وذلك بأشياء : أولها أن يثبت بطريق التواتر أنه صحابي ، ثم بالاستفاضة والشهرة ، ثم بأن يروى عن آحاد من الصحابة أن فلانا له صحبة مثلا ؛ وكذا عن آحاد التابعين ، بناء على قبول التزكية من واحد ؛ وهو الراجح ثم بأن يقول هو إذا كان ثابت العدالة والمعاصرة : أنا صحابي .
أما الشرط الأول - وهو العدالة - فجزم به الآمدي وغيره ؛ لأن قوله قبل أن تثبت عدالته : أنا صحابي أو ما يقوم مقام ذلك - يلزم من قبو قوله إثبات عدالته ؛ لأن الصحابة كلهم عدول ، فيصير بمنزلة قول القائل : أنا عدل ؛ وذلك لا يقبل .
وأما الشرط الثاني - وهو المعاصرة - فيعتبر بمضي مائة سنة وعشر سنين من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في آخر عمره لأصحابه : أرأيتكم ليلتكم هذه ، فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى على وجه الأرض ممن هو اليوم عليها أحد ' . رواه البخاري ، ومسلم من حديث ابن عمر . زاد مسلم من حديث جابر أن ذلك كان قبل موته صلى الله عليه وسلم بشهر . ولفظه : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول قبل أن يموت بشهر : ' أقسم بالله ، ما على الأرض من نفس منفوسة اليوم يأتي عليها مائة سنة وهي حية يومئذ ' .
ولهذه النكتة لم يصدق الأئمة أحدا ادعى الصحبة بعد الغاية المذكورة . وقد ادعاها جماعة فكذبوا ؛ وكان آخرهم رتن الهندي على ما سنذكر تراجمهم كلهم في القسم الرابع ؛ لأن الظاهر كذبهم في دعواهم على ما قررته .
ثم من لم يعرف حاله إلا من جهة نفسه فمقتضى كلام الآمدي الذي سبق ومن تبعه ألا تثبت صحبته . ونقل أبو الحسن بن القطان فيه الخلاف ورجح عدم الثبوت . وأما ابن عبد البر فجزم بالقبول بناء على أن الظاهر سلامته من الجرح ، وقوى ذلك بتصرف أئمة الحديث في تخريجهم أحاديث هذا الضرب في مسانيدهم . ولا ريب في انحطاط رتبة من هذا سبيله عمن مضى . ومن صور هذا الضرب أن يقول التابعي : أخبرني فلان [ مثلا ] أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول ، سواء أسماه أم لا . أما إذا قال أخبرني رجل ، مثلا ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بكذا فثبوت الصحبة بذلك بعيد ؛ لاحتمال الإرسال . ويحتمل التفرقة بين أن يكون القائل من كبار التابعين ، فيرجح القبول ، أو صغارهم فيرجح الرد . ومع ذلك فلم يتوقف من صنف في الصحابة في إخراج من هذا سبيله في كتبهم . والله أعلم .
ضابط : يستفاد من معرفته صحبة جمع كثير يكتفى فيهم بوصف يتضمن أنهم صحابة ؛ وهو مأخوذ من ثلاثة آثار : الأول : أخرج ابن أبي شيبة من طريق قال : كانوا لا يؤمرون في المغازي إلا الصحابة ؛ فمن تتبع الأخبار الواردة في الردة والفتوح وجد من ذلك شيئا كثيرا ؛ وهم من القسم الأول .
الثاني : أخرج الحاكم من حديث عبد الرحمن بن عوف قال : كان لا يولد لأحد مولود إلا أتى به النبي صلى الله عليه وسلم فدعا له ؛ وهذا يؤخذ منه شيء كثير أيضا ، وهم من القسم الثاني .
[ الثالث ] : وأخرج ابن عبد البر من طريق قال : لم يبق بمكة والطائف أحد في سنة عشر إلا أسلم ، وشهد حجة الوداع . هذا وهم في نفس الأمر عدد لا يحصون ؛ لكن يعرف الواحد منهم بوجود ما يقتضي أنه كان في ذلك الوقت موجودا ، فيلحق بالقسم الأول أو الثاني لحصول رؤيتهم بالنبي صلى الله عليه وسلم وإن لم يرهم هو . والله أعلم .
