الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / الكامل في التاريخ / الجزء الأول / ذكر الخبر عن منوجهر والحوادث في أيامه
24

ذكر الخبر عن منوجهر والحوادث في أيامه

الجزء الأول 1 عنصر صفحة 125
ص 125

ثم ملك افريدون بن أثغيان بن كاو منوجهر وهو من ولد ايرج بن افريدون وكان مولده بدنباوند وقيل بالري فلما ولد منوجهر أخفى أمره خوفا من طوج وسلم عميه ولما كبر منوجهر سار إلى جده افريدون فتوسم فيه الخير وجعل له ما كان جعله لجده إيرج من المملكة وتوجه بتاجه وقد زعم بعضهم أن منوجهر بن شجر بن إفريقش بن إسحاق بن إبراهيم انتقل إليه الملك واستشهد بقول جرير بن عطية

( وأبناء إسحاق الليوث إذا ارتدوا % حمائل موت لابسين السنورا )

( إذا انتسبوا عدوا الصبهبد منهم % وكسرى وعدوا الهرمزان وقيصرا )

( وكان كتاب فيهم ونبوة % وكانوا باصطخر الملوك وتسترا )

( فيجمعنا والغر أبناء فارس % أب لا يبالي بعده من تأخرا )

( أبونا خليل الله والله ربنا % رضينا بما أعطى الاله وقدرا )

وأما الفرس فتنكر هذا النسب ولا تعرف لها ملكا إلا في أولاد أفريدون ولا تقر بالملك لغيره

قلت والحق ما قاله الفرس فان أسماء ملوكهم قبل الاسكندر معروفة وبعد أيامه ملوك الطوائف وإذا كان منوجهر أيام موسى وكل ما بين موسى وإسحاق خمسة آباء معروفون ولم يزالوا بمصر ففي أي زمان كثروا وانتشروا وملكوا بلاد الفرس ومن أين لجرير هذا العلم حتى يكون قوله حجة لا سيما وقد جعل الجميع أبناء إسحاق

قال هشام بن الكلبي ملك طوج وسلم الأرض بعد أخيهما ايرج ثلثمائة سنة ثم ملك منوجهر مائة وعشرين سنة ثم وثب به ابن لطوج التركي على رأس ثمانين سنة فنفاه بعد ذلك ثمانيا وعشرين سنة

وكان منوجهر يوصف بالعدل والاحسان وهو أول من خندق الخنادق وجمع آلة الحرب وأول من وضع الدهقنة فجعل لكل قرية دهقانا وأمر أهلها بطاعته ويقال أن موسى ظهر في سنة ستين من ملكه وقال غير هشام أنه لما ملك سار نحو بلاد الترك طالبا بدم جده ايرج بن افريدون فقتل طوج بن افريدون وأخاه سلما ثم أن افراسياب بن فشنج بن رستم بن ترك الذي ينسب إليه الأتراك من ولد طوج بن افريدون حارب منوجهر بعد قتله طوج بستين سنة وحاصره بطبرستان ثم اصطلحا أن يجعلا حد ما بين ملكيهما رمية سهم رجل من أصحاب منوجهر اسمه ايرشي وكان راميا شديد النزع فرمى سهما من طبرستان فوقع بنهر بلخ وصار النهر حد ما بين الترك ولد طوج وعمل منوجهر

قلت وهذا من أعجب ما يتداوله الفرس في أكاذيبهم أن رمية سهم تبلغ هذا كله

وقد ذكر أن منوجهر اشتق من الفرات ودجلة ونهر بلخ أنهارا عظاما وأمر بعمارة الأرض وقيل إن الترك تناولت من أطراف رعيته بعد خمس وثلاثين سنة من ملكه فوبخ قومه وقال لهم أيها الناس إنكم لم تلدوا الناس كلهم وأنما الناس ناس ما ناضلوا عن أنفسهم ودفعوا العدو عنهم وقد نالت الترك من أطرافكم وليس ذلك إلا بترككم جهاد عدوكم وإن الله أعطانا هذا الملك ليبلونا أنشكر أم نكفر فيعاقبنا فإذا كان غد فاحضروا فحضر الناس والاشراف فقام على قدميه فقام له الناس فقال اقعدوا إنما قمت لأسمعكم فجلسوا فقال

أيها الناس إنما الخلق للخالق والشكر للمنعم والتسليم للقادر ولا بد مما هو كائن وأنه لا أضعف من مخلوق طالبا كان أو مطلوبا ولا أقوى من خالق ولا أقدر ممن طلبته في يده ولا أعجز ممن هو في يده طالبا وإن التفكر نور والغفلة ظلمة فالضلالة جهالة وقد ورد الأول ولا بد للآخر من اللحاق بالأول إن الله أعطانا هذا الملك فله الحمد ونسأله الهام الرشد والصدق واليقين وأنه لا بد أن يكون للملك على أهل مملكته حق ولأهل مملكته عليه حق فحق الملك عليهم أن يطيعوه ويناصحوه ويقاتلوا عدوه وحقهم على الملك أن يعطيهم أرزاقهم في أوقاتها إذ لا معول لهم إلا عليها وأنه خازنهم وحق الرعية على الملك أن ينظر إليهم ويرفق بهم ولا يحملهم على ما لا يطيقون وإن أصابتهم مصيبة أو تنقص من ثمارهم أن يسقط عنهم خراج ما نقص وأن اجتاحتهم مصيبة أن يعوضهم ما يقويهم على عمارتهم ثم يأخذ منهم بعد ذلك قدر ما لا يجحف بهم في سنة أو سنتين ألا وإن الملك ينبغي أن يكون فيه ثلاث خصال أن يكون صديقا لا يكذب وأن يكون سخيا لا يبخل وأن يملك نفسه عند الغضب فإنه مسلط ويده مبسوطة والخراج يأتيه فلا يستأثر على جنده ورعيته بما هم أهل له وأن يكثر العفو فإنه لا ملك أقوى ولا أبقى من ملك فيه العفو فإن الملك أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة ألا وإن الترك قد طمعت فيكم فاكفونا فإنما تكفون أنفسكم وقد أمرت لكم بالسلاح والعدة وأنا شريككم في الرأي وإنما لي من هذا الملك اسمه مع الطاعة منكم وإنما الملك ملك إذا أطيع فإن خولف فهو مملوك وليس بملك ألا وإن أكمل الاداة عند المصيبات الأخذ بالصبر والراحة إلى اليقين فمن قتل في مجاهدة العدو رجوت له بفوز رضوان الله وإنما هذه الدنيا سفر لأهلها لا يحلون عقد الرحال إلا في غيرها وهي خطبة طويلة

ثم أمر بالطعام فأكلوا وشربوا وخرجوا وهم له شاكرون مطيعون وكان ملكه مائة وعشرين سنة

وزعم ابن الكلبي أن الرائش واسمه الحرث بن قيس بن صيفي بن سبا بن يعرب بن قحطان وكان قد ملك اليمن بعد يعرب بن قحطان كان ملكه باليمن أيام ملك منوجهر وإنما سمي الرائش لغنيمة غنمها فادخلها اليمن فسمي الرائش ثم غزا الهند فقتل بها وأسر وغنم ورجع إلى اليمن ثم سار على جبلي طيئ ثم على الانبار ثم على الموصل ووجه منها خيله وعليها رجل من أصحابه يقال له شمر بن العطاف فدخل على الترك بأرض أذربيجان فقتل المقاتلة وسبى الذرية وكتب ما كان من مسيرة على حجرين وهما معروفان باذربيجان

ثم ملك بعده ابنه ابرهة ولقبه ذو المنار وإنما لقب بذلك لأنه غزا بلاد المغرب وأوغل فيها برا وبحرا وخاف على جيشه الضلال عند قفوله فبنى المنار ليهتدوا وقد زعم أهل اليمن أنه وجه ابنه العيد بن ابرهة في غزواته إلى ناحية من أقاصي المغرب فغنم وقد بسبي له وحشة منكرة فذعر الناس منهم فسمي ذو الأذعار فابرهة أحد ملوكهم الذين توغلوا في البلاد

وإنما ذكرت من ذكرت من ملوك اليمن ههنا لقول من زعم أن الرائش كان أيام منوجهر وأن ملوك اليمن كانوا عمالا لملوك فارس

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.