الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
20

قصة أيوب عليه السلام

الجزء الأول 1 عنصر صفحة 97
ص 97

وهو رجل من الروم من ولد عيص وهو أيوب بن موص بن رازج بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم وقيل موص بن روعيل بن عيص وكانت زوجته التي أمر أن يضربها بالضغث ليا ابنة يعقوب بن إسحاق وقيل هي رحمة ابنة افرايم بن يوسف وكانت أمة من ولد لوط وكان دينه التوحيد والإصلاح بين الناس وإذا أراد حاجة سجد ثم طلبها

وكان من حديثه وسبب بلائه أن إبليس سمع تجاوب الملائكة بالصلاة على أيوب حين ذكره الله فحسده وسأل الله أن يسلطه عليه لفتنه عن دينه فسلطه على ماله حسب فجمع إبليس عظماء أصحابه من العفاريت وكان لأيوب البثنية جميعها من أعمال دمشق بما فيها وكان له فيها ألف شاة برعاتها وخمسمائة فدان يتبعها خمسمائة عبد لكل عبد امرأة وولد ومال ويحمل آله الفدان أتان ولد وإثنان وما فوق ذلك فلما جميعهم إبليس قال ما عندكم من القوة والمعرفة فإني قد تسلطت على مال أيوب فقال كل منهم قولا فارسلهم فاهلكوا ماله كله وأيوب يحمد الله ولا يرجع عن الجد في عبادته والشكر له على ما أعطاه والصبر على ما ابتلاه فلما رأى إبليس من أمره سأل الله أن يسلطه على ولده فسلط ولم يجعل له سلطانا على جسده ولا عقله وقلبه فاهلك ولده كلهم ثم جاء إليه متمثلا بمعلمه الذي كان يعلمهم الحكمة جريحا مشدوخا يرققه حتى رق أيوب فبكى وقبض قبضة من التراب فوضعها على رأسه فسر بذلك إبليس ثم إن أيوب ندم لذلك وجد واستغفر فصعدت حفظته من الملائكة بتوبته إلى الله قبل ابليس فلما لم يرجع أيوب عن عبادة ربه والصبر على ما بلاه به سأل الله تعالى أن يسلطه على جسده فسلطه عليه خلا لسانه وقلبه وعقله فإنه لم يجعل له على ذلك فجاءه وهو ساجد فنفخ في منخره نفخة اشتعل منها جسده وصار أمره إلى أن انتثر لحمه وامتلأ جسده دودا فإن كانت الدودة تسقط من جسده فيردها إليه ويقول كلي من رزق الله وأصابه الجذام وكان أشد من ذلك عليه أنه كان يخرج في جسده مثل ثدي المرأة ثم يتفقأ وأنتن حتى لم يطق أحد أن يشم ريحه فاخرجه أهل القرية منها إلى الكناسة خارج القرية لا يقربه أحد إلا زوجته وكانت تختلف إليه بما يصلحه فبقي مطروحا على الكناسة سبع سنين ما يسأل الله أن يكشف ما به وما على وجه الأرض أكرم على الله منه

وقيل كان سبب بلائه أن أرض الشام أجدبت فأرسل فرعون إلى أيوب أن هلم الينا فإن لك عندنا سعة فأقبل بأهله وخيله وماشيته فاقطعهم فرعون القطائع ثم إن شعيبا النبي دخل إلى فرعون فقال يا فرعون أما تخاف أن يغضب الله غضبة فيغضب لغضبه أهل السماء وأهل الأرض والبحار والجبال وأيوب ساكت لا يتكلم فلما خرجا أوحى الله إلى أيوب يا أيوب سكت عن فرعون لذهابك إلى أرضه استعد للبلاء فقال أيوب أما كنت أكفل اليتيم وآوي الغريب وأشبع الجائع واكفت الأرملة فمرت سحابة يسمع فيها عشرة آلاف صوت من الصواعق يقولون من فعل ذلك يا أيوب فاخذ ترابا فوضعه على رأسه وقال أنت يا رب فأوحى الله إليه استعد للبلاء قال فديني قال أسلمه لك قال فما أبالي وقيل كان السب غير ذلك وهو نحو ما ذكرناه

فلما ابتلاه الله واشتد البلاء قالت امرأته إنك رجل مجاب الدعوة فادع الله أن يشفيك فقال كنا في النعماء سبعين سنة فلنصبر في البلاء سبعين سنة والله لئن شفاني الله لأجلدنك مائة جلدة وقيل إنما أقسم لجلدنها لأن إبليس ظهر لها وقال بم أصابكم ما أصابكم قالت بقدر الله قال وهذا أيضا بقدر الله فاتبعني فاتبعته فأراها جميع ما ذهب منهم في واد وقال اسجدي لي وأرد عليكم فقالت إن لي زوجا استأمره فلما أخبرت أيوب قال ألم تعلمي أن ذلك الشيطان لئن شفيت لأجلدنك مائة جلدة وأبعدها وقال لها طعامك وشرابك علي حرام لا أذوق مما تأتبننب به شيئا فابعدي عني فلا أراك فذهبت عنه فلما رأى أيوب أن امرأته قد طردها وليس عنده طعام ولا شراب ولا صديق خر ساجدا وقال رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين كرر ذلك فقيل له أرفع رأسك فقد استجيب لك اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب ورد الله إليه جسده وصورته وأما امرأته فقالت كيف أتركه وليس عنده أحد يموت جوعا وتأكله السباع فرجعت اليه فرأت أيوب وقد عوفي فلم تعرفه فعجبت حيث لم تره على حاله فقالت له يا عبد الله هل رأيت ذلك الرجل المبتلي الذي كان ههنا قال وهل ترعفينه إذا رأيتيه قالت نعم قال هو أنا فعرفته وقيل إنما قال مسني الضر لما وصل الدود إلى لسانه وفلبه وخاف أن يبطل عن ذكر الله تعالى والفكر

ورد الله اليه أهله ومثلهم معهم قيل هم باعيانهم وقيل رد الله اليه امراته ورد اليها سبابها فولدت له ستة وعشرين ذكرا وأنزل الله اليه ملكا فقال يا أيوب إن الله يقرئك السلام لصبرك على البلاء أخرج إلى أندرك فخرج اليه فبعث الله سبحانه فألقت عليه جرادا من ذهب وكانت الجرادة تذهب فيتبعها حتى يردها في اندره فقال الملك أما تشبع من الداخل حتى تتبع الخارج فقال إن هذه البركة من بركات ربي لست أسبع منها وعاش أيوب بعد ان رفع عنه البلاء سبعين سنة

ولما عوفي أمره الله أنياخذ عرجونا من النخل فيه مائة شمراخ فيضرب به زوجته ليبر من يمينه ففعل ذلك

وقول أيوب ربه أني مسني الضر دعاء ليس بشكوى ودليله قوله تعالى فاستجبنا له وكان مندعاء أيوب أعوذ بالله من جار عينه تراني إن رأى حسنة سترها وغن رأى سيئة ذكرها

وقيل كان سبب داعئخ انه قد ابتعه ثلاثة نفر على دينه اسم أحدهم بلدد والآخر اليفز والثالث صافر فانلطقوا اليه وهو في البلاد فبكتوه أشد تبكيت وقالوا له لقد اذنبت ذنبا ما اذنبه أحد فلهذا لم يكشف العذاب عنك وطال الجدال بينهم وبينه فقال فتى كان معهم لهم كاملا يرد عليهم فقال قد تركتم من القول أفضل أحسنه ومن الرأي أصوبه ومن الأمر أجمله وقد كان لايوب عليكم من الحق والذمام أفضل من الذي وصفتم فهل تدرون حق من انتقصتم وحرمة من انتهكتم ومن الرجل الذي عبتم أم تعلموا أن أيوب نبي الله وخيرته من خلقه يومكم هذا ثم لم تعلموا ولم يعلمكم الله أنه سخط شيئا من أمره ولا أنه نزع شيئا من الكرامة التي أكرم الله بها عباده ولا أن أيوب فعل غير الحق في طول ما صحبتموه فإن كان البلاء هو الذي أزرى به عندكم ووضعه في نفوسكم وقد علمتم ان الله يبتلي النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وليس بلاؤه لأولئك دليلا على سخطه عليهم ولا على هوانهم عليه ولكنها كرامة وخبرة لهم وأطال في هذا النحومن الكلام ثم قال لهم وقد كان في عظمة الله وجلاله وذكر الموت ما يكل ألسنتكم ويكسر قلوبكم ويقطع حجتكم ألم تعلموا أن لله عبادا اسكتتهم خشيته عن الكلام من غير عي ولا بكم وانهم لهم الفصحاء الأباء العالمون بالله وآياته ولكنهم إذا ذكروا عظمة اله انكسرت قلوبهم وانقطعت ألسنتهم وطاشت أحلامهم وعقولهم فزعا من الله وهيبة له فإذا أفاقوا استبقوا إلى الله بالأعمال الزكية يعدون أنفسهم مع الظالمين وانهم لا برار ومع المقصرين وانهم لأكياس أتقياء ولكنهم لا يستكثرون لله عز وجل الكثير ولا يرضون له القليل ولا يدلون عليه بالأعمال فهم أينما لقيتهم خائفون مهيمون وجلون

فلما سمع أيوب كلامه قال إن الله يزرع الحكمة بالرحمة في قلب الصغير والكبير فمتى كانت في القلب ظهرت على اللسان ولا تكون الحكمة من قبل السن والشيبة ولا طول التجربة وإذا جعل الله تعالى عبدا حكيما عند الصبا لم تسقط منزلته عند الحكام ثم قال أقبل على الثلاثة فقال رهبتم قبل أن تسترهبوا وبكيتم قبل أن تضربوا كيف بكم لو قلت لكم تصدقوا عني بأموالكم لعل الله أن يخلصني أو قربوا قربانا لعل الله أن يتقبل ويرضى عني وأنكم قد أعجبتكم أنفسكم فظننتم أنكم عوفيتم بإحسانكم فبغيتم وتعزرتم لو صدقتم ونظرتم بينكم وبين ربكم لوجدتم لكم عيوبا سترها الله بالعافية وقد كنت فيما خلا والرجال يوقرونني وأنا مسموع كلامي معروف من حقي مستنصف من خصمي فاصبحت اليوم وليس لي رأي ولا كلام معكم فانتم أشد علي من مصيبتي

ثم أعرض عنهم وأقبل على ربه مشتغيثا به متضرعا اليه فقال رب لأي شيء خلقتني ليتني إن كرهتني لم تخلقني ياليتني كنت حيضة ملقاة وي اليتني عرفت الذنب الذي اذنبت فصرفت وجهك الكريم عني لو كنت امتني فالموت أجمل بي أم أكن للغريب دارا وللمسكين قرارا ولليتيم وليا وللأرملة قيما إلهي أنا عبد ذليل إن أحسنت فلمن لك وإن أسأت فبيدك عقوبتي جعلتني للبلاء غرضا فقد وقع علي البلاء لو سلطته على جبل لضعف عن حمله فكيف يحمله ضعفي ذهب المال فصرت أسأل بكفي فيطعمني من كنت أعوله اللقمة الواحدة فيمنها علي ويعيرني هلك أولادي ولو بقي أحدهم أعانني قد ملني أهلي وعقني أرحامي فتنكرت معارفي ورغب عني صديقي وجحدت حقوقي ونسيت صنائعي اصرخ فلا يصرخونني واعتذر فلا يعذرونني دعوت غلامي فلم يجبني وتضرعت إلى أمتي فلم ترحمني وإن قضاءك هو الذي آذاني وأقمأني وإن سلطانك هو الذي أسقمني فلو أن ربي نزع الهيبة التي في صدري وأطلق لساني حتى أتكلم ملء فمي ثم كان ينبغي للعبد ان يحاج مولاه عن نفسه لرجوت أنتعافيني عند ذلك ولكنه القاني وعلا عني فهو يراني ولا أراه ويسمعني ولا أسمعه لا نظر إلي فرحمني ولا دنا مني فاتكلم ببراءتي وأخاصم عن نفسي

فلما قال أيوب ذلك أظلتهم غمامة ونودي منها يا أيوب إن الله يقول قد دنوت منك ولم أزل منك قريبا فقم فأدل بحجتك وتكلم ببراءتك وقم مقام جبار فغنه لا ينبغي أن يخاصمني إلا جبار تجعل الزيار في فم الأسد واللجام في فم التنين وتكيل مكيالا من النور وتزن مثقالا من الريح وتصرصرة من الشمس وتردامس لقد منتك نفسك امرا لا تبلغه بمثل قوتك أردت أن تكابرني بضعفك أم تخاصمني بعيبك أم تحاجني بخطلك أين أنت مني يوم خلقت الأرض هل علمت بأي مقدار قدرتها ابن كنت معي يوم رفعت السماء سقفا في الهواء لا بعلائق ولا بدعائم تحملها هل تبلغ حكمتك ان تجري نورها أو تسير نجومها أو يختلف بأمرك ليلهاونهارها وذكر أشياء من مصنوعات الله

فقال أيوب قصرت عن هذا الأمر ليت الأرض انشقت لي فذهبت فيها ولم أتكلم بشيء يسخطك إلهي اجتمع علي البلاء وأنا أعلم أن كل الذي ذكرت صنع يديك وتدبير حكمتك لا يعجزك شيء ولا تخفي عليك خافية تعلم ما تخفي القلوب وقد علمت في بلائي ما لم أكن اعلمه كنت أسمع بسطوتك سمعا فاما الآن فهو نظر العين إنما تكلمت بما تكملت به لتعذرني وسكت لترحمني وقد وضعت يدي على فمي وعضضت على لساني والصقت بالتراب خدي فدسست فيه وجهي فلا أعود لشيء تكرهه ودعا

فقال الله يا ايوب نفذ فيك حكمي وسبقت رحمتي غضبك قد غفرت لك ورددت عليك أهلك ومالك ومثلهم معهم لتكون لمن خلفك آية وعبرة لاهل البلاء وعزاء للصابرين فاركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب فيه شفاء وقرب عن أصحابك قربنا واستغفر لهم فإنهم قد عصوني فيك فركض برجله فانفجرت له عين ماء فاغتسل فيها فرفع الله عنه البلاء ثم خرج فجلس وأقبلت امرأته فسألته عنه فقال هل تعرفينه قالتنعم مالي لا أعرفه فتبسم فعرفته بضحكة فاعتنقته ولم تفارقه من عناقه حتى مر بهما كل مال لهما وولد

وإنما ذكرته قبل يوسف وقصته لما ذكر بعضهم من أمره وأنه كان نبيا في عهد يعقوب وذكر ان عمر أيوب كان ثلاثا وتسعين سنة وأنه أوصى عند موته إلى ابنه حوصل وأن الله بعث بعده ابنه بشر بن أيوب نبيا وسماه ذا الكفل وكان مقيما بالشام حتى مات وكان عمره خمسا وسبعين سنة فاوصى إلى ابنه عيدان وإن الله بعث بعده شعيب بن صفيون بن عنقا بن ثابت بن مدين بن إبراهيم عليه السلام

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.