اتفق أهل السنة على أن الجميع عدول ، ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة ، وقد ذكر الخطيب في ' الكفاية ' فصلا نفيسا في ذلك ، فقال : عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم ، وإخباره عن طهارتهم ، واختياره لهم ؛ فمن ذلك قوله تعالى : ^ ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) ^ ، وقوله : ^ ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) ^ . وقوله : ^ ( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم ) ^ . وقوله : ^ ( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه ) ^ وقوله : ^ ( يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين ) ^ وقوله : ^ ( للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا ، وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون . . . ) ^ إلى قوله : ^ ( إنك رءوف رحيم ) ^ - في آيات كثيرة يطول ذكرها ، وأحاديث شهيرة يكثر تعدادها ؛ وجميع ذلك يقتضي القطع بتعديلهم ، ولا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله له إلى تعديل أحد من الخلق ؛ على أنه لو لم يرد من الله ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد . ونصرة الإسلام ، وبذل المهج والأموال ، وقتل الآباء والأبناء . والمناصحة في الدين ، وقوة الإيمان واليقين - القطع على تعديلهم ، والاعتقاد لنزاهتهم ، وأنهم أفضل من جميع الخالفين بعدهم ، والمعدلين الذين يجيئون من بعدهم .
هذا مذهب كافة العلماء ، ومن يعتمد قوله .
ثم روى بسنده إلى أبي زرعة الرازي ، قال : إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق ؛ وذلك أن الرسول حق ، والقرآن حق ، وما جاء به حق ؛ وإنما أدى إلينا ذلك كله الصحابة ؛ وهؤلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة ، والجرح بهم أولى ، وهم زنادقة . انتهى .
والأحاديث الواردة في تفضيل الصحابة كثيرة ؛ من أدلها على المقصود ما رواه الترمذي وابن حبان في صحيحه ، من حديث عبد الله بن مغفل . قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا ، فمن أحبهم فبحبي أحبهم ، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ، ومن آذاهم فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله ، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه ' .
وقال أبو محمد بن حزم : الصحابة كلهم من أهل الجنة قطعا ؛ قال الله تعالى : ^ ( لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى ) ^ وقال تعالى : ^ ( إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ) ^ : فثبت أن الجميع من أهل الجنة ، وأنه لا يدخل أحد منهم النار ، لأنهم المخاطبون بالآية السابقة .
فإن قيل : التقييد بالإنفاق والقتال يخرج من لم يتصف بذلك ، وكذلك التقييد بالإحسان في الآية السابقة ؛ وهي قوله تعالى : ^ ( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ) ^ الآية - يخرج من لم يتصف بذلك ؛ وهي من أصرح ما ورد في المقصود ؛ ولهذا قال المازري في شرح البرهان : لسنا نعني بقولنا : الصحابة عدول - كل من رآه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يوما ما ، أو زاره لماما ، أو اجتمع به لغرض وانصرف عن كثب ، وإنما نعني به الدين لازموه وعزروه ونصروه ، واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون . انتهى .
والجواب عن ذلك أن التقييدات المذكورة خرجت مخرج الغالب ، وإلا فالمراد من اتصف بالإنفاق والقتال بالفعل أو القوة . وأما كلام المازري فلم يوافق عليه ؛ بل اعترضه جماعة من الفضلاء . وقال الشيخ صلاح الدين العلائي : هو قول غريب يخرج كثيرا من المشهورين بالصحبة والرواية عن الحكم بالعدالة : كوائل بن حجر ، ومالك بن الحويرث ، وعثمان بن أبي العاص ، وغيرهم ؛ ممن وفد عليه صلى الله عليه وسلم ، ولم يقم عنده إلا قليلا وانصرف ؛ وكذلك من لم يعرف إلا برواية الحديث الواحد ، ولم يعرف مقدار إقامته من أعراب القبائل ، والقول بالتعميم هو الذي صرح به الجمهور ، وهو المعتبر ، والله سبحانه وتعالى أعلم .
وقد كان تعظيم الصحابة - ولو كان اجتماعهم به صلى الله عليه وسلم قليلا - مقررا عند الخلفاء الراشدين وغيرهم ؛ فمن ذلك ما قرأت في كتاب أخبار الخوارج تأليف محمد ابن قدامة المروزي بخط بعض من سمعه منه في سنة سبع وأربعين ومائتين ، قال : حدثنا علي بن الجعد ، حدثنا زهير - هو الجعفي ، عن الأسود بن قيس بن نبيح العنزي ، قال : كنت عند أبي سعيد الخدري ، وقرأت على أبي الحسن علي بن أحمد المرادي بدمشق ، عن زينب بنت الكمال سماعا ، عن يحيى بن القميرة ، إجازة ، عن شهدة الكاتبة سماعا قالت : أخبرنا الحسين بن أحمد بن طلحة ، أخبرنا أبو عمر بن مهدي ، حدثنا محمد بن أحمد بن يعقوب ، حدثنا جدي يعقوب بن شيبة . حدثنا محمد بن سعيد القزويني أبو سعيد ، حدثنا أبو خيثمة زهير بن معاوية الجعفي ، عن الأسود - يعني ابن قيس ، عن نبيح - يعني العنزي ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : كنا عنده وهو متكئ . فذكرنا عليا ومعاوية ، فتناول رجل معاوية ، فاستوى أبو سعيد الخدري جالسا ، ثم قال : كنا ننزل رفاقا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكنا في رفقة فيها أبو بكر ، فنزلنا على أهل أبيات ، وفيهم امرأة حبلى ، ومعنا رجل من أهل البادية ، فقال للمرأة الحامل : أيسرك أن تلدي غلاما ؟ قالت : نعم , قال : إن أعطيتني شاة ولدت غلاما . فأعطته . فسجع لها أسجاعا ، ثم عمد إلى الشاة فذبحها وطبخها ، وجلسنا نأكل منها ، ومعنا أبو بكر ؛ فلما علم بالقصة قام فتقيأ كل شيء أكل . قال : ثم رأيت ذلك البدوي أتى به عمر بن الخطاب وقد هجا الأنصار ؛ فقال لهم عمر : لولا أن له صحبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أدري ما نال فيها لكفيتموه ، ولكن له صحبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم .
لفظ علي بن الجعد : ورجال هذا الحديث ثقات ؛ وقد توقف عمر رضي الله عنه عن معاتبته فضلا عن معاقبته لكونه علم أنه لقي النبي صلى الله عليه وسلم .
وفي ذلك أبين شاهد على أنهم كانوا يعتقدون أن شأن الصحبة لا يعد له شيء . كما ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري من قوله صلى الله عليه وسلم : ' والذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه .
وتواتر عنه صلى الله عليه وسلم قوله : ' خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ' .
قال بهز بن حكيم ، عن أبيه ، عن جده . عن النبي صلى الله عليه وسلم : ' أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله عز وجل ' .
وروى البزار في مسنده بسند رجاله موثقون من حديث سعيد بن المسيب ، عن جابر ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' إن الله اختار أصحابي على الثقلين سوى النبيين والمرسلين ' .
وقال عبد الله بن هاشم الطوسي : حدثنا وكيع ، قال : سمعت سفيان يقول في قوله تعالى : ^ ( قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى ) ^ - قال : هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم والأخبار في هذا كثيرة جدا فلنقتصر على هذا القدر ففيه مقنع .
