الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
21

ذكر قصة يوسف عليه السلام

الجزء الأول 1 عنصر صفحة 103
ص 103

ذكروا أن إسحاق توفي وعمره ستون ومائة سنة وقبره عند أبيه إبراهيم قبره ابناء يعقوب وعيص في مرزعة جيرون وكان عمر يعقوب مائة وسبعا وأربعين سنة وكان ابنه يوسف قد قسم له ولأمه شطر الحسن وكان يعقوب قد دفعه إلى أخته ابنة إسحاق تحضنه فأحبته حبا شديدا وأحبه يعقوب أيضا حبا شديدا فقال لأخته يا أخية سلمي إلي يوسف فوالله ما أقدر أن يغيب عني ساعة فقالت والله ما أنا بتاركته ساعة فأصر يعقوب على أخذه منها فقالت أتركه عندي أياما لعل ذلك يسليني ثم عمدت إلى منطقة إسحاق وكانت عندها لانها كانت أكبر ولده فحزمتها على وسط يوسف ثم قالت قد فقدت المنطقة فانظروا من أخذها فالتمست فقالت اكشفوا أهل البيت فكشفوهم فوجدوها مع يوسف وكان من مذهبهم ان صاحب السرقة يأخذ السارق له لا يعارضه فيه أحد فأخذت يوسف فأمسكته عندها حتى ماتت وأخذه يعقوب بعد موتها فهذا الذي تأول اخوة يوسف ( أن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ) وقيل في سرقته غير هذا وقد تقدم

فلما رأى أخوة يوسف محبة أبيهم له وإقباله عليه حسدوه وعظم عندهم

ثم إن يوسف رأى في منامه كأن أحد عشر كوكبا والشمس والقمر تسجد له فقصها على أبيه وكان عمره حينئذ اثنتي عشر سنة فقال له أبوه يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين ثم عبر له رؤياه فقال وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث وسمعت امرأة يعقوب ما قال يوسف لأبيه فقال لها يعقوب اكتمي ما قال يوسف ولا تخبري أولادك قالت نعم فلما أقبل أولاد يعقوب من الرعي أخبرتهم بالرؤيا فازدادوا حسدا وكراهة له وقالوا ما عني بالشمس غير أبينا ولا بالقمر غيرك ولا بالكواكب غيرنا إن ابن راحيل يريد أن يمتلك علينا ويقول أنا سيدكم وتآمروا بينهم أن يفرقوا بينه وبين أبيه وقالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين في خطأ بين في إيثارهما علينا اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين أي تائبين فقال قائل منهم وهو يهوذا وكان أفضلهم وأعقلهم لا تقتلوا يوسف فإن القتل عظيم وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة وأخذ عليهم العهد أنهم لا يقتلونه فأجمعوا عند ذلك أن يدخلوا على يعقوب ويكلموه في إرسال يوسف معهم إلى البرية وأقبلوا إليه ووقفوا بين يديه وكذلك كانوا يفعلون إذا أرادوا منه حاجة فلما رآهم قال ما حاجتكم قالوا يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون نحفظه حتى نرده أرسله معنا إلى الصحراء يرتع ويلعب وإنا له لحافظون فقال لهم يعقوب إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون لا تشعرون

وإنما قال لهم ذلك لأنه كان رأى في منامه كان يوسف على رأس جبل وكأن عشرة من الذئاب قد شدوا عليه ليقتلوه وإذا ذئب منها يحمي عنه وكأن الأرض انشقت فذهب فيها فلم يخرج منها إلا بعد ثلاثة أيام فلذلك خاف عليه الذئب فقال له بنوه لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون

فلما سمع يعقوب ذلك اطمأن قلبه إليهم فقال يوسف يا أبت ارسلني معهم قال أوتحب ذلك قال نعم فاذن له فلبس ثيابه وخرج معهم وهم يكرمونه فلما برزوا إلى البرية اظهروا له العداوة وجعل بعض أخوته يضربه فيستغيث بالآخر فيضربه فجع لا يرى منهم رحيما فضربوه حتى كادوا يقتلونه وجعل يصيح يا أبتاه يا يعقوب لو تعلم ما يصنع بابنك بنو الاماء كادوا يقتلون قال لهم يهوذا أليس قد أعطيتموني موثقا أن لا تقتلوه فانطلقوا به إلى الجب فأوثقوه كتافا ونزعوا قميصه والقوه فيه فقال يا أخوتاه ردوا علي قميصي أتوارى به في الجب فقال ادع الشمس والقمر والاحد عشر كوكبا يؤانسونك قال إني لم أر شيئا فدلوه في الجب فلما بلغ نصفه ألقوه وأرادوا أن يموت وكان في البئر ماء فسقط فيه ثم أوى إلى صخرة فأقام عليها ثم نادوه فظن أنهم قد رحموه فأجابهم فأرادوا أن يرضخوه بالحجارة فمنعهم يهوذا ثم أوحى الله إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون بالوحي

وقيل لا يشعرون أنه يوسف والجب بأرض بيت المقدس معروف

ثم عادوا إلى أبيهم عشاء يبكون فقالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب فقال لهم أبوهم بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل ثم قال لهم أروني قميصه فأروه فقال تالله ما رأيت ذئبا أحلم من هذا أكل ابني ولم يشق قميصه ثم صاح وخر مغشيا عليه ساعة فلما أفاق بكى بكاء طويلا فأخذ القميص يقبله ويشمه

وأقام يوسف في الجب ثلاثة أيام وأرسل الله ملكا فحل كتافه ثم جاءت سيارة فأرسلوا واردهم وهو الذي يتقدم إلى الماء فأدلى دلوه إلى البئر فتعلق به يوسف فأخرجه من الجب وقال يا بشرى هذا غلام أي تباشروا وقيل بشرى اسم غلام وأسروه بضاعة يعني الوارد وأصحابه خافوا أن يقول اشتريناه فيقول الرفقة أشركونا فيه فقال إن أهل الماء استبضعونا هذا الغلام وجاء يهوذا بطعام ليوسف فلم يره في الجب فنظر فرآه عند مالك في المنزل فاخبر اخوته بذلك فاتوا مالكا وقالوا هذا عبد ابق منا وخافهم يوسف فلم يذكر حاله واشتروه من اخوته بثمن بخس قيل عشرون درهما وقيل اربعون درهما وذهبوا به إلى مصر فكساه مالك وعرضه للبيع فاشتراه قطفير وقيل اظفير وهو العزيز وكان على خزائن مصر والملك يومئذ الريان بن الوليد رجل من العمالقة قيل إن هذا الملك لم يمت حتى آمن بيوسف ومات ويوسف حي وملك بعده قابوس بن مصعب فدعاه يوسف فلم يؤمن

فلما اشترى يوسف وأتى به إلى منزله قال لامرأته واسمها راعيل أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا إذا فهم الأمور بعض ما نحن بسبيله أو نتخذه ولدا وكان لا يأتي النساء وكانت أمرأته حسناء ناعمة في ملك ودنيا

فلما خلا من عمر يوسف ثلاث وثلاثون سنة آتاه الله العلم والحكمة قبل النبوة وراودته راعيل عن نفسه وأغلقت الأبواب عليه وعليها ودعته إلى نفسها قال معاذ الله إنه ربي يعني أن زوجك سيدي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون يعني إن خيانته ظلم

وجعلت تذكر محاسنه وتشوقه إلى نفسها فقالت له يا يوسف ما أحسن شعرك قال هو أول ما ينتثر من جسدي قال يا يوسف ما أحسن عينيك قال هي أول ما يسيل من جسدي قالت ما أحسن وجهك قال هو للتراب

فلم تزل به حتى همت وهم بها وذهب ليحل سراويله فإذا هو بصورة يعقوب قد عض على اصبعه يقول يا يوسف أتواقعها إنما مثلك ما لم تواقعها مثل الطير في جو السماء لا يطاق ومثلك إذا واقعتها مثله إذا مات وسقط إلى الأرض وقيل جلس بين رجليها فرأى في الحائط ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا فقام حين رأى برهان ربه هاربا يريد الباب فأدركته قبل خروجه من الباب فجذبت قميصه من قبل ظهره فقدته وألفيا سيدها لدى الباب وابن عمها معه فقالت له ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن قال يوسف بل هي راودتني عن نفسي فهربت منها فادركتني فقدت قميصي قال لها ابن عمها تبيان هذا في القميص فإن كان قد من قبل فصدقت وإن كان قد قد من دبر فكذبت فأتى بالقميص فوجده قد من دبر فقال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم

وقيل كان الشاهد صبيا في المهد قال ابن عباس تكلم أربعة تكلم أربعة في المهد وهم صغار ابن ماشطة امرأة فرعون وشاهد يوسف وصاحب جريج وعيسى بن مريم

وقال زوجها ليوسف أعرض عن هذا أي ذكر ما كان منها فلا تذكره لأحد ثم قال لزوجته واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين

وتحدث النساء بأمر يوسف وامرأة العزيز وبلغ ذلك امرأة العزيز أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكأ يتكئن على وسائد وحضرن وقدمت لهن أترنجا وأعطت كل واحدة منهن سكينا لقطع الأترنج وقد أجلست يوسف في غير المجلس الذي هن فيه وقالت له اخرج عليهن فخرج فلما رأينه أكبرنه وأعظمنه وقطعن أيديهن بالسكاكين ولا يشعرون وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم فلما حل بهن ما حل من قطعهن أيديهن وذهاب عقولهن وعرفن خطأهن فيما قلن أقرت على نفسها وقالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين فاختار يوسف السجن على معصية الله فقال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن

ثم بدا للعزيز من بعد ما رأى الآيات من القميص وخمش الوجه وشهادة الطفل وتقطيع النسوة أيديهن في ترك يوسف مطلقا وقيل إنها شكت إلى زوجها وقالت إن هذا العبد قد فضحني في الناس يخبرهم إنني راودته عن نفسه فسجنه سبع سنين

فلما حبس يوسف أدخل معه فتيان من أصحاب فرعون مصر أحدهما صاحب طعامه والآخر صاحب شرابه لأنهما نقل عنهما أنهما يريدان أن يسما الملك

فلما دخل يوسف السجن قال إني أعبر الأحلام فقال أحد الفتيين للآخر هلم فلنجربه قال الخباز إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه وقال الآخر إني أراني أعصر خمرا فقال لهما يوسف لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما كره أن يعبر لهما ما سألاه عنه وأخذ في عير ذلك وقال يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار

وكان اسم الخباز مجلت واسم الآخر نبو فلم يدعاه حتى أخبرهما بتأويل ما سألاه عنه فقال أما أحدكما وهو الذي رأى أنه يعصر الخمر فيسقي ربه خمرا يعني سيده الملك وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه

فلما عبر لهما قالا ما رأينا شيئا قال قضى الأمر الذي فيه تستفتيان ثم قال لنبو وهو الذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك الملك وأخبره أني محبوس ظلما فانساه الشيطان ذكر ربه غفلة عرضت ليوسف من قبل الشيطان فأوحى الله إليه يا يوسف اتخذت من دوني وكيلا لاطيلن حبسك فلبث في السجن سبع سنين

ثم إن الملك وهو الريان بن الوليد بن الهروان بن إراشة بن قاران بن عمرو بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح رأى رؤية هائلة رأى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف ورأى سبع سنبلات خضر وأخر يابسات فجمع السحرة والكهنة والحازة والعافة فقصها عليهم فقالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أي حين أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون

فأرسلوه إلى يوسف فقص عليه الرؤيا فقال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون فإن البقر السمان سنون مخاصيب والبقرات العجاف السنون المحول وكذلك السنبلات الخضر واليابسات فعاد بنو إلى الملك فأخبره فعلم أن قول يوسف حق فقال أئتوني به

فلما أتاه الرسول ودعاه إلى الملك لم يخرج معه وقال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن فلما رجع الرسول من عند يوسف سأل الملك أولئك النسوة فقلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء ولكن امرأة العزيز خبرتنا أنها راودته عن نفسه فقالت امرأة العزيز أنا راودته عن نفسه فقال يوسف إنما رددت الرسل ليعلم سيدي أني لم أخنه بالغيب في زوجته فلما قال ذلك قال له جبرائيل ولا حين هممت بها فقال يوسف وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء

فلما ظهر للملك براءة يوسف وأمانته قال ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما جاءه الرسول خرج معه ودعا لأهل السجن وكتب على بابه هذا قبر الأحياء وبيت الأحزان وتجربة الأصدقاء وشماتة الأعداء

ثم اغتسل ولبس ثيابه وقصد الملك فلما وصل إليه وكلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين فقال يوسف اجعلني على خزائن الأرض فاستعمله بعد سنة ولو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته فسلم خزائنه كلها إليه بعد سنة وجعل القضاء إليه وحكمه نافذا ورد إليه عمل قطفير سيده بعد أن هلك وكان هلاكه في تلك الليالي وقيل بل عزله فرعون وولى يوسف عمله والأول أصح لأن يوسف تزوج امرأته على ما نذكر

ولما ولي يوسف عمل مصر دعا الملك الريان إلى الإيمان فآمن ثم توفي

ثم ملك بعده مصر قابوس بن مصعب بن معاوية بن نمير بن السلواس بن قاران بن عمرو بن عملاق فدعاه يوسف إلى الإيمان فلم يؤمن وتوفي يوسف في ملكه

ثم إن الملك الريان زوج يوسف راعيل امرأة سيده فلما دخل بها قال أليس هذا خيرا مما كنت تريدين فقالت أيها الصديق لا تلمني فإني امرأة حسناء جميلة في ملك الدنيا وكان صاحبي لا يأتي النساء وكنت كما جعلك الله في حسنك فغلبتني نفسي ووجدها بكرا فولدت له ولدين افرايم ومنشا

فلما ولي يوسف خزائن أرضه ومضت السنون السبع المخصبات وجمع فيها الطعام في سنبلة ودخلت السنون المجدبة وقحط الناس وأصابهم الجوع وأصاب بلاد يعقوب التي هو بها فبعث بنيه إلى مصر وأمسك بنيامين أخا يوسف لأمه فلما دخلوا على يوسف عرفهم وهم له منكرون وإنما أنكروه لبعد عهدهم منه ولتغير لبسه فإنه لبس ثياب الملوك فلما نظر إليهم قال أخبروني ما شأنكم قالوا نحن من الشام جئنا نمتار الطعام قال كذبتم أنتم عيون فأخبروني خبركم قالوا نحن عشرة أولاد رجل واحد صديق كنا اثني عشر وأنه كان لنا أخ فخرج معنا إلى البرية فهلك وكان أحبنا إلى أبينا قال فإلى من سكن أبوكم بعده قالوا إلى أخ لنا أصغر منه قال فأتوني به أنظر إليه فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون قالوا سنراود عنه أباه قال فاجعلوا بعضكم عندي رهينة حتى ترجعوا فوضعوا شمعون أصابته القرعة

وجهز يوسف بجهازهم وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم يعني ثمن الطعام في رحالهم لعلهم يرجعون لما علم أن أمانتهم وديانتهم تحملهم على رد البضاعة فيرجعون إليه لأجلها وقيل رد مالهم لأنه خشي أن لا يكون عند أبيه ما يرجعون به مرة أخرى فإذا رأوا معهم بضاعة عادوا وكان يوسف حين رأى ما بالناس من الجهد قد آسى بينهم وكان لا يحمل للرجل إلا بعيرا

فلما رجعوا إلى أبيهم بأجمالهم قالوا يا أبانا إن عزيز مصر قد أكرمنا كرامة لو أنه بعض أولاد يعقوب ما زاد على كرامته وأنه ارتهن شمعون وقال ائتوني باخيكم الذي عطف عليه أبوكم بعد أخيكم فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل

ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم قالوا يا أبانا ما نبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير

قال يعقوب ذلك كيل يسير فقال يعقوب لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل

ثم أوصاهم أبوهم بعد أن أذن لأخيهم في الرحيل معهم وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة خاف عليهم العين وكانوا ذوي صورة حسنة ففعلوا كما أمرهم أبوهم ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه وعرفه وأنزلهم منزلا وأجرى عليهم الوظائف وقدم لهم الطعام وأجلس كل اثنين على مائدة فبقي بنيامين وحده فبكى وقال لو كان أخي يوسف حيا لأجلسني معه فقال يوسف لقد بقي أخوكم هذا وحيدا فأجلسه معه وقعد يؤاكله فلما كان الليل جاءهم بالفرش وقال لينم كل أخوين منكم على فراش وبقي بنيامين وحيده فقال هذا ينام معي فبات معه على فراشه فبقي يشمه ويضمه إليه حتى أصبح وذكر له بنيامين حزنه على يوسف فقال له أتحب أن أكون أخاك عوض أخيك الذاهب فقال بنيامين ومن يجد أخا مثلك ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل فبكى يوسف وقام إليه فعانقه وقال له إني أنا أخوك يوسف فلا تبتئس بما فعلوه بنا فيما مضى فإن الله قد أحسن إلينا ولا تعلمهم بما علمتك

وقيل لما دخلوا على يوسف نقر الصواع وقال إنه يخبرني أنكم كنتم اثني عشر رجلا وأنكم بعتم أخاكم فلما سمعه بنيامين سجد له وقال سل صاعك هذا عن أخي أحي هو فنقره ثم قال هو حي وستراه قال فاصنع بي ما شئت فإنه إن علم بي سوف يستنقذني قال فدخل يوسف فبكى ثم توضأ وخرج إليهم قال فلما حمل يوسف إبل اخوته من الميرة جعل الاناء الذي يكيل به الطعام وهو الصواع وكان من فضة في رحل أخيه وقيل كان إناء يشرب فيه ولم يشعر أخوه بذلك وقيل إن بنيامين لما علم أن يوسف أخوه قال لا أفارقك قال يوسف أخاف غم أبوينا ولا يمكنني حبسك إلا بعد أن أشهرك بأمر فظيع قال افعل قال فإني أجعل الصواع في رحلك ثم أنادي عليك بالسرقة لآخذك منهم قال افعل فلما ارتحلوا أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين لأننا رددنا ثمن الطعام إلى يوسف فلما قالوا ذلك قالوا فما جزاؤه تأخذونه لكم فبدأ بأوعيتهم ففتشها قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه فقالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل يعنون يوسف وكانت سرقته حين سرق صنما لجده أبي أمه فكسره فعيروه بذلك وقيل ما تقدم ذكره من المنطقة

فلما استخرجت السرقة من رحل الغلام قال إخوته يا بني راحيل لا يزال لنا منكم بلاء فقال بنيامين بل بنو راحيل ما يزال لهم منكم بلاء وضع هذا الصواع في رحلي الذي وضع الدراهم في رحالكم فاخذ يوسف أخاه بحكم إخوته فلما رأوا أنهم لا سبيل لهم عليه سألوه أن يتركه لهم وقالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه فقال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده فلما أيسوا من خلاصه خلصوا نجيا لا يختلط بهم غيرهم فقال كبيرهم وهو شمعون وقيل روبيل ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله أن نأتيه بأخينا إلا أن يحاط بنا ومن قبل هذه المرة ما فرطتم في يوسف فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي بالخروج وقيل بالحرب فارجعوا إلى أبيكم فقصوا عليه خبركم فلما رجعوا إلى أبيهم فاخبروه بخبر بنيامين وتخلف شمعون قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعا بيوسف وأخيه وشمعون ثم أعرض عنهم وقال واحزناه على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم مملوء من الحزن والغيظ فقال له بنوه تالله لا تزال تذكر يوسف حتى تكون حرضا أي دنفا أو تكون من الهالكين فاجابهم يعقوب فقال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون من صدق رؤيا يوسف وقيل بلغ من وجد يعقوب وجد سبعين ثكلى وأعطى على ذلك أجر مائة شهيد

قيل دخل على يعقوب جار له فقال يا يعقوب قد انهمشت وفنيت لم تبلغ من السن ما بلغ أبوك فقال هشمني وأفناني ما ابتلاني الله به من هم يوسف فأوحى الله إليه أتشكوني إلى خلقي قال يا رب خطيئة فاغفرها قال قد غفرتها لك فكان يعقوب إذا سئل بعد ذلك قال انما اشكو بثي وحزني إلى الله فاوحى الله إليه لو كانا ميتين لأحييتهما لك إنما ابتليتك لأنك قد شويت وقترت على جارك ولم تطعمه

وقيل كان سبب ابتلائه أنه كان له بقرة لها عجول فذبح عجولها بين يديها وهي تخور فلم يرحمها يعقوب فابتلى بفقد أعز ولده عنده وقيل ذبح شاه فقام ببابه مسكين فلم يطعمه منها فأوحى الله إليه في ذلك وأعلمه أنه سبب ابتلائه فصنع طعاما ونادى من كان صائما فليفطر عند يعقوب

ثم إن يعقوب أمر بنيه الذين قدموا عليه من مصر بالرجوع اليها وتحسس الأخبار عن يوسف وأخيه فرجعوا إلى مصر فدخلوا على يوسف وقالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة يعني قليلة فأوف لنا الكيل قيل كانت بضاعتهم دراهم زيوفا وقيل كانت سمنا وصوفا وقيل غير ذلك وتصدق علينا بفضل ما بين الجيد والرديء وقيل برد أخينا علينا فلما سمع كلامهم غلبته نفسه فارفض دمعا باكيا ثم باح لهم بالذي كان يكتم

وقيل إنما أظهر لهم ذلك لأن أباه كتب إليه حين قيل له إنه أخذ ابنه لأنه سرق كتابا

من يعقوب إسرائيل بن اسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله إلى عزيز مصر المظهر العدل أما بعد فإنا أهل بيت موكل بنا البلاء أما جدي فشدت يداه ورجلاه وألقي في النار فجعلها الله عليه بردا وسلاما أما أبي فشدت يداه ورجلاه ووضع السكين على حلقه ليذبح ففداه الله وأما أنا فكان لي ابن وكان أحب أولادي إلي فذهب به اخوته إلى البرية فعادوا ومعهم قميصه ملطخا بدم وقالوا أكله الذئب وكان لي ابن آخر أخوه لأمه فكنت أتسلى به فذهبوا به ثم رجعوا وقالوا إنه سرق وأنك حبسته وإنا أهل بيت لا نسرق ولا نلد سارقا فإن رددته علي وإلا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ولدك

فلما قرأ الكتاب لم يتمالك أن بكى وأظهر لهم فقال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون قالوا أئنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا بأن جمع بيننا فاعتذروا وقالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين قال لا تثريب عليكم اليوم أي لا أذكر لكم ذنبكم يغفر الله لكم ثم سألهم عن أبيه فقالوا لما فاته بنيامين عمي من الحزن فقال اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين فقال يهوذا أنا أذهب به لأني ذهبت إليه بالقميص ملطخا بالدم وأخبرته أن يوسف أكله الذئب فأنا أخبره أنه حي فافرحه كما أحزنته وكان هو البشير

لما فصلت العير عن مصر حملت الريح إلى يعقوب ريح يوسف وبينهما ثمانون فرسخا يوسف بمصر ويعقوب بأرض كنعان فقال إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون فقال له من حضره من أولاده تالله إنك من ذكر يوسف لفي ضلالك القديم فلما أن جاء البشير بقميص يوسف ألقاه على وجه يعقوب فعاد بصيرا وقال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون يعني تصديق الله وتأويل رؤيا يوسف فلما أن جاء البشير قال له يعقوب كيف تركت يوسف قال تركته ملك مصر قال ما أصنع بالملك على أي دين تركته قال تركته على دين الاسلام قال الآن تمت النعمة فلما رأى من عنده من أولاده قميص يوسف وخبره قالوا له يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين قال سوف أستغفر لكم أخر الدعاء إلى السحر من ليلة الجمعة

ثم ارتحل يعقوب وولده فلما دنا من مصر خرج يوسف يتلقاه ومعه أهل مصر وكانوا يعظمونه فلما دنا أحدهما من صاحبه نظر يعقوب إلى الناس والخيل وكان يعقوب يمشي ويتوكأ على ابنه يهوذا فقال له يا بني هذا فرعون مصر قال لا هذا ابنك يوسف فلما قرب منه أراد يوسف أن يبدأه بالسلام فمنع من ذلك فقال يعقوب السلام عليك يا مذهب الأحزان لأنه لم يفارقه الحزن والبكاء مدة غيبة يوسف عنه

قال فلما دخلوا مصر رفع أبويه يعني أمه وأباه وقيل كانت خالته وكانت أمه قد ماتت وخر له يعقوب وأمه وأخوته سجدا وكان السجود تحية الناس للملوك ولم يرد بالسجود وضع الجبهة على الأرض فإن ذلك لا يجوز إلا لله تعالى وإنما أراد الخضوع والتواضع والانحناء على السلام كما يفعل الآن بالملوك والعرش السرير

وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا وكان بين الرؤيا يوسف ومجيء يعقوب أربعون سنة وقيل ثمانون سنة فإنه ألقي في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة ولقيه وهو ابن سبعة وتسعين سنة وعاش بعد جمع شمله ثلاثا وعشرين سنة وتوفي وله مائة وعشرون سنة وأوصي إلى أخيه يهوذا وقيل كان غيبة يوسف عن يعقوب ثماني عشر سنة وقيل إن يوسف دخل مصر وله سبع عشرة سنة واستوزره فرعون بعد ثلاث عشرة سنة من قدومه إلى مصر وكانت مدة غيبته عن يعقوب اثنتين وعشرين سنة وكان مقام يعقوب بمصر وأهله معه سبع عشرة سنة وقيل غير ذلك والله أعلم

ولما مات يعقوب أوصى إلى يوسف أن يدفنه مع أبيه إسحاق ففعل يوسف فسار به إلى الشام فدفنه عند أبيه ثم عاد إلى مصر وأوصى يوسف أن يحمل من مصر ويدفن عند آبائه فحمله موسى لما خرج ببني إسرائيل وولد يوسف افرايم ومنشا فولد لافرايم نون ولنون يوشع فتى موسى وولد لمنشا موسى قيل موسى بن عمران وزعم أهل التوراة أنه موسى الخضر وولد له رحمة امرأة أيوب في قول

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.