ص 71
وهو إبراهيم بن تارخ بن ناخور بن ساروغ بن أرغو بن فالغ بن عابر بن شالخ بن قينان بن أرفخشذ بن سام بن نوح عليه السلام
واختلف في الموضع الذي كان فيه والموضع الذي ولد فيه فقيل ولد بالسوس من أرض الأهواز وقيل ولد ببابل وقيل بكوثى وقيل بحران ولكن أباه نقله
قال عامة أهل العلم كان مولده ف يعهد نمروذ بن كوش ويقول عامة أهل الأخبار أن نمروذ كان عاملا للازدهاق الذي زعم بعض من زعم أن نوحا أرسل إليه واما جماعة من سلف من العلماء فإنهم يقولون كان ملكا برأسه قال ابن إسحاق وكان ملكه قد أحاط بمشارق الأرض ومغربها وكان ببابل قال ويقال لم يجتمع ملك الأرض الا لثلاثة ملوك نمروذ وذي القرنين وسليمان بن داود واضاف غيره إليهم بختنصر وسنذرك بطلان هذا القول
فلما أراد الله أن يبعث إبراهيم حجة على خلقه ورسولا إلى عباده ولم يكن فيما بينه وبين نوح نبي إلا هود وصالح فلما تقارب زمان إبراهيم أتى أصحاب النجوم نمروذ فقالوا له أنا نجد غلاما يولد في قريتك هذه يقال له إبراهيم يفارق دينكم ويكسر أصنامكم في شهر كذا من سنة كذا فلما دخلت السنة التي ذكروا حبس نمروذ الجبالي عنده إلا أم إبراهيم فإنه لم يعلم بحبلها لأنه لم يظهر عليها أثره فذبح كل غلام ولد في ذلك الوقت فلما وجدت أم إبراهيم الطلق خرجت ليلا إلى مغارة كانت قريبة منها فولدت إبراهيم وأصلحت من شأنه ما يصنع بالمولود ثم سدت عليه المغارة ثم سعت إلى بيتها راجعة ثم كانت تطالعه لتنظر ما فعل
فكان يشب في اليوم ما يشب غيره في الشهر وكانت تجده حيا يمص إبهامه جعل الله رزقه فيها وكان آزر قد سأل أم إبراهيم عن حملها فقالت ولدت غلاما فمات فصدقها
وقيل بل علم آزر بولادة إبراهيم وكتمه حتى نسي الملك ذكر ذلك فقال آزر إن لي أبنا قد خباته أفتخافون عليه الملك إن أنا جئت به فقالوا لا فانطلق فأخرجه من السرب فلما نظر إلى الدواب والى الخلق ولم يكن رأى قبل ذلك غير أبيه وأمه فجعل يسأل أباه عما يراه فيقول أبوه هذا بعير أو بقرة أو غير ذلك فقال مال هؤلاء الخلق بد من أن يكون لهم رب وكان خروجه بعد غروب الشمس فرفع رأسه إلى السماء فإذا هو بالكوكب وهو المشتري فقال هذا ربي فلم يلبث أن غاب فقال لا أحب الآفلين وكان خروجه في آخر الشهر فلهذا رأى الكوكب قبل القمر وقيل كان تفكر وعمره خمسة عشر شهرا وقال لأمه وهو في المغارة أخرجيني انظر فأخرجته عشاء فنظر فرأى الكوكب وتفكر في خلق السماوات والأرض وقال في الكواكب ما تقدم فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما غاب قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين فلما جاء النهار وطلعت الشمس رأى نورا أعظم من كل ما رأى فقال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم أني برئ مما تشركون ثم رجع إبراهيم إلى أبيه وقد عرف ربه وبرئ من دين قومه إلا أنه لم ينادهم بذلك فأخبرته أمه بما كانت صنعت من كتمان حاله فسره ذلك وكان آزر يصنع الأصنام التي يعبدونها ويعطيها إبراهيم ليبيعها فكان إبراهيم يقول من يشري مالا يضره ولا ينفعه فلا يشتريها منه أحد وكان يأخذها وينطلق بها إلى نهر فيصوب رؤسها فيه ويقول أشربي استهزاء بقومه حتى فشا ذلك عنه في قومه غير أنه لم يبلغ خبره نمروذ فلما بدا لإبراهيم أن يدعو قومه إلى ترك ما هم عليه ويأمرهم بعبادة الله تعالى دعا أباه إلى التوحيد فلم يجبه ودعا قومه فقالوا من تعبد أنت قال رب العالمين قالوا نمروذ قال بل أعبد الذي خلقني فظهر أمره
وبلغ نمروذ أن إبراهيم أراد أن يري قومه ضعف الأصنام التي يعبدونها ليلزمهم الحجة فجعل يتوقع قرصة ينتهي بها ليفعل بأصنامهم ذلك فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم أي طعين ليهربوا منه إذا سمعوا به وإنما يريد إبراهيم أن يخرجوا عليه ليبلغ من أصنامهم وكان لهم عيد يخرجون إليه جميعهم فلما خرجوا قال هذه المقالة فلم يخرج معهم إلى العيد وخالف إلى أصنامهم وهوي قول وتالله لأكيدن أصنامكم فسمعه ضعفاء الناس ومن هو في آخرهم ورجع إلى الأصنام وهي في بهو عظيم بعضها إلى جنب بعض كل صنم يليه أصغر منه حتى بلغوا باب البهو وإذا هم قد جعلوا طعاما بين يدي آلهتهم وقالوا نترك الآلهة إلى حين نرجع فتأكله فلما نظر إبراهيم إلى ما بين أيديهم من الطعام قال ألا تأكلوا فلما لم يجبه أحد قال ما لكم لا تنطقون فراغ عليهم ضربا باليمين فكسرها بفأس في يده حتى إذا بقي أعظم صنم منها ربط الفأس بيده ثم تركهن
فلما رجع قومه ورأوا ما فعل بأصنامهم راعهم ذلك وأعظموه وقالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم يعنون يسبها ويعيبها ولم نسمع ذلك من غيره وهو الذي نظنه صنع بها هذا وبلغ ذلك نمروذ وأشرف قومه فقالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون ما نفعل به وقيل يشهدون عليه كرهوا أن يأخذوه بغير بينة فلما أتى به واجتمع له قومه عند ملكهم نمروذ وقالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون غضب من أن تعبدوا هذه الصغار وهو أكبر منها فكسرها فارعووا ورجعوا عنه فيما ادعوا عليه من كسرها إلى أنفسهم فيما بينهم فقالوا لقد ظلمناه وما نراه إلا كما قال ثم قالوا وعرفوا أنها لا تضر ولا تبطش لقد علمت ما هؤلاء ينطقون أي لا يتكلمون فيخبرونا من صنع هذا بها وما تبطش بالأيدي فنصدقك قول الله تعالى ثم نكسوا على رؤوسهم في الحجة عليهم لإبراهيم فقال لهم إبراهيم عند قولهم ما هؤلاء ينطقون أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون
ثم إن نمروذ قال لإبراهيم أرأيت إلهك الذي تعبده وتدعو إلى عبادته ما هو قال ربي الذي يحيي ويميت قال نمروذ أنا أحيي وأميت قال إبراهيم وكيف ذلك قال آخذ رجلين قد استوجبا القتل فأقتل أحدهما فاكون قد أمته وأعفو عن الآخر فأكون قد أحييته قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت عند ذلك نمروذ ولم يرجع إليه شيئا
ثم إنه وأصحابه أجمعوا على قتل إبراهيم فقالوا حرقوه وانصروا آلهتكم
قال عبد اله بن عمر أشار بتحريقه رجل من أعراب فارس قيل له وللفرس أعراب قال نعم الأكراد هم أعرابهم قيل كان اسمه هيزن فخسف به فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة
فأمر نمروذ بجمع الحطب من أصناف الخشب حتى إن كانت المرأة لتنذر بإن بلغت ما تطلب أن تحتطب لنار إبراهيم حتى إذا أرادوا أن يلقوه فيها قدموه وأشعلوا النار حتى
فلما أجمعوا لقذفه فيها صاحت السماء والأرض وما فيها الا الثقلين إلى الله صيحة واحدة أي ربنا إبراهيم ليس في أرضك من يعبدك غيره يحرق بالنار فيك فإذن لنا في نصره قال الله تعالى إن استغاث بشئ منكم فلينصره وإن يدع غيري فأنا له فلما رفعوه على رأس البنيان رفع إلى السماء وقال اللهم أنت الواحد في السماء وأنت الواحد في الأرض حسبي الله ونعم الوكيل
وعرض له جبريل وهو يوثق فقال ألك حاجة يا إبراهيم قال أما إليك فلا فقذفوه في النار فناداها الله فقال يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم وقيل ناداها جبريل فلو لم يتبع بردها سلام لمات إبراهيم من شدة بردها فلم يبق يومئذ نار إلا طفئت ظنت أنها هي وبعث الله ملك الظل في صورة إبراهيم فقعد فيها إلى جنبه يؤنسه فمكث نمروذ أياما لا يشك أن النار قد أكلت إبراهيم فرأى كأنه نظر فيها وهي يحرق بعضها بعضا وإبراهيم جالس إلى جنبه رجل مثله فقال لقومه لقد رأيت كأن إبراهيم حي ولقد شبه علي ابنوا لي صرحا يشرف بي على النار فبنوا له واشرف منه فرأى إبراهيم جالسا والى جانبه رجل في صورته فناداه نمروذ يا إبراهيم إن الهك كبير الذي بلغت قدرته وعزته أن حال بينك وبين ما أرى هل تستطيع أن تخرج منها
قال نعم قال أتخشى إن أقمت فيها قال لا
فقام إبراهيم فخرج فلما خرج قال له يا إبراهيم من الرجل الذي رأيت معك مثل صورتك
قال ذلك ملك الظل أرسله إلي ربي ليؤانسي
قال نمروذ إي مقرب إلهك قربنا لما رأيت من قدرته وعزته وما صنع بك حين أبيت إلا عبادته فقال إبراهيم إذا لا يقبل الله منكم كنت على شيء من دينك فقال يا إبراهيم لا أستطيع ترك ملكي وقرب أربعة آلاف بقرة وكف عن إبراهيم ومنعه الله منه وآمن مع إبراهيم رجال من قومه حين رأوا ما صنع الله به على خوف من نمرود وملئهم وآمن له لوط بن هاران وهو ابن اخي إبراهيم وكان لهم أخ ثالث يقال له ناخور بن تارخ وهو أبو بتويل وبتويل أبو لابان وأبو ربقا امرأة إسحاق بن إبراهيم أم يعقوب ولابان أبو ليئة وراحيل زوجتي يعقوب وآمنت به سارة وهي ابنة عمه وهي سارة ابنة هاران الأكبر عم إبراهيم وقيل كانت ابنة ملك حران فآمنت بالله تعالى مع إبراهيم
ذكر هجرة إبراهيم عليه السلام ومن آمن معه
ص 76
ثم إن إبراهيم والذين اتبعوا أمره أجمعوا على فراق قومهم فخرج مهاجرا حتى قدم مصر وبها فرعون من الفراعنة الأولى كان اسمه سنان بن علوان بن عبيد بن عولج بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح وقيل كان أخا الضحاك استعمله على مصر وكانت سارة من أحسن النساء وجها وكانت لا تعصى إبراهيم شيئا فلما وصفت لفرعون أرسل إلى إبراهيم فقال من هذه التي معك قال أختي يعنى في الإسلام وتخوف إن قال هي امرأتي أن يقتله فقال له زينها وأرسلها الي فأمر بذلك إبراهيم فتزينت وأرسلها اليه فلما دخلت عليه أهوى بيده إليها وكان إبراهيم حين أرسلها قام يصلي فلما أهوى إليها أخذ شديدا فقال ادعى الله ولا أضرك فدعت له فأرسل فاهوى إليها فأخذ أخذا شديدا فقال ادعي ولا أضرك فدعت له تأتني بإنسان وإنك أتيتني بشيطان أخرجها وأعطها هاجر ففعل فأقبلت بهاجر فلما أحس إبراهيم بها انفتل من صلاته فقال مهيم فقالت كفى الله كيد الكافرين وأخدم هاجر وكان أبو هريرة يقول تلك أمكم يابني ماء السماء
وروى أبو هريرة عن النبي أنه قال لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث مرات اثنتين في ذات الله قوله إني سقيم وقوله بل فعله كبيرهم هذا وقوله في سارة هي أختي
ذكر ولادة إسماعيل عليه السلام وحمله إلى مكة
ص 77
قيل كانت هاجر جارية ذات هيئة فوهبتها سارة لإبراهيم وقالت خذها لعل الله يرزقك منها ولدا وكانت سارة قد منعت الولد حتى أسنت فوقع إبراهيم على هاجر فولدت إسماعيل ولهذا قال النبي إذا افتتحتم مصر فاستوصوا بأهلها خيرا فإن لهم ذمة ورحما يعني ولادة هاجر فكان إبراهيم قد خرج بها إلى الشام من مصر خوفا من فرعون فنزل السبع من أرض فلسطين ونزل لوط بالمؤتفكة وهي من السبع مسيرة يوم وليلة فبعثه الله نبيا وكان إبراهيم قد اتخذ بالسبع بئرا ومسجدا وكان ماء البئر معينا طاهرا فآذاه أهل السبع فانتقل عنهم فنضب الماء فاتبعوه يسألونه العود إليهم فلم يفعل وأعطاهم سبعة أعنز وقال إذا أوردتموها الماء ظهر حتى يكون معينا طاهرا فاشربوا منه ولا تغترف منه امرأة حائض فخرجوا بالأعنز فلما الماء فلما وقفت على الماء ظهر إليها وكانوا يشربون منه إلى أن غرفت منه امرأة طامث فعاد الماء إلى الذي هو عليه اليوم وأقام إبراهيم بين الرملة وإيليا ببلد يقال له قط أو قط
قال فلما ولد إسماعيل حزنت سارة حزنا شديدا فوهبها الله إسحاق وعمرها سبعون سنة فعمر إبراهيم مائة وعشرون سنة فلما كبر إسماعيل وإسحاق اختصما فغضبت سارة على هاجر فأخرجتها ثم أعادتها فغارت منها فأخرجتها وحلفت لتقطعن منها بضعة فتركت أنفها وأذنها لئلا تشينها ثم خفضتها فمن ثم خفض النساء وقيل كان إسماعيل صغيرا وإنما أخرجتها سارة غيرة منها وهو الصحيح وقالت سارة لا تساكنني في بلد
فأوحى الله إلى إبراهيم أن يأتي مكة وليس بها يومئذ نبت فجاء إبراهيم بإسماعيل وأمه هاجر فوضعها بمكة بموضع زمزم فلما مضى نادته هاجر يا إبراهيم من أمرك أن تتركنا بأرض ليس فيها زرع زلا ضرع ولا ماء ولا زاد ولا أنيس
قال ربي أمرني قالت فإنه لن يضيعنا
فلما ولى قال ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن يعني من الحزن وقال ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي الآية
فلما ظمئ إسماعيل جعل يدحض الأرض برجله فانطلقت هاجر حتى صعدت الصفا لتنظر هل ترى شيئا فلم تر شيئا فانحدرت إلى الوادي فسمعت حتى أتت المروة فاستشرقت هل ترى شيئا فلم تر شيئا ففعلت ذلك سبع مرار فذلك أصل السعي ثم جاءت إسماعيل وهو يدحض الأرض بقدميه وقد نبعت العين وهي زمزم فجعلت تفحص الأرض بيدها عن الماء وكلما اجتمع أخذته وجعلته في سقائها قال فقال النبي يرحمها الله لو تركتها لكانت عينا سائحة
وكانت جرهم بواد قريب من مكة ولزمت الطير الوادي حين رأت الماء فلما رأت جرهم الطير لزمت الوادي قالوا ما لزمته إلا وفيه ماء فجاؤوا إلى هاجر فقالوا لو شئت لكنا معلك فآنسناك والماء ماؤك
قالت نعم
فكانوا معها حتى شب إسماعيل وماتت هاجر فتزوج إسماعيل امرأة من جرهم فتعلم العربية منهم هو وأولاده فهم العرب المتعربة
واستأذن إبراهيم سارة أن يأتي هاجر فأذنت له وشرطت عليه أن لا ينزل فقدم وقد ماتت هاجر فذهب إلى بيت إسماعيل فقال لامرأته أين صاحبك قالت ليس ههنا ذهب يتصيد وكان إسماعيل يخرج من الحرم يتصيد ثم يرجع
قال إبراهيم هل عندك ضيافة قالت ليس عندي ضيافة وما عندي أحد فقال إبراهيم إذا جاء زوجك فاقرئيه السلام وقولي له فليغير عتبة بابه وعاد إبراهيم وجاء إسماعيل فوجد ريح أبيه فقال لامرأته هل عندك أحد قالت جاءني شيخ كذا وكذا كالمستخفة بشأنه قال فما قال لك قالت قال اقرئي زوجك السلام وقولي له فليغير عتبة بابه فطلقها وتزوج أخرى فلبث إبراهيم ما شاء الله أن يلبث ثم استأذن سارة أن يزور إسماعيل فأذنت له وشرطت عليه أن لا ينزل فجاء إبراهيم حتى انتهى إلى باب إسماعيل فقال لامرأته أين صاحبك قالت ذهب ليتصيد وهو يجئ الآن إن شاء الله تعالى فانزل يرحمك الله فقال لها فعندك ضيافة قالت نعم قال فهل عندك خبز أو بر أو شعير أو تمر قال فجاءت بالبن واللحم فدعا لهما بالبركة ولو جاءت يومئذ بخبز أو تمر أو بر أو شعير لكانت أكثر أرض الله من ذلك فقالت انزل حتى أغسل رأسك فلم ينزل فجاءته بالمقام بالإناء فوضعته عند شقه الأيمن فوضع قدمه عليه فيقي أثر قدمه فيه فغسلت شق رأسه الأيمن ثم حولت المقام إلى شقه الأيسر ففعلت به كذلك فقال لها إذا جاء زوجك فاقرئيه عني السلام وقولي له قد استقامت عتبة بابك فلما جاء إسماعيل وجد ريح أبيه فقال لامرأته هل جاءك أحد قالتنعم شيخ أحسن الناس وجها وأطيبهم ريحا فقال لي كذا وكذا وقلت له كذا وكذا وغسلت رأسه وهذا موضع قدمه وهويقرئك السلام ويقول قد استقامت عتبة بابك قال ذلك إبراهيم
وقيل إن الذي أنبع الماء جبرائيل فإنه نزل إلى هاجر وهي تسعى في الوادي فسمعت حسه فقالت قد اسمعتني فأغثني فقد هلكت أنا ومن معي فجاء بها إلى موضع زمزم فضرب بقدمه ففارت عينا فتعجلت فجعلت تفرغ في شنها فقال لها لا تخافي الظمأ
ذكر عمارة البيت الحرام بمكة
ص 80
قيل ثم أمر الله إبراهيم ببناء البيت الحرام فضاق بذلك ذرعا فأرسل الله السكينة وهي ريح خجوج وهي اللينة الهبوب لها رأسان فسار معها إبراهيم حتى انتهت إلى موضع البيت فتطوت عليه كتطوي الحجفة فأمر إبراهيم أن يبني حيث تستقر السكينة فبنى إبراهيم
وقيل أرسل الله مثل الغمامة له رأس فكلمه وقال يا إبراهيم ابن علي ظلي أو علي قدري لا تزد ولا تنقص فبنى
وهذان القولان نقلا عن علي
وقال السدي الذي دله على موضع البيت جبريل فسار إبراهيم إلى مكة فلما وصلها وجد إسماعيل يصلح نبلا له وراء زمزم فقال له يا إسماعيل إن الله قد أمرني أن ابني بيتا قال إسماعيل فأقطع ربك فقال إبراهيم قد امرك أن تعينني على بنائه قال إذن أفعل فقام معه فجعل إبراهيم يبنيه وإسماعيل يناوله الحجارة
ثم قال إبراهيم لاسماعيل ائتني بحجر حسن أضعه على الركن فيكون للناس علما
فناداه أبو قبيس إن لك عندي وديعة وقيل بل جبريل أخبره بالحجر الأسود فأخذه ووضعه موضعه وكان كلما بنيا دعوا الله ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم
فلما أرتفع البنيان وضعت الشيخ عن رفع الحجارة قام على حجر وهو مقام إبراهيم فجعل يناوله فلما فرغ من بناء البيت أمره الله أن يؤذن في الناس بالحج فقال إبراهيم يا رب وما يبلغ صوتي قال أذن وعلي البلاغ فنادى أيا الناس إن الله قد كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق فسمعه ما بين السماء والأرض وما في أصلاب الرجال وأرحام النساء فأجابه من آمن ممن سبق في علم الله أن يحج إلى يوم القيامة فأجيب لبيك لبيك
ثم خرج بإسماعيل معه إلى التزوية فنزل به منى ومن معه من المسلمين فصلى بهم الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة ثم بات حتى أصبح فصلى بهم الفجر ثم سار إلى عرفة فقام هناك حتى إذا مالت الشمس جمع بين الصلاتين الظهر والعصر ثم راح بهم إلى الموقف من عرفة الذي يقف عليه الإمام فوقف به على الأراك فلما غربت الشمس دفع به ومن معه حتى أتى المزدلفة فجمع بها الصلاتين المغرب والعشاء الآخرة ثم بات بها ومن معه حتى إذا طلع الفجر صلى الغداة ثم وقف على قزح حتى إذا أسفر دفع بخ وبمن معه يريه ويعلمه كيف يصنع حتى رمى الجمرة وأراه المنجر ثم نحر وحلق وأراه كيف يطوف ثم عاد به إلى منى ليريه كيف رمى الجمار حتى فرغ من الحج وروي عن النبي أنجبرائيل هو الذي أرى إبراهيم كيف يحج وراوه عنه ابن عمر ولم يزل البيت على مكا بناه إبراهيم عليه السلام إلى أن هدمته قريش سنة خمس وثلاثين من مولد النبي على ما نذكره إن شاء الله تعالى
من هو الذبيح
ص 82
واختلف السلف من المسلمين في الذبيح فقال بعضهم وهو إسماعيل وقال بعضهم هو إسحاق وقد روي عن النبي كلا القولين ولو كان فيهما صحيح لم نعده إلى غيره
فأما الحديث في أن الذبيح إسحاق فقد روى الأحنف عن العباس بن عبد المطلب عن رسول الله ف يحديث ذكر فيه وفديناه بذبح عظيم هو إسحاق وقد روى هذا لحديث عن العباس من قوله لم يرفعه وأما الحديث الآخر في أن الذبيح إسماعيل فقد روى الصنابحي قال كنا عند معاوية بن أبي سفيان فذكروا الذبيح فقال على الخبير سقطتم كنا عند رسول الله فجاءه رجل فقال يا رسول الله عد علي ما أفاء الله عليك يا بن الذبيحين فضحك فقيل لمعاوية وما الذبيحان فقال إن عبد الملطب نذر ان سهل الله حفر زمزم أن يذبح أولاده فخرج السهم على عبد الله أبي النبي بمائة بعير وسنذكره إن شاء الله والذبيح الثاني إسماعيل
ذكر من قال إنه إسحاق
ص 83
ذهب عمر بن الخطاب وعلي والعباس بن عبد الملطب وابنه عبد الله رضي الله عنهم فيما رواه عنه عكرمة وعبد الله بن مسعود وكعب وابن سابط وابن أبي الهذيل ومسورق إلى أن الذبيح إسحاق عليه السلام
حدث عمرو بن ألأبي سفيان بن أبي أسيد بن جارية الثقفي أن كعبا قال لأبي هريرة أ لاأخبرك عن إسحاق بن إبراهيم قال بلى قال كعب لما رأى إبراهيم ذبح إسحاق قال الشيطان والله لئن لم أفتن عند هذا آل إبراهيم لم أفتن أحدا منهم بعد ذلك أبدا فتمثل رجلا يعرفونه فأقبل حتى إذا خرج إبراهيم بإسحاق قالت لبعض حاجته قال لا والله إنما غدا به ليذبحه قالت سارة لم يكن ليذبح وله قال الشيطان بلى والله لأنه زعم أن الله قد أمره بذلك قلات سارة فهذا أحسن بأن يطيع ربه ثم خرج الشيطان فأدرك إسحاق وهو مع أبيه فقال له إن إبراهيم يريد أن يذبك قال إسحاق ما كان لفعل قال بلى والله إنه زعم أن ربه أمره بذلك قال إسحاق فوالله لئن أمره ربه بذلك ليطيعنه
فتركه ولحق إبراهيم فقال أين أصبحت غايا بابنك قال لبعض حاجتي قال لا والله إنما تريد ذبحه قال ولم قال لانك زعمت أن الله أمرك بذلك قال إبراهيم فو الله إن كان الله أمرني بذلك لأفعلن فلما أخذ إبراهيم إسحاق ليذبحه أعفاه الله من ذلك وفداه بذبح عظيم
وأوحى الله إلى إسحاق إني معطيك دعوة أستجيب لك فيها قال إسحاق اللهم فأيما عبد لقيك من الأولين والآخرين لا يشرك بك شيئا فأدخله الجنة
وقال عبيد بن عمير قال موسى يا رب يقولون يا إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب فبم نالوا ذلك قا لإن إبراهيم لم يعدل بي شيئا قط إلا أختارني وإن إسحاق جاد لي بالذبح وهو بغير ذلك أجود وإن يعقوب كلما زدته بلاء زادني حسن ظن بي
الغريب
أسيد بفتح الهمزة وكسر السين وجارية بالجيم $
ذكر من قا لإن الذبيح إسماعيل عليه السلام
ص 84
روى سعيد بن جبير ويوسف بن مهران والشعبي ومجاهد وعطاء بن أبي رباح كلهم عن ابن عباس أنه قال إن الذبيح اسماعيل وقال زعمت اليهود أنه إسحاق وكذبت اليهود وقال أبة الطفيل والشعبي ومجاهد والحسن ومحمد بن كعب القرظي إنه إسماعيل قال الشعبي رأيت قرني الكبش في الكعبة قال محمد بن كعب إن الذي أمر الله إبراهيم بذبحه من ابنيه إسماعيل وإنا لنجد ذلك ف يكتاب الله في قصة الخبر عن إبراهيم وما أم ربه من ذبحه ابنه إنه إسماعيل وذلك أن الله تعالى حين فرغ من قصة المذبوح من ابني إبراهيم وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين ويقول فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب بإبن وابن ابن فلم يكن يأمره بذبح إسحاق وله فيه من الله عز وجل ما وعده وما الذي أمر بذبحه إلا إسماعيل فذكر ذلك محمد بن كعب لعمر بن عبد العزيز وهو خليفة فقال إن هذا لشيء ما كنت أنظر فيه وإني لأراه كما قلت
ذكر السبب الذي من أجله أمر إبراهيم بالذبح وصفة الذبح
ص 85
قيل أمر الله إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه فيما ذكر أنه دعا الله أن يهب له ولدا ذكرا صالحا فقال رب هب لي من الصالحين فلما بشرته الملائكة بغلام حليم قال إذن هو لله ذبيح فلما ولد الغلام وبلغ معه السعي قيل له أوف نذرك الذي نذرت
وهذا على قول من زعم أن الذبيح إسحاق وقائل هذا يزعم أن ذلك كان بالشام على ميلين من أيليا
وأما من زعم أنه إسماعيل فيقول إن ذلك كان بمكة
قال محمد بن إسحاق إن إبراهيم قال لابنه حين أمر بذبحه يا بني خذ الحبل والمدية ثم انطلق بنا إلى هذا الشعب لنحتطب لاهلك فلما توجه اعترضه ابليس ليصده عن ذلك فقال إليك عني يا عدو الله فوالله لأمضين لأمر الله
فاعترض اسماعيل فأعلمه ما يريد إبارهيم يصنع به فقال سمعا لأمر ربي وطاعة
فذهب إلى هاجر فأعلمها فقالت إن كان ربه أمره بذلك فتسليما لأمر الله
فرجع بغيظه لم يصب منهم شيئا
فلما خلا إبراهيم بالشعب وهو شعب ثبير قال له يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قا ليا أبت فعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين
ثم قال له يا أبت إن أردت ذبحي فاشدد رباطي لا يصيبك من دمي شيء فينتقص أجري فإن الموت شديد وأشحذ شفرتك حتى تريحني فإذا أضجعتني فكبني على وجهي فإني أخشى أن نظرت في وجهي أنك تدركك رحمة فتحول بينك وبين أمر اله وإن رأيت أن ترد قميصي إلى هاجر امي فعسى أن يكون أسلى لها عني فافعل فقال إبراهيم نعم المعين أنت أي نبي على أمر الله فربطه كما أمره ثم حد شفرته وتله للجبين ثم أدخل الشفرة لحلقه فقلبها الله لقفاها ثم اجتذبها إليه ليفرغ منه فنودي أن يا إبراهيم لقد صدقت الرؤيا هذه ذبيحتك فداء إبنك فاذبحها وقيل جعل الله على حلقه صفيحة نحاس قال ابن عباس خرج عليه كبش عليه السلام كان كبشا أقرن أعين أبيض وقال الحسن ما فدى إسماعيل إلا بتيس من الأروى هبطعليه من ثبير فذبحه قيل بالمقام وقيل بمنى في المنجر
ذكر ما امتحن اله به إبراهيم عليه السلام
ص 86
بعد ابتلاء الله تعالى إبراهيم بما كان من نمروذ وذبح ولده بعد رجاء نفعه ابتلاه الله بالكلمات التي أخبر أنه ابتلاه بهن فقال تعالى وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن واختلف السلف من العلماء الأئمة في هذه الكلمات فقال ابن عباس من رواية عكرمة عنه في قوله تعالى وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن لم يبتل أحد بهذا الدين فأقامه إلا إبراهيم وقال الله وإبراهيم الذي وفى قال والكلمات عشر في براءة وهي العابدون الحامدون الآية وعشر في الأحزاب وهي إن المسلمين والمسلمات الآية عشر في المؤمنين من أولها إلى قوله تعالى والذين هم على صلاتهم يحافظون وقال آخرون هي عشر خصال قال ابن عباس من رواية طاوس وغيره عنه الكلمات عشر وهي خمس في الرأس قص الشارب والمضمضمة والاستنشاق والسواك وفرق الرأس وخمس في الجسد وهي تقليم الأظفار وحلق العانة والختان ونتف الأبط وغسل أثر الغائط وقال آخرون هي مناسك الحج وقوله تعالى إني جاعلك للناس إماما وهو قول أبي صالح ومجاهد وقال آخرون هي ست وهي الكواكب والقمر والشمس والنار والهجرة والختان وذبح ابنه وهو قول الحسن قا لابتلاه بذلك فعرف أن ربه دائم لا يزول فوجه وجهه للذي فطر السموات والأرض وهاجر من وطنه وأراد ذبح ابنه وختن نفسه وقيل غير ذلك مما لا حاجة إليه في التاريخ المختصر وإنما ذكرنا هذا القدر لئلا يخلو من فصول الكتاب
ذكر عدو الله نمروذ وهلاكه
ص 87
ونرجع الآن إلى خبر عدو الله نمروذ وما آل اليه امره في دنياه وتمرده على الله تعالى واملاء الله له وكان أول جبار في الأرض وكان إحراقه إبراهيم ما قدمنا ذكره فاخرج إبراهيم عليه السلام من مدينته وحلف أنه يطلب إله إبراهيم فخذ أربعة أفرخ نسور فرباهن باللحم والخمر حتى كبرن وغلظن فقرنهن بتابوت وقعد في ذلك التابوت فأخذ معه رجلا ومعه لحم لهن فطرن به حتى إذا ذهبن أشرف ينظر إلى الأرض فرأى الجبال تدب كالنمل ثم رفع لهن اللحم ونظر إلى الأرض فراى الجبال تدب كالنمل ثم رفع لهن اللحم ونظر إلى الأرض فرآها يحيط بها بحر كأنها فلك في ماء ثم رفع طويلا فوقع ف يظلمة فلم ير ما فوقه وما تحته ففزع وألقى اللحم فاتبعه النسور منقضات فلما نظرت الجبال إليهن وقد أقبلن منقضات وسمعن حفيفيهن فزعت الجبال وكادت تزول ولم يفعلن وذلك قول الله تعالى وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال وكان طرانهن من بيت المقدس ووقوعهن في جبل الدخان فلما رأى أنه لا يطيق شيئا أخذ في بنيان الصرح فبناه حتى علا وارتقى فوقه ينظر إلى أله إبراهيم بزعمه وأحدث ولم يكن يحدث وأخذ الله بنيانهم من القواعد من أساس الصرح فسقط وتبلبلت الألسن يومئذ من الفزع فتكلموا بثلاثة وسبعين لساناص وكان لسان الناس قبل ذلك سريانيا
هكذا روي أنه لم يحدث وهذا ليس بشيء فإن الطبع البشري لم يخل منه إنسان حتى الأنبياء صلوات الله عليهم وهو أكثر اتصالا بالعالم العلوي وأشرف أنفسا ومع هذا فيأكلون ويشربون ويبولون ويتغوطون فلو نجا منه أحد لكان الأنبياء أولى لشرفهم وقربهم من الله تعالى وإن كان لكثرة ملكه فالصحيح أنه لم يملك مستقلا ولو ملك مستقلا لكان الاسكندر أكثر ملكا منه ومع هذا فلم يقل فيه شيء من هذا
قال زيد بن أسلم إن الله تعلى بعث إلى نمروذ بعدإبراهيم ملكاص يدعوه إلى الله أربع مرات فأبى وقال أرب غيري فقال له الملك اجمع جموعك إلى ثلاثة ايام فجمع جموعه ففتح الله عليه بابا من البعوض فطلعت الشمس فلم يروها من كثرتهل فبعثها فأرسل الله عليه بعوضة فدخلت في منخره فمكث يضرب رأسه بالمطارق فأرحم الناس به من يجمع يديه ويضرب بهما رأسه وكان ملكه ذلك أربعمائة سنة وأماته الله تعالى وهو الذي بنى الصرح
وقال جماعة إن نمروذ بن كنعان ملك مشرق الأرض ومغربها وهذا قول يدفعه أهل العلم باليسر وأخبار الملوك وذلك أنهم لا ينكرون أن مولد إبراهيم كان أيام الضحاك الذي ذكرنا بعض أخباره فيما مضى وأنه كان ملك شرق الأرض وغربها وقول القائل إن الضحاك الذي ملك الأرض هو نمروذ ليس بصحيح لأن أهل العلم بالمتقدمين يذكرون أن نسب نمروذ في النبط معروف ونسب الضحاك في الفرس مشهور وإنما الضحاك استعمل نمروذ على السواد وما اتصل به يمنة ويسرة وجعله وولده عمالا على ذلك وكان هو ينتقل في البلاد وكان وطنه ووطن أجداده دنباوند من جبال طبرستان وهناك رمى به افريدون حين ظفر به
وكذلك بختنصر ذكر بعضهم أنه ملك الأرض جميعها وليس كذلك وإنما كان اصبهذ ما بين الأهواز إلى أرض الروم من غربي دجلة من قبل لهرايب لأن لهراسب كان مشتغلا بقتال الترك مقيما بازائهم ببلخ وهو بناها لما تطاول مقامه هناك لحرب الترك ولم يملك أحد من النبط شبرا من الأرض مستقلا برأسه فكيف الأرض جميعها وإنما تطالوت مدة نمروذ بالسواد فمكث اربعمائة سنة ثم دخل من نسله بعد هلاكه جيل ياقل له نبط بن قعون ملك بعده مائة سنة ثم كداوص بن نبط ثمانين سنة ثم بالش بن كداوص مائة وعشرين سنة ثم نمروذ بن بالشن سنة وشهرا فذلك سبعمائة سنة وسنة وشهد أيام الضحاك وظن الناس في نمروذ ما ذكرناه فلما ملك افريدون وقهر الازدهاق قتل نمروذ بن بالشن وشرد النبط وقتل فيهم مقتلة عظيمة
ذكر قصة قوم لوط
ص 90
قد ذكرنا مهاجر لوط مع إبراهيم عليه السلام إلى مصر وعودهم إلى الشام ومقام لوط وبسدوم فلما أقام بها أرسله الله إلى أهلها وكانوا أهل كفر بالله تعالى وركوب فاحشة كما قال لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر فكان قطعهم السبيل أنهم كانوا ياخذون المسافر إذا مر بهم ويعلمون به ذلك العمل الخبيث وهو اللواطة وأما إتيانهم النمكر في ناديهم فقيل كانوا يحذفون من مر بهم ويسخرون منهم وقيل كانوا يتضارطون في مجالسهم وقيل كان يأتي بعضهم بعضا في مجالسهم وكان لوط يدعوهم إلى بعادة الله وينهاهم عن الأمور التي يكرها الله منهم من قطع السبيل وركوب الفواحش وإتيان الذكور في الأدبار ويتوعدهم على إصرارهم وترك التوبة بالعذاب الأليم فلا يزجرهم ذلك ولا يزيدهم وعظه إلا تماديا واستعجالا لعقاب الله انكارا منهم لوعيده ويقولون له أئتنا بعذاب الله أن كنت من الصادقين حتى سأل لوط ربه النصرة عليهم فلما تطاول عليه أمرهم وتماديهم في غيهم
فبعث الله لما أراد هلاكهم ونصر رسوله جبرائيل وملكين آخرين معه أحدهما ميكائيل والآخر إسرافيل فاقبلوا فيما ذكر مشاة في صورة رجال وأمرهم أن يبدأوا بإبراهيم وسارة ويبشروه بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب
فلما نزلوا على إبراهيم وكان الضيف قد أبطأ عنه خمسة عشر يوما حتى شق ذلك عليه وكان يضيف من نزل به وقد وسع الله عليه الرزق فرح بهم ورأى ضيفا لم ير مثلهم حسنا وجمالا فقال لا يخدم هؤلاء القوم أحد إلا أنا بيدي فخرج إلى أهله فجاء بعجل سمين قد حنذه أي أنضجه فقربه إليهم فأمسكوا أيديهم عنه فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط وامرأته سارة قائمة فضحكت لما رعفت من أمر الله ولما تعلم من قوم لوط فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب ف قالت وصكت وجهها يا ويلتى أألد وأنا عجوز إلى قوله حميد مجيد وكانت ابنة تسعين سنة وإبراهيم ابن عشرين ومائة
فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى ذهب يجادل جبرائيل في قوم لوط فقال له أرأيت إن كان فيهم خمسون من المسلمين قالوا وإن كان فيهم خمسون من المسلمين لم يعذبهم قال وأربعون قالوا وأربعون قال وثلاثون حتى بلغ عشرة قالوا وإن كان فيهم عشرة قال ما قوم لا يكون فيهم عشرة فيهم خير ثم قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين
ثم مضت الملائكة نحو سدوم قرية لوط انتهوا إليها لقوا لوطا في أرض له يعمل فيها وقد قال الله تعالى لهم لا تهلكوهم حتى تشهدوا عليهم لوطا أربع شهادات فأتوه فقالوا أنا مضيفوك الليلة فانطلق بهم فلما مشى ساعة التفت إليهم فقال لهم أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية والله ما أعلم على ظهر الأرض إنسانا أخبث لهم أما تعلمون ما يعمل أهل القرية والله ما أعلم على ظهر الأرض إنسانا أخبث منهم حتى قال ذلك أربع مرات
وقيل بل لقوا ابنته فقالوا يا جارية هل من منزل قالت نعم مكانكم لا تدخلوا حتى آتيكم خافت عليهم من قومها فأتت أباها فقالت يا أبتاه أدرك فتيانا على باب المدينة ما رأيت أصبح وجوها منهم لئلا يأخذهم قومك فيفضحوهم وكان قومه قد نهوه أن يضيف رجلا فجاء بهم فلم يعلم إلا أهل بيت لوط فخرجت امرأته فأخبرت قومها وقالت لهم قد نزل بنا قوم ما رأيت أحسن وجوها منهم ولا أطيب رائحة فجاءه قومه يهرعون إليه فقال يا قوم اتقوا الله ولا تخزوني في ضيفي أليس منكم رجل رشيد فنهاهم ورغبهم
وقال هؤلاء بناتي هن أطهر لكم مما تريدون قالوا لقد علمت مالنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد أو لم ننهك عن العالمين فلما لم يقبلوا منه قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد يعني لو أن لي أنصارا أو عشيرة يمنعوني منك فلما قال ذلك وجد عليه الرسل فقالوا إن ركنك لشديد ولم يبعث الله نبيا إلا في ثروة من قومه ومنعه من عشيرته وأغلق لوط الباب فعالجوه وفتح لوط الباب فدخلوا واستأذن جبرائيل ربه في عقوبتهم فإذن له فبسط جناحه ففقأ أعينهم وخرجوا يدوس بعضهم بعضا عميانا يقولون النجاء النجاء فإن في بيت لوط أسحر قوم في الأرض وقالوا للوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فاسر بأهلك بقطع من الليل وابتع أدبارهم ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون
فاخرجهم الله إلى الشام وقال لوط أهلكوهم الساعة فقالوا لن نؤمر إلا بالصبح أليس الصبح بقريب
فلما كان الصبح أدخل جبرائيل وقيل ميكائيل جناحه في أرضهم وقراهم الخمس فرفعها حتى سمع أهل السماء صياح ديكتهم ونباح كلابهم ثم قلبها فجعل عاليها سافها وأمطر عليهم حجارة من سجيل فأهلكت من لم يكن بالقرى وسمعت امرأة لوط الهدة فقالت واقوماه فأدركها حجر فقتلها ونجى الله لوطا وألهه إلا مرأته وذكر أنه كان فيها أربعمائة أف وكان إبراهيم يتشرف عليها ويقول سدوم يوما هالك
ومدائن قوم لوط خمس سدوم وصبعة وعمرة ودوما وصعوة وسدوم هي القرى العظمى
الغريب
يهرعون إليه هو مشي بين الهرولة والمجز
ذكر وفاة سارة زوج إبراهيم عليه السلام وذكر أولاده وأزواجه
لا يدفع أحد من أهل العلم أن سارة توفيت بالشام ولها مائة وسبع وعشرون سنة
وقيل إنها كانت بقرية الجبابرة من أرض كنعان وقيل عاشت هاجر بعد سارة مدة والصحيح أن هاجر توفيت قبل سارة كما ذكرنا في مسير إبراهيم إلى مكة وهو الصحيح إن شاء الله تعالى
فلما ماتت سارة تزوج بعدها قطورا ابنة يقطن امرأة من الكنعانيين فولدت له ستة نفر يقشان وزمران ومدين ومدان ونشق وسوح وكان جميع أولاد إبراهيم مع إسماعيل وإسحاق وثمانية نفر وكان إسماعيل بكره وقيل في عدد أولاده غير ذلك فالبربر من ولد يقشان وأهل مدين قوم شعيب من ولد مدين وقيل تزوج بعد قطورا امرأة أخرى اسمها حجون ابنة أهير
ذكر وفاة إبراهيم وعدد ما أنزل عليه
ص 93
قيل لما أراد الله قبض روح إبراهيم أرسل إليه ملك الموت في صورة شيخ هرم فرآه إبراهيم وهو يطعم الناس وهو شيخ كبير في الحر فبعث إليه بحمار فركبه حتى أتاه فجعل الشيخ يأخذ اللقمة يريد أن يدخلها فاه فيدخلها في عينه وأذنه ثم يدخلها فاه فإذا دخلت جوفه خرجت من دبره وكان إبراهيم سأل ربه أن لا يقبض روحه حتى يكون هو الذي يسأله الموت فقال يا شيخ مالم تصنع هذا قال يا إبراهيم الكبر قال ابن كم أنت فزاد على عمر إبراهيم ستين فقال إبراهيم إنما بيني وبين أن أصير هكذا سنتان اللهم اقبضني إليك فقام الشيخ وقبض روحه ومات وهو ابن مائتي سنة وقيل مائة وخمس وسبعين سنة
وهذا عندي فه نظر لان إبراهيم لا يخلو أن يكون قد رأى من هو أكبر منه بسنتين أو أكثر من ذلك فإن من عاش مائتي سنة كيف لا يرى من هو أكبر منه بهذا القدر القريب ولكن هكذا روي ثم إنه قد بلغه عمر نوح ولم يصبه شيء مما رأى بذلك الرجل
صحف إبراهيم
ص 93
وروى أبو ذر عن النبي أنه قال وأنزل الله على عشر صحائف قال قلت يا رسول الله فما كانت صحف إبراهيم قال كانت أمثالا كلها أيها الملك المسلط المبتلي المغرور إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها إلى بعض ولكن بعثتك لترد عني دعوة المظلوم فإني لا أردها ولو كانت من كافر وكان فيها أمثال منها وعلى العاقل ما لم يكن مغلوبا على عقله أن يكون له ساعات ساة يناجي فيها ربه وساعة يكفر فيها في صنع الله وساعة يحاسب فيها نفسه وساعة يخلو فيها بحاجته من الحلال في المطعم والمشرب وعلى العاقل أن لا يكون ظاعنا إلا في ثلاث تزود لمعادة أو مرمة لمعاشة أو لذة في غير محرم وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه مقبلا على شانه حافظا للسانه ومن حسب كلامه من عمله قل إلا فيما يعنيه
وهو أول من اختتن وأول من أضاف الضيف وأول من اتخذ السراويل إلى غير ذلك من الأقاويل
ذكر خبر ولد إسماعيل بن إبراهيم
ص 94
قد ذكرنا فيما مضى سب إسكان إسماعيل الحرم وتزوجه امرأة من جرهم وفراقه إياها بأمر إبراهيم ثم تزوج أخرى وهي السيدة بنت مضاض الجرهمي وهي التي قال لها قولي لزوجك قد رضيت عتبة بابك فولدت لإسماعيل اثني عشر رجلا نابت وقيذار واذيل وميشا ومسمع ورما وماش وآزر وقطورا وفاقس وطميا وقيدمان وكان عمر إسماعيل فيما يزعمون سبعا وثلاثون ومائة سنة ومن نابت وقيذار بني إسماعيل نشر الله العرب
وأرسله الله تعالى إلى العماليق وقبائل اليمن وقد ينطق أولاد إسماعيل بغير الألفاظ التي ذكرت
ولما حضرت إسماعيل الوفاة أوصى إلى أخيه إسحاق أن يزوج ابنته من العبص بن إسحاق وأن يدفن عند قبر أمه هاجر بالحجر
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.