلى جانب المحراب الشرقي فأتت أقصاه فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت وهي تطلق من الحبل استحياء من الناس يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا تعني نسي ذكري وأثري فلا يرى لي أثر ولا عين

قالت مريم كنت إذا خلوت حدثني عيسى وحدثته فإذا كان عندنا إنسان سمعت تسبيحه في بطني فناداها جبرائيل من تحتها أي من أسفل الجبل ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا وهو النهر الصغير أجراه تحتها فمن قرأ من تحتها بكسر الميم جعل المنادى جبرائيل ومن فتحها قال إنه عيسى أنطقه الله وهزي إليك بجذع النخلة كان جذعا مقطوعا فهزته فإذا هو نخلة وقيل كان مقطوعا فلما أجهدها الطلق احتضنته فاستقام واخضر وأرطب فقيل لها وهزي إليك بجذع النخلة فهزته فتساقط الرطب فقال لها فكلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا ) وكان من صام في ذلك الزمان لا يتكلم حتى يمسي

فلما ولدته ذهب إبليس فأخبر بني إسرائيل أن مريم قد ولدت فأقبلوا يشتدون بدعوتها فأتت به قومها تحمله وقيل إن يوسف النجار تركها في مغارة أربعين يوما ثم جاء بها إلى أهلها فلما رأوها قالوا لها يا مريم لقد جئت شيئا فريا يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا فما بالك أنت وكانت من نسل هارون أخي موسى كذا قيل

قلت إنها ليست من هارون إنما هي من سبط يهوذا بن يعقوب من نسل سليمان بن داود وإنما كانوا يدعون بالصالحين وهارون من ولد لاوي بن يعقوب

قالت لهم ما أمرها الله به بعد ذلك فلما أرادوها بعد ذلك على الكلام فأشارت إليه فغضبوا وقالوا لسخريتها بنا أشد علينا من زناها قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا

فتكلم عيسى فقال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا فكان أول ما تكلم به العبودية ليكون أبلغ في الحجة على من يعتقد أنه إله وكان قومها قد أخذوا الحجارة ليرجموها فلما تكلم ابنها تركوها ثم لم يتكلم بعدها حتى كان بمنزلة غيره من الصبيان

وقال بنو إسرائيل ما أحبلها غير زكريا فإنه هو الذي كان يدخل عليها ويخرج من عندها فطلبوه ليقتلوه ففر منهم ثم أدركوه فقتلوه وقيل في سبب قتله غير ذلك وقد تقدم ذكره

وقيل إنه لما دنا نفاسها أوحى الله إليها أن اخرجي من أرض قومك فإنهم إن ظفروا بك عيروك وقتلوك وولدك

فاحتملها يوسف النجار بها إلى أرض مصر فلما وصلا إلى تخوم مصر أدركها المخاض فلما وضعت وهي محزونة قيل لها ألا تحزني الآية إلى إنسيا فكان الرطب يتساقط عليها وذلك في الشتاء وأصبحت الأصنام منكوسة على رؤوسها وفزعت الشياطين فجاؤوا إلى إبليس فلما رأى جماعتهم سألهم فأخبروه فقال قد حدث في الأرض حادث فطار عند ذلك وغاب عنهم فمر بالمكان الذي ولد فيه عيسى فرأى الملائكة محدقين به فعلم أن الحدث فيه ولم تمكنه الملائكة من الدنو من عيسى فعاد إلى أصحابه وأعلمهم بذلك وقال لهم ما ولدت امرأة إلا وأنا حاضر وإني لأرجو أن أضل به أكثر ممن يهتدي واحتملته مريم إلى أرض مصر فمكث اثنتي عشرة سنة تكتمه من الناس فكانت تلتقط السنبل والمهد في منكبيها

قلت والقول الأول في ولادته بأرض قومها للقرآن أصح لقول الله تعالى فأتت به قومها تحمله وقوله كيف نكلم من كان في المهد صبيا

وقيل إن مريم حملت المسيح إلى مصر بعد ولادته ومعها يوسف النجار وهي الربوة التي ذكرها الله تعالى وقيل الربوة دمشق وقيل بيت المقدس وقيل غير ذلك فكان سبب ذلك الخوف من ملك بني إسرائيل وكان من الروم واسمه هيردوس فإن اليهود أغروه بقتله فساروا إلى مصر وأقاموا بها اثنتي عشرة سنة إلى أن مات ذلك الملك وعادوا إلى الشام وقيل إن هيردوس لم يرد قتله ولم يسمع به إلا بعد رفعه وإنما خافوا اليهود عليه والله أعلم

ذكر نبوة المسيح وبعض معجزاته ص 239

لما كانت مريم بمصر نزلت على دهقان وكانت داره يأوي إليها الفقراء والمساكين فسرق له مال فلم يتهم المساكين فحزنت مريم فلما رأى عيسى حزن أمه قال أتريدين أن أدله على ماله قالت نعم قال إنه أخذه الأعمى والمقعد اشتركا فيه حمل الأعمى المقعد فأخذه فقيل للأعمى ليحمل المقعد فأظهر العجز فقال له المسيح كيف قويت على حمله البارحة لما أخذتما المال فاعترفا وأعاداه

ونزل بالدهقان أضياف ولم يكن عنده شراب فاهتم لذلك فلما رآه عيسى دخل بيتا للدهقان فيه صفان من جرار فأمر عيسى بيده على أفواهها وهو يمشي فامتلأت شرابا وعمره حينئذ اثنتا عشرة سنة وكان في الكتاب يحدث الصبيان بما يصنع أهلوهم وبما كانوا يأكلون قال وهب بينما عيسى يلعب مع الصبيان إذ وثب غلام على صبي فضربه على رجله فقتله فألقاه بين رجلي المسيح متلطخا بالدم فانطلقوا به إلى الحاكم في ذلك البلد فقالوا قتل صبيا فسأله الحاكم ما قتلته فأرادوا أن يبطشوا به فقال ائتوني بالصبي حتى أسأله من قتله فتعجبوا من قوله وأحضروا عنده القتيل فدعا الله فأحياه فقال من قتلك فقال قتلني فلان يعني الذي قتله فقال بنو إسرائيل للقتيل من هذا قال عيسى بن مريم ثم مات الغلام من ساعته

وقال عطاء سلمت مريم عيسى إلى الصباغ يتعلم عنده فاجتمع عند الصباغ ثياب وعرض له حاجة فقال للمسيح هذه ثياب مختلفة الألوان وقد جعلت في كل ثوب منها خيطا على اللون الذي يصبغ به فاصبغها حتى أعود من حاجتي

فأخذها المسيح وألقاها في جب واحد فلما عاد الصباغ سأله عن الثياب فقال صبغتها فقال أين هي قال في هذا الجب قال كلها قال نعم قال لقد أفسدتها على أصحابها وتغيظ عليه فقال له المسيح لا تعجل وانظر إليها وقام وأخرجها كل ثوب منها على اللون الذي أراد صاحبه فتعجب الصباغ منه وعلم أن ذلك من الله تعالى

ولما عاد عيسى وأمه إلى الشام نزلوا بقرية يقال لها ( ناصرة ) وبها سميت النصارى فأقام إلى أن بلغ ثلاثين سنة فأوحى الله إليه أن يبرز للناس ويدعوهم إلى الله تعالى ويداوي المرضى والزمنى والأكمه والأبرص وغيرهم من المرضى ففعل ما أمر به وأحبه الناس وكثر أتباعه وعلا ذكره

وحضر يوما طعام بعض الملوك وكان دعا الناس إليه فقعد على قصعة يأكل منها ولا تنقص فقال الملك من أنت قال أنا عيسى بن مريم فنزل الملك عن ملكه واتبعه نفر من أصحابه فكانوا الحواريين

وقيل إن الحواريين هم الصباغ الذي تقوم ذكره وأصحاب له وقيل كانوا صيادين وقيل قصارين وقيل ملاحين والله أعلم وكانت عدتهم اثني عشر رجلا وكانوا إذا جاعوا أو عطشوا قالوا يا روح الله قد جعنا وعطشنا فيضرب يده إلى الأرض فيخرج لكل انسان منهم رغيفان وما يشربون فقالوا من أفضل منا إذا شئنا أطعمتنا وسقيتنا فقال أفضل منكم من يأكل من كسب يده فصاروا يغسلون الثياب بالأجرة

ولما أرسله الله أظهر من المعجزات أنه صور من الطين صورة طائر ثم نفخ فيه فيصير طائرا بإذن الله قيل هو الخفاش وكان غالب على زمانه الطب فأتاهم بما أبرأ الأكمه والأبرص وأحيا الموتى تعجيزا لهم فممن أحياه عازر وكان صديقا لعيسى فمرض فارسلت أخته إلى عيسى أن عازر يموت فسار إليه وبينهما ثلاثة أيام فوصل إليه وقد مات منذ ثلاثة أيام فأتى قبره فدعا له فعاش وبقي حتى ولد له

وأحيا امرأة وعاشت وولد لها وأحيا سام بن نوح كان يوما مع الحواريين يذكر نوحا والغرق والسفينة فقالوا لو بعثت لنا من شهد ذلك فأتى تلا وقال هذا قبر سام بن نوح ثم دعا الله فعاش وقال قد قامت القيامة فقال المسيح لا ولكن دعوت الله فأحياك فسألوه فأخبرهم ثم عاد ميتا وأحيا عزيرا النبي قال له بنو إسرائيل أحي لنا عزيرا وإلا أحرقناك فدعا الله فعاش فقالوا ما تشهد لهذا الرجل قال أشهد أنه عبد الله ورسوله وأحيا يحيى بن زكريا وأحيا غير من ذكرناه وكان يمشي على الماء

ذكر نزول المائدة ص 241

وكان من المعجزات العظيمة نزول المائدة وسبب ذلك أن الحواريين قالوا له يا عيسى هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء فدعا عيسى فقال اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا

فأنزل الله المائدة عليها خبز ولحم يأكلون منها ولا تنفذ فقال لهم إنها مقيمة ما لم تدخروا منها فمضى يومهم حتى ادخروا وقيل أقبلت الملائكة تحمل المائدة عليها سبعة أرغفة وسبعة أحوات حتى وضعوها بين أيديهم فأكل منها آخر الناس كما أكل أولهم وقيل كان عليها من ثمار الجنة وقيل كانت تمد بكل طعام إلا اللحم وقيل كانت سمكة فيها طعم كل شيء فلما أكلوا منها وهم خمسة آلاف وزادت حتى بلغ الطعام ركبهم قالوا نشهد أنك رسول الله ثم تفرقوا فتحدثوا بذلك فكذب به من لم يشهده وقالوا سحر أعينكم فافتتن بعضهم وكفر فمسخوا خنازير ليس فيهم امرأة ولا صبي فبقوا ثلاثة أيام ثم هلكوا ولم يتوالدوا

وقيل كانت المائدة سفرة حمراء تحتها غمامة وفوقها غمامة وهم ينظرون إليها تنزل حتى سقطت بين أيديهم فبكى عيسى وقال اللهم اجعلني من الشاكرين اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها مثلة ولا عقوبة واليهود ينظرون إلى شيء لم يروا مثله ولم يجدوا ريحا أطيب من ريحها

فقال شمعون يا روح الله أمن طعام الدنيا أم من طعام الجنة فقال المسيح لا من طعام الدنيا ولا من طعام الأخرة إنما هو شيء خلقه الله بقدرته فقال لهم كلوا مما سألتم فقالوا له كل أنت يا روح الله فقال معاذ الله أن آكل منها فلم يأكل ولم يأكلوا منها فدعا المرضى والزمنى والفقراء فأكلوا منها وهم ألف وثلثمائة فشبعوا وهي بحالها لم تنقص فصح المرضى والزمنى واستغني الفقراء ثم صعدت وهم ينظرون إليها حتى توارت وندم الحواريون حيث لم يأكلوا منها

وقيل إنها نزلت أربعين يوما كانت تنزل يوما وتنقطع يوما وأمر الله عيسى أن يدعو إليها الفقراء دون الأغنياء ففعل ذلك فاشتد على الأغنياء وجحدوا نزولها وشكوا في ذلك وشككوا غيرهم فيها فأوحى الله إلى عيسى إني شرطت أن أعذب المكذبين عذابا لا أعذب به أحد من العالمين فمسخ منهم ثلثمائة وثلاثة وثلاثين رجلا فاصبحوا خنازير فلما رأى الناس ذلك فزعوا إلى عيسى وبكوا وبكى عيسى على الممسوخين فلما أبصرت الخنازير عيسى بكوا وطافوا به وهو يدعوهم بأسمائهم ويشيرون برؤوسهم ولا يقدرون على الكلام فعاشوا ثلاثة أيام ثم هلكوا

ذكر رفع السيد المسيح إلى السماء ونزوله على أمه وعوده إلى السماء ص 242

قيل إن عيسى استقبله ناس من اليهود فلما رأوه قالوا قد جاء الساحر ابن الساحرة الفاعل ابن الفاعلة وقذفوه وأمه فسمع ذلك ودعا عليهم فاستجاب الله دعاءه ومسخهم خنازير فلما رأى ذلك رأس بني إسرائيل فزع وخاف وجمع كلمة اليهود على قتله فاجتمعوا عليه فسألوه فقال يا معشر اليهود إن الله يبغضكم فغضبوا من مقالته وثاروا إليه ليقتلوه فبعث الله إليه جبريل فأدخله في خوخة إلى بيت فيها روزنة في سقفها فرفعه إلى السماء من تلك الروزنة فأمر رأس اليهود رجلا من أصحابه اسمه نطليانوس أن يدخل إليه فيقتله فدخل فلم ير أحدا وألقى الله عليه شبه المسيح فخرج إليهم فظنوه عيسى فقتلوه وصلبوه

وقيل إن عيسى قال لأصحابه أيكم يحب أن يلقى عليه شبهي وهو مقتول

فقال رجل منهم أنا يا روح الله فألقى الله عليه شبهه فقتل وصلب وقيل أن الذي شبه بعيسى وصلب رجل إسرائيلي اسمه يوشع أيضا

وقيل لما أعلم الله المسيح أنه خارج من الدنيا جزع من الموت فدعا الحواريين فصنع لهم طعاما فقال احضروني الليلة فإن لي إليكم حاجة

فلما اجتمعوا عشاهم وقام يخدمهم فلما فرغوا أخذ يغسل أيديهم بيده ويمسحها بثيابه فتعاظموا ذلك وكرهوه فقال من يرد علي الليلة شيئا مما أصنع فليس مني فأقروه حتى فرغ من ذلك ثم قال أما خدمتكم على الطعام وغسلت أيديكم بيدي فليكن بي أسوة فلا يتعاظم بعضكم على بعض وأما حاجتي التي أستعينكم عليها فتدعون الله لي وتجتهدون في الدعاء أن يؤخر أجلي فلما نصبوا أنفسهم للدعاء أخذهم النوم حتى ما يستطيعون الدعاء فجعل يوقظهم ويقول سبحان الله ما تصبرون لي ليلة قالوا والله ما ندري ما لنا لقد كنا نسمر فنكثر السمر وما نقدر عليه الليلة وكلما نريد الدعاء حيل بيننا وبينه فقال يذهب بالراعي ويفترق الغنم وجعل ينعى نفسه ثم قال ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك ثلاث مرات وليبيعني أحدكم بدارهم يسيرة وليأكلن ثمني فخرجوا وتفرقوا وكانت اليهود تطلبه فأخذوا شمعون أحد الحواريين وقالوا هذا صاحبه

واختلف العلماء في موته قبل رفعه إلى السماء فقيل رفع ولم يمت وقيل توفاه الله ثلاث ساعات ثم أحياه ورفعه ولما رفع إلى السماء قال الله له انزل فلما قالوا لشمعون عن المسيح جحد وقال ما أنا صاحبه فتركوه وفعلوا ذلك ثلاثا فلما سمع صياح الديك بكى وأحزنه ذلك

وأتى أحد الحواريين إلى اليهود فدلهم على المسيح وأعطوه ثلاثين درهما فأتى معهم إلى البيت الذي فيه المسيح فدخله فرفع الله المسيح وألقى شبهه على الذي دلهم عليه فأخذوه وأوثقوه وقادوه وهم يقولون له أنت كنت تحيي الموتى وتفعل كذا وكذا فهلا تنجي بنفسك وهو يقول أنا الذي دللتكم عليه فلم يصغوا إلى قوله ووصلوا به إلى الخشبة وصلبوه عليها

وقيل إن اليهود لما دلهم عليه الحواري اتبعوه وأخذوه من البيت الذي كان فيه ليصلبوه فاظلمت الأرض وأرسل الله ملائكة فحالوا بينهم وبينه وألقى شبه المسيح على الذي دلهم عليه فأخذوه وليصلبوه فقال أنا الذي دللتكم عليه فلم يلتفتوا إليه فقتلوه وصلبوه عليها

ورفع الله المسيح إليه بعد أن توفاه ثلاث ساعات وقيل سبع ساعات ثم أحياه ورفعه ثم قال له انزل إلى مريم فإنه لم يبك عليك أحد بكاءها ولم يحزن أحد حزنها فنزل عليها بعد سبعة أيام فاشتعل الجبل حين هبط نورا وهي عند المصلوب تبكي ومعها امرأة كان أبرأها من الجنون فقال ما شأنكما تبكيان قالتا عليك قال إني رفعني الله إليه ولم يصبني إلا خير وإن هذا شيء شبه لهم وأمرها فجمعت له الحواريين فبثهم الله في الأرض رسلا عن الله وأمرهم أن يبلغوا عنه ما أمره الله به ثم رفعه الله إليه وكساه الريش وألبسه النور وقطع عنه لذة المطعم والمشرب وطار مع الملائكة فهو معهم فصار إنسيا ملكيا سماويا أرضيا فتفرق الحواريون حيث أمرهم فتلك الليلة التي أهبط الله فيها هي التي تدخن فيها النصارى

وتعدى اليهود على بقية الحواريين يعذبوهم ويشتمونهم فسمع بذلك ملك الروم واسمه هيردوس وكانوا تحت يده وكان صاحب وثن فقيل له إن رجلا كان في بني إسرائيل وكان يفعل الآيات من إحياء الموتى وخلق الطير من الطين والإخبار عن الغيوب فعدوا عليه فقتلوه وكان يخبرهم أنه رسول الله فقال الملك ويحكم ما منعكم أن تذكروا هذا من أمره فوالله لو علمت ما خليت بينهم وبينه

ثم بعث إلى الحواريين فانتزعهم من أيدي اليهود وسألهم عن دين عيسى فأخبروه وتابعهم على دينهم واستنزل المصلوب الذي شبه لهم فغيبه وأخذ الخشبة التي صلب عليها فأكرمها وصانها وعدا على بني إسرائيل فقتل منهم قتلى كثيرة فمن هناك كان أصل النصرانية في الروم

وقيل كان هذا الملك هيردوس ينوب عن ملك الروم الأعظم الملقب قيصر واسمه طيباريوس وكان هذا يسمى ملكا وكان ملك طيباريوس ثلاثا وعشرين سنة منها إلى ارتفاع المسيح ثماني عشرة سنة وأياما

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.