الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / الإصابة في تمييز الصحابة / القسم الأول / ( الفصل الثالث في بيان حال الصحابة من العدالة )
5

( الفصل الثالث في بيان حال الصحابة من العدالة )

القسم الأول 1 عنصر صفحة 9
ص 9

اتفق أهل السنة على أن الجميع عدول ، ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة ، وقد ذكر الخطيب في ' الكفاية ' فصلا نفيسا في ذلك ، فقال : عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم ، وإخباره عن طهارتهم ، واختياره لهم ؛ فمن ذلك قوله تعالى : ^ ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) ^ ، وقوله : ^ ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) ^ . وقوله : ^ ( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم ) ^ . وقوله : ^ ( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه ) ^ وقوله : ^ ( يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين ) ^ وقوله : ^ ( للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا ، وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون . . . ) ^ إلى قوله : ^ ( إنك رءوف رحيم ) ^ - في آيات كثيرة يطول ذكرها ، وأحاديث شهيرة يكثر تعدادها ؛ وجميع ذلك يقتضي القطع بتعديلهم ، ولا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله له إلى تعديل أحد من الخلق ؛ على أنه لو لم يرد من الله ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد . ونصرة الإسلام ، وبذل المهج والأموال ، وقتل الآباء والأبناء . والمناصحة في الدين ، وقوة الإيمان واليقين - القطع على تعديلهم ، والاعتقاد لنزاهتهم ، وأنهم أفضل من جميع الخالفين بعدهم ، والمعدلين الذين يجيئون من بعدهم .

هذا مذهب كافة العلماء ، ومن يعتمد قوله .

ثم روى بسنده إلى أبي زرعة الرازي ، قال : إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق ؛ وذلك أن الرسول حق ، والقرآن حق ، وما جاء به حق ؛ وإنما أدى إلينا ذلك كله الصحابة ؛ وهؤلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة ، والجرح بهم أولى ، وهم زنادقة . انتهى .

والأحاديث الواردة في تفضيل الصحابة كثيرة ؛ من أدلها على المقصود ما رواه الترمذي وابن حبان في صحيحه ، من حديث عبد الله بن مغفل . قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا ، فمن أحبهم فبحبي أحبهم ، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ، ومن آذاهم فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله ، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه ' .

وقال أبو محمد بن حزم : الصحابة كلهم من أهل الجنة قطعا ؛ قال الله تعالى : ^ ( لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى ) ^ وقال تعالى : ^ ( إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ) ^ : فثبت أن الجميع من أهل الجنة ، وأنه لا يدخل أحد منهم النار ، لأنهم المخاطبون بالآية السابقة .

فإن قيل : التقييد بالإنفاق والقتال يخرج من لم يتصف بذلك ، وكذلك التقييد بالإحسان في الآية السابقة ؛ وهي قوله تعالى : ^ ( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ) ^ الآية - يخرج من لم يتصف بذلك ؛ وهي من أصرح ما ورد في المقصود ؛ ولهذا قال المازري في شرح البرهان : لسنا نعني بقولنا : الصحابة عدول - كل من رآه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يوما ما ، أو زاره لماما ، أو اجتمع به لغرض وانصرف عن كثب ، وإنما نعني به الدين لازموه وعزروه ونصروه ، واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون . انتهى .

والجواب عن ذلك أن التقييدات المذكورة خرجت مخرج الغالب ، وإلا فالمراد من اتصف بالإنفاق والقتال بالفعل أو القوة . وأما كلام المازري فلم يوافق عليه ؛ بل اعترضه جماعة من الفضلاء . وقال الشيخ صلاح الدين العلائي : هو قول غريب يخرج كثيرا من المشهورين بالصحبة والرواية عن الحكم بالعدالة : كوائل بن حجر ، ومالك بن الحويرث ، وعثمان بن أبي العاص ، وغيرهم ؛ ممن وفد عليه صلى الله عليه وسلم ، ولم يقم عنده إلا قليلا وانصرف ؛ وكذلك من لم يعرف إلا برواية الحديث الواحد ، ولم يعرف مقدار إقامته من أعراب القبائل ، والقول بالتعميم هو الذي صرح به الجمهور ، وهو المعتبر ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

وقد كان تعظيم الصحابة - ولو كان اجتماعهم به صلى الله عليه وسلم قليلا - مقررا عند الخلفاء الراشدين وغيرهم ؛ فمن ذلك ما قرأت في كتاب أخبار الخوارج تأليف محمد ابن قدامة المروزي بخط بعض من سمعه منه في سنة سبع وأربعين ومائتين ، قال : حدثنا علي بن الجعد ، حدثنا زهير - هو الجعفي ، عن الأسود بن قيس بن نبيح العنزي ، قال : كنت عند أبي سعيد الخدري ، وقرأت على أبي الحسن علي بن أحمد المرادي بدمشق ، عن زينب بنت الكمال سماعا ، عن يحيى بن القميرة ، إجازة ، عن شهدة الكاتبة سماعا قالت : أخبرنا الحسين بن أحمد بن طلحة ، أخبرنا أبو عمر بن مهدي ، حدثنا محمد بن أحمد بن يعقوب ، حدثنا جدي يعقوب بن شيبة . حدثنا محمد بن سعيد القزويني أبو سعيد ، حدثنا أبو خيثمة زهير بن معاوية الجعفي ، عن الأسود - يعني ابن قيس ، عن نبيح - يعني العنزي ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : كنا عنده وهو متكئ . فذكرنا عليا ومعاوية ، فتناول رجل معاوية ، فاستوى أبو سعيد الخدري جالسا ، ثم قال : كنا ننزل رفاقا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكنا في رفقة فيها أبو بكر ، فنزلنا على أهل أبيات ، وفيهم امرأة حبلى ، ومعنا رجل من أهل البادية ، فقال للمرأة الحامل : أيسرك أن تلدي غلاما ؟ قالت : نعم , قال : إن أعطيتني شاة ولدت غلاما . فأعطته . فسجع لها أسجاعا ، ثم عمد إلى الشاة فذبحها وطبخها ، وجلسنا نأكل منها ، ومعنا أبو بكر ؛ فلما علم بالقصة قام فتقيأ كل شيء أكل . قال : ثم رأيت ذلك البدوي أتى به عمر بن الخطاب وقد هجا الأنصار ؛ فقال لهم عمر : لولا أن له صحبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أدري ما نال فيها لكفيتموه ، ولكن له صحبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم .

لفظ علي بن الجعد : ورجال هذا الحديث ثقات ؛ وقد توقف عمر رضي الله عنه عن معاتبته فضلا عن معاقبته لكونه علم أنه لقي النبي صلى الله عليه وسلم .

وفي ذلك أبين شاهد على أنهم كانوا يعتقدون أن شأن الصحبة لا يعد له شيء . كما ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري من قوله صلى الله عليه وسلم : ' والذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه .

وتواتر عنه صلى الله عليه وسلم قوله : ' خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ' .

قال بهز بن حكيم ، عن أبيه ، عن جده . عن النبي صلى الله عليه وسلم : ' أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله عز وجل ' .

وروى البزار في مسنده بسند رجاله موثقون من حديث سعيد بن المسيب ، عن جابر ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' إن الله اختار أصحابي على الثقلين سوى النبيين والمرسلين ' .

وقال عبد الله بن هاشم الطوسي : حدثنا وكيع ، قال : سمعت سفيان يقول في قوله تعالى : ^ ( قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى ) ^ - قال : هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم والأخبار في هذا كثيرة جدا فلنقتصر على هذا القدر ففيه مقنع .

النص من طبعة دار الجيل ببيروت (تحقيق علي محمد البجاوي) لكتاب الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. ملحوظة: هذه النسخة تحديدًا غير مُشكَّلة بعلامات الترقيم (فواصل ونقاط) داخل تراجم الصحابة نفسها — اخترناها رغم ذلك لأنها الأدق تركيبيًا وأسماء الصحابة فيها مطابقة تمامًا لترقيم الأصل، بعد أن وجدنا في النسخ الأخرى المتاحة رقميًا خطأ في فصل بعض الأسماء عن تراجمها. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.