الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / الكامل في التاريخ / الجزء الأول / ذكر الأحداث التي كانت بين نوح وإبراهيم
17

ذكر الأحداث التي كانت بين نوح وإبراهيم

الجزء الأول 3 عنصر صفحة 63
ص 63

قد ذكرنا ما كان من أمر نوح وأمر ولده واقتسامهم الأرض بعده ومساكن كل فريق منهم فكلن ممن طغى وبغى فأرسل الله إليهم رسولا فكذبوه فأهلكك الله هذان الحيان من ولد إرم بن سام بن نوح أحدهما عاد والثاني ثمود

نبي الله هود عليه السلام ص 64

فأما عاد فهو عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح وهو عاد الأولى وكانت مساكنهم ما بين الشحر وعمان وحضرموت بالأحقاف فكانوا جبارين طوال القامة لم يكن مثلهم يقول الله تعالى واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بسطة فأرسل الله إليهم هود بن عبد الله بن رباح بن الجلود بن عاد بن عوص ومن الناس من يزعم أنه هود وهو عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح وكانوا أهل أوثان ثلاثة يقال لأحدهما ضرا وللآخر ضمور وللثالث الهباء فدعاهم إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة دون غيره وترك ظلم الناس فكذبوه وقالوا من أشد منا قوة

ولم يؤمن بهود منهم إلا قليل وكان من أمره ما ذكره ابن إسحاق قال إن عادا أصابهم قحط تتابع عليهم بتكذيبهم هودا فلما أصابهم قالوا جهزوا منكم وفدا إلى مكة يستسقون لكم فبعثوا قيل بن عير ولقيم بن هزال ومرثد بن سعد وكان مسلما يكتم إسلامه وجلهمة بن الخيبيري خال معاوية بن بكر ولقمان بن عاد بن فلان بن عاد الأكبر في سبعين رجلا من قومهم فلما قدموا مكة نزلوا على معاوية بن بكر بظاهر مكة خارجا عن الحرم فأكرمهم وكانوا اخواله وصهره لأن لقيم بن هزال كان تزوج هزيلة بنت بكر أخت معاوية فأولدها أولادا كانوا عند خالهم معاوية بمكة وهم عبيد وعمرو وعامر وعمير بنو لقيم وهم عاد الآخرة التي بقيت بعد عاد الأولى فلما نزلوا علة معاوية طول مقامهم وتركهم ما أرسلوا له ذلك للجرادتين فقالتا قل شعرا نغنيهم به لا يدرون من قائله لعلهم يتركون فقال معاوية

( ألا ياقيل ويحك قم فهينم % لعل الله يصحبنا غماما )

( فيسقي أرض عاد إن عادا % قد أمسوا لا يبينون الكلاما ) في أبيات ذكرها والهيمنة الكلام الخفي فلما غنتهم الجرادتان ذلك الشعر وسمعه القوم قال بعضهم لبعض يا قوم بعثكم قومكم يتغوثون بكم من البلاء الذي نزل بهم فأبطأتم عليهم ولكن أطيعوا نبيكم فأنتم تسقون وأظهر إسلامه عند ذلك فقال جلهمة بن الخيبري خال معاوية لمعاوية بن بكر احبس عنا مرثد بن سعد وخرجوا إلى مكة يستسقون بها لعاد فدعوا الله تعالى لقومهم واستسقوا فأنشأ الله سحائب ثلاثا بيضاء وحمراء وسوداء فإنها أكثر ماء فناداه مناد اخترت رمادا رمددا ألا تبقي من عاد أحدا لا ولد تترك ولا والد إلا جعلته همدا إلا بني اللوذية المهدي

وبنو اللوذية بنو لقيم بن هزال كانوا بمكة عند خالهم معاوية بن بكر وساق الله السحابة السوداء بما فيها من العذاب إلى عاد فخرجت عليهم من واد يقال له المغيث فلما رأوها استبشروا بها وقالوا هذا عارض ممطرنا يقول الله تعالى بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم تدمر كل شيء بأمر ربها أي كل شيء أمرت به وكان صاحت وصعقت فلما أفاقت قالوا ماذا رأيت

قالت رأيت ريحا الريح من الوادي قال شعبة رهط من الخلجان تعالوا حتى نقوم على شفير الوادي فنردها فجعلت الريح تدخل تحت الواحد منهم فتحمله فتدق عنقه وبقي الخلجان فمال إلى الجبل وقال

( لم يبق إلا الخلجان نفسه % يالك من يوم دهاني أمسه )

( بثابت الوطء شديد وطسه % لو لم يجئني جئته أجسه )

فقال له هود أسلم تسلم فقال ومالي قال الجنة فقال فما هؤلاء الذين في السحاب كأنهم البخت

قال الملائكة قال أيعيذني ربك منهم إن أسلمت قال هل رأيت ملكا لا يعيذ من جنده قال لو فعل ما رضيت

ثم جاءت الريح وألحقته بأصحابه وسخرها الله عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما كما قال تعالى والحسوم الدائمة فلم تدع من عاد أحدا إلا هلك واعتزل هود والمؤمنون في حظيرة لم يصبه ومن معه الأتليين الجلود وإنها لتمر من علد بالظعن ما بين السماء والأرض وتدمغهم بالحجارة

وعاد وفد عاد إلى معاوية بن بكر فنزلوا عليه فأتاهم رجل على ناقة فأخبرهم بمصاب عاد وسلامة هود قال وكان قد قيل للقمان بن عاد اختر لنفسك إلا أنه لا سبيل إلى الخلود فقال يا رب أعطني عمرا فقيل له اختر فاختار عمر سبعة انسر فعمر فيما يزعمون عمر سبعة أنسر فكان يأخذ الفرخ الذكر حين يخرج من بيضته حتى إذا مات أخذ غيره وكان يعيش كل نسر ثمانين سنة فلما مات السابع مات لقمان معه وكان السابع يسمى لبدا قال وكان عمر هود مائة وخمسين سنة وقبره بحضرموت وقيل بالحجر من مكة فلما هلكوا أرسل الله طيرا أسود فنقلتهم إلى البحر فذلك قوله تعالى فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم ولم تخرج ريح قط إلا بمكيال إلا يومئذ فإنها عتت على الخزنة فذلك قوله فأهلكوا بريح صرصر عاتية وكانت الريح تقلع الشجرة العظيمة بعروقها وتهدم البيت على من فيه

صالح عليه السلام ص 67

وأما ثمود فهو ولد ثمود بن جاثر بن أرم بن سام وكانت مساكين ثمود بالحجر بين الحجاز والشام وكانوا بعد عاد قد كثروا وكفروا وعتوا فبعث الله إليهم صالح بن عبيد بن أسف بن ماشج بن عبيد بن جادر بن ثمود وقيل أسف بن كماشج بن اروم بن ثمود يدعوعهم إلى توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة فقالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا أتنهانا وكان الله قد أطال أعمارهم حتى إن كان أحدهم يبني البيت من المدر فينهدم وهو حي فلما رأوا ذلك اتخذوا من الجبال بيوتا فارهين فنحتوها وكانوا في سعة من معيشهم ولم يزل صالح يدعوهم فلم يتبعه منهم إلا قليل مستضعفون فلما ألح عليهم بالدعاء والتحذير والتخويف سألوه فقالوا يا صالح أخرج معنا إلى عيدنا وكان لهم عيد يخرجون إليه بأصنامهم فأرنا آية فتدعو إلهك وندعو آلهتنا فإن استجيب لك اتبعناك وإن استجيب لنا اتبعتنا فقال فخرجوا بأصنامهم وصالح معهم فدعوا أصنامهم أن لا يستجاب لصالح ما يدعو به وقال له سيد قومه يا صالح أخرج لنا من هذه الصخرة لصخرة منفردة ناقة جوفاء عشراء فإن فعلت ذلك صدقناك فأخذ عليهم المواثيق بذلك وأتى الصخرة وصلى ودعا ربه عز وجل فإذا هي تتمخض كما تتمخض الحامل ثم انفجرت وخرجت من وسطها الناقة كما طلبوا وهم ينظرون ثم نتجت سقبا مثلها في العظم فآمن به سيد قومه واسمه جندع بن عمرو ورهط من قومه فلما خرجت الناقة قال لهم صالح هذه الناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم ومتى عقرتموها أهلككم الله فكان شربها يوما وشربهم يوما معلوما فإذا كان يوم شربها خلوا بينها وبين الماء وحلبوا لبنها وملأ وأكل وإناء وإذا كان يوم شربهم صرفوها عن الماء فلم تشرب منه شيئا وتزودوا من الماء للغد فأوحى الله إلى صالح أن قومك سيعقرون الناقة فقال لهم ذلك فقالوا ما كنا لنفعل قال لا تعقروع أنتم يوشك أن يولد فيكم مولدو يعقرها قالوا وما علامته فوالله لا نجده إلا قتلناه قال فإنه غلام أشقر أزرق أصهب أحمر قال فكان في المدينة شيخان عزيزان منيعان لأحدهما ابن رغب له عن المناكح وللأخر ابنة لا يجد لها كفؤا فزوج أحدهما ابنه بأبنة الآخر فولد بينهما المولود فلما قال لهم صالح إنما يعقرها مولود فيكم اختاروا قوابل من القرية وجعلوا معهن شرطا يطوفون في القرية فإذا وجدوا امراة تلد نظروا ولدها ما هو فلما وجدوا ذلك المولد صرخ النسوة وفلن هذا الذي يريد نبي الله صالح فأراد الشرط أن ياخذوه فحال جداه بينهم وبينه وقالوا لو أراد صالح هذا لقتلناه

فكان شر مولود وكان يشب في اليوم شباب غيره في الجمعة فاجتمع تسعة رهط منهم يفسدون في الأرض ولا يصلحون كانوا قتلوا أبناءهم حين ولدوا خوفا أن يكون عاقر الناقة منهم ثم ندموا فأقسموا ليقتلن صالحا وأهله وقالوا نخرج فنرى الناس أننا نريد السفر فنأتي الغار الذي على طريق صالح فنكون فيه فإذا جاء الليل وخرج صالح إلى مسجده قتلناه ثم رجعنا إلى الغار ثم انصرفنا إلى رحالنا وقلناما شهدنا قتله فيصدقنا قومه وكان صالح لا يبيت معهم كان يخرج إلى مسجد له يعرف بمسجد صالح فيبيت فيه فلما دخلوا الغار سقطت عليهم صخرة فقتلتهم فانطلق رجال ممن عرف الحال إلى الغار فرأوهم هلكى فعادوا يصيحون أن صالحا امرهم بقيل أولادهم ثم قتلهم وقيل إنما كان تقاسم الذين عقروا الناقة قالوا تعالوا فلنقتل صالحا فإن كان صادقا عجلنا قتله وإن كان كاذبا ألحقناه بالناقة فأتوه ليلا في أهله فدمغتهم الملائكة بالحجارة فهلكوا فاتى أصحابهم فرأوهم هلكى فقالوا لصالح أنت قتلتهم وأرادوا قتله فمنعهم عشيرته وقالوا إنه قد أنذركم العذاب فإن كان صادقا فلا تزيدوا ربكم غضبا وإن كان كاذبا فنحن نسلمه إليكم فعادوا عنه

فعلى القول الأول يكون التسعة الذين تقاسموا غير الذين عقروا الناقة والثاني أصح والله أعلم

وأما سبب قتل الناقة فقيل إن قدار بن سالف جلس مع نفر يشربون الخمر فلم يقدروا على ماء يمزحون به خمرهم لنه كان يوم شرب الناقة فحرص بعضهم بعضا على قتلها وقيل إن ثمودا كان فيهم امرأتان يقال لاحداهما قطام والآخرى قبال وكان قدار يهوى قطام ومصدع يهوى قبال ويجتمعان بهما ففي بعض الليالي قلتا لقدار ومصدع لا سبيل لكما إلينا حتى تقتلا الناقة فقالا نعم وخرجا وجمعا أصحابهما وقصدا الناقة وهي على حوضها فقال الشقي لأحدهم اذهب فاعقرها فأتاها فتعاظمه ذلك فأصرت عنه وبعث آخر بأعظم ذلك وجعل لا يبعث أحدا إلا تعاظمه قتلها حتى مشى هو إليها فتطاول فضرب عرقوبها فوقعت تركض وكان قتلها يوم الأربعاء واسمه بلغتهم جبار وكان هلاكهم يوم الأحد وهو عندهم أول فلما قتلت أتى رجل منهم صالحا فقال أدرك الناقة فقد عقروها فأقبل وخرجوا يتلقونه يعتذرون إليه يا نبي الله إنما عقرها فلان إنه لا ذنب لنا قال أنظروا هل تدركون فصيلها فإن أدركتموه فعسى الله أن يرفع عنكم العذاب فخرجوا يطلبونه ولما رأى الفصيل أمه تضطرب قصد جبلا يقال له القارة قصيرا فصعده وذهبوا يطلبونه فأوحى الله إلى الجبل فطال في السماء حتى ما يناله الطير ودخل صالح القرية ولما رآه الفصيل بكى حتى سالت دموعه ثم استقبل صالحا فرغا ثلاثا فقال صالح لكل رغوة أجل يوم تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب وآية العذاب أن وجوهكم تصبح في اليوم الأول مصفرة وتصبح في اليوم الثاني محمرة وتصبح في اليوم الثالث مسودة فلما أصبحوا إذا وجوههم كأنما طليت بالقار فتكفنوا وتحنطوا يقلبون أبصارهم إلى السماء والأرض لا يدرون من أين يأتيهم العذاب فلما أصبحوا في اليوم الرابع أتتهم صيحة من السماء فيها صوت كالصاعقة فتقطعت قلوبهم في صدورهم فاصبحوا في ديارهم جاثمين وأهلك الله من كان بين المشارق والمغارب منهم إلا رجلا كان في الحرم فمنعه الحرم قيل ومن هو قيل هو أبو رغال وهو أبو ثقيف في قول ولما سار النبي أتى على قرية ثمود فقال لأصحابه لا يدخلن أحد منكم القرية ولا تشربوا من مائها وأراهم مرتقى الفصيل في الجبل وأراهم الفج الذي كانت الناقة ترد منه الماء

وأما صالح عليه السلام فإنه سار إلى الشام فنزل فلسطين ثم انتقل إلى مكة فأقامك بها يعبد الله حتى مات وهو ابن ثمان وخمسين سنة وكان قد أقام في قومه يدعوهم عشرين سنة

وأما أهل التوراة فإنهم يزعمون أنه لا ذكر لعاد وهود وثمود وصالح في التوراة قال وأمرهم عند العرب في الجاهلية والإسلام كشهرة إبراهيم الخليل عليه السلام

قلت وليس إنمارهم ذلك بأعجب من إنكارهم نبوة إبراهيم الخليل ورسالته وكذلك إنكارهم حال المسيح عليه السلام

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.