وأما علماء الفرس فإنهم قالوا ملك بعد طهمورت جمشيد والشيد عندهم الشعاع وجم القمر لقبوه بذلك لجماله وهو جم بن ويونجهان وهو أخو طهمورث
وقيل إنه ملك الأقاليم السبعة وسخر له ما فيها من الجن والأنس وعقد التاج على رأسه وأمر لسنة مضت من ملكه إلى خمسين سنة بعمل السيوف والدروع وسائر الأسلحة وآله الصناع من الحديد ومن سنة خمسين من ملكه إلى سنة مائة بعمل الابريسم وغزله والقطن والكتان وكل ما يستطاع غزاه وحياكه ذلك وصبغه ألونا ولبسه ومن سنة مائة إلى سنة خمسين ومائة صنف الناس أربع طبقات طبقة مقاتلة وطبقة فقهاء وطبقة كتاب وصناع وطبقة حراثين واتخذ منهم خدما ووضع لكل أمر خاتما مخصوصا به فكتب على خاتم الحرب الرفق والمدارة وعلى خاتم الخراج العمارة والعدل وعلى خاتم البرد والرسل الصدق والأمانة وعلى خاتم المظالم السياسة والانتصاف وبقيت رسوم تلك الخواتيم حتى محاها الإسلام
ومن سنة مائة وخمسين إلى سنة خمسين ومائتين حارب الشياطين وأذلهم وقهرهم وسخروا له ومن سنة خمسين ومائتين إلى سنة ست عشرة وثلاثمائة وكل الشياطين بقطع الحجار والصخور من الجبال وعمل والرخام والجص والكلس والبناء بذلك الحمامات والنقل من البحار والجبال والمعادن والذهب والفضة وسائر ما يذاب من الحوهر وأنواع الطيب والادوية فنفذوا في ذلك بأمره
ثم أمر فصنعت له عجلة من الزجاج فاصفد فيها الشياطين وركبها وأقبل عليها في الهواء من دنباوند إلى بابل في يوم واحد وهو هرمزروز وافروردين ماء فاتخذ الناس ذلك اليوم عيدا وخمسة أيام بعده
وكتب إلى الناس في اليوم السادس يخبرهم أنه قد سار بسيرة ارتضاها الله فكان من جزائه إياه عليها أنه قد جنبهم الحر والبرد والأسقام والهرم والحسد فمكث الناس ثلاثمائة سنة بعد الثلاثمائة والستة عشر سنة لا يصيبهم شيئ مما ذكره ثم بنى قنطرة على دجلة فبقيت دهرا طويلا حتى خربها الاسكندر وأراد الملوك عمل مثلها فعجزوا فعدلوا إلى عمل الجسور من الخشب ثم أن جما بطر نعمة الله عليه وجمع الأنس والجن والشياطين وأخبرهم أنه وليهم ومانعهم بقوته من الأسقام والهرم والموت وتمادى في غيه فلم يحر أحد منهم جوابا وفقد مكانه وبهاءه وعزه وتخلت عنه الملائكة الذي كان الله أمرهم بسياسة أمره فأحس بذلك بيوراسب الذي سمي الضحاك فابتدر إلى جم لينتهسه فهرب منه ثم ظفر به بعد ذلك بيوراسب فاستطرد أمعاءه وأشره بمئشار وقيل إنه أدعى الربوبية فوثب عليه أخوه ليقتله واسمه اسفنور فتوارى عنه مائة سنة فخرج عليه في تواريه بيوراسب فغلبه على ملكه وقيل كان ملكه سبعمائة سنة وست عشرة سنة وأربعمائة أشهر
قلت وهذا الفصل من حديث جم قد أتينا به تاما بعد أن كنا عازمين على تركه لما فيه من الأشياء التي تمجها الأسماع وتأباها العقول والطباع فإنها من خرافات الفرس مع أشياء أخر قد تقدمت قبلها وإنما ذكرناها ليعلم جهل الفرس فإنهم كثيرا ما يشنعون على العرب بجهلهم وما بلغوا هذا ولأنا لو كنا تركنا هذا الفصل لخلا من شيء نذكره من أخبارهم
