الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
95

باب ما جاء في التخيير بين الأنبياء

الجزء الخامس 1 عنصر صفحة 490
ص 490

قال الله عز وجل: تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض [ (1) ] فأخبر بأنه فاوت بينهم في الفضل، فأما الأخبار التي وردت في النهي عن التخيير بين الأنبياء فإنما هي في مجادلة أهل الكتاب في تفضيل نبينا عليه السلام على أنبيائهم عليهم السلام لأن المخايرة إذا وقعت بين أهل دينين مختلفين لم يؤمن أن يخرج كل واحد منهما في تفضيل من يريد تفضيله إلى الإزراء بالآخر فيكفر بذلك، فأما إذا كانت المخايرة من مسلم يريد الوقوف على الأفضل فيقابل بينهما ليظهر له رجحان الأرجح، فليس هذا بمنهي عنه، لأن الرسل إذا كانوا متفاضلين وكان فضل الأفضل يوجب له فضل حق وكان الحق إذا وجب لا يهتدى إلى أدائه إلا بعد معرفته، ومعرفة مستحقه كانت إلى معرفة الأفضل حاجة، ووجب أن يكون لله- عز وجل- عليه دلالة وطلب العلم المحتاج إليه من قبل أعلامه المنصوبة عليه ليس مما ينكر والله أعلم، وهذا قول أبو عبد الله الحليمي رحمه الله.

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرني أبو محمد المزني أنبأنا علي بن محمد ابن عيسى، حدثنا أبو اليمان، أنبأنا شعيب، عن الزهري، أنبأنا أبو سلمة بن

عبد الرحمن وسعيد بن المسيب، أنا أبا هريرة، قال:

استب رجل من المسلمين ورجل من اليهود، فقال المسلم: والذي اصطفى محمدا على العالمين يقسم بقسم، فقال اليهودي والذي اصطفى موسى على العالمين، فرفع المسلم عند ذلك يده فلطم اليهودي، فذهب اليهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بالذي كان من أمره وأمر المسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم:

«لا تخيروني على موسى، فإن الناس يصعقون فأكون أول من يفيق فإذا موسى باطش بجانب العرش، فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي أم كان ممن استثنى الله عز وجل» .

رواه البخاري في الصحيح عن أبي اليمان [ورواه مسلم عن عبد الله بن عبد الرحمن وغيره [ (2) ] عن أبي اليمان] [ (3) ] .

أخبرنا أبو بكر بن فورك، أنبأنا عبد الله بن جعفر الأصبهاني، قال يونس ابن حبيب، قال: حدثنا أبو داود، حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة، عن عبد الله بن الفضل، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تفضلوا بين أنبياء الله أو بين الأنبياء عليهم السلام كدا قال عن أبي سلمة [ (4) ] .

وقد أخبرنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو عبد الله بن يعقوب، حدثنا

محمد بن نعيم، حدثنا محمد بن رافع حدثنا حجين بن المثنى حدثنا عبد العزيز ابن عبد الله بن الفضل الهاشمي، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: بينما يهودي يعرض سلعة له فذكر قصة المسلم واليهودي وذكر فيها قول النبي صلى الله عليه وسلم لا تفضلوا بين أنبياء الله عز وجل وزاد في آخره ولا أقول إن أحدا أفضل من يونس بن متى.

أخرجاه في الصحيح هكذا بطوله [ (5) ] .

أنبأنا أبو علي الحسين بن محمد الروذباري، أنبأنا أبو بكر بن داسة، حدثنا أبو داود، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا وهب (ح) .

وأنبأنا علي بن أحمد بن عبدان، أنبأنا أحمد بن عبيد حدثنا معاذ بن المثنى، حدثنا أيوب بن يونس، حدثنا وهب بن عمرو بن يحيى، عن عمارة، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري.

أن رجلا من الأنصار سمع رجلا من اليهود بالسوق وهو يقول: والذي اصطفى موسى على البشر، فضرب وجهه، وقال: أي خبيث على أبي القاسم صلى الله عليه وسلم، فانطلق اليهودي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أبا القاسم! فلان ضرب وجهي، فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم فدعاه، فقال: «لم ضربت وجهه» ، فقال: يا رسول الله مررت وهو بالسوق يقول والذي اصطفى موسى على البشر، فقلت أي خبيث على أبي القاسم فضربت وجهه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تخيروا بين الأنبياء إن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من تنشق عنه الأرض، فأرفع رأسي فأجد موسى آخذا بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري

أصعق فأفاق قبلي أو حوسب بصعقته» .

لفظ حديث أيوب بن يونس، واختصره أبو داود عن موسى [ (6) ] .

رواه البخاري في الصحيح، وأخرجاه من حديث سفيان الثوري عن عمرو [ (7) ] .

أخبرنا أبو علي الروذباري، حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن محمويه السكري بالبصرة، حدثنا جعفر بن محمد القلانسي، حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا سعد بن إبراهيم، أنه سمع حميد بن عبد الرحمن يحدث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«ما ينبغي للعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى» .

رواه البخاري في الصحيح عن آدم بن أبي إياس [ (8) ] .

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو النضر الفقيه، حدثنا محمد بن أيوب، أنبأنا الوليد بن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

«لا ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى» .

رواه البخاري في الصحيح عن أبي الوليد، وأخرجه مسلم من حديث غندر عن شعبة [ (9) ] .

وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو النضر الفقيه، حدثنا محمد بن أيوب، أنبأنا أبو عمر الحوضي، حدثنا شعبة عن قتادة عن أبي العالية عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «ما ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى ونسبه إلى أمه» .

رواه البخاري في الصحيح، عن أبي عمر، وأخرجه مسلم من حديث عندر عن شعبة ورواه أيضا عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم [ (10) ] .

فمن تكلم في التخيير والتفضيل ذهب إلى أنه أراد به ليس لأحد أن يفضل نفسه على يونس وإن كان قد أبق وذهب مغاضبا ولم يصبر على ما ظن أنه يصيبه من قومه، وما روينا في حديث الأعرج عن أبي هريرة يمنع من هذا التأويل، ويصحح قول من ذهب إلى الإمساك عن الكلام في التخيير بين الأنبياء جملة.

وذكر أبو سليمان الخطابي [ (11) ] رحمه الله أن معنى النهي عن التخيير بين الأنبياء ترك التخيير بينهم على وجه الإزراء ببعضهم فإنه ربما أدى ذلك إلى فساد الاعتقاد فيهم والإخلال بالواجب من حقوقهم، وبغرض الإيمان بهم وليس معناه أن يعتقد التسوية بينهم في درجاتهم فإن الله عز وجل قد أخبر أنه قد فاضل بينهم فقال: تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله، ورفع بعضهم درجات [ (12) ] .

ثم تكلم [ (13) ] على

حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنا سيد ولد آدم

وحديث ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم في يونس بن متى، فقال:

قد يتوهم كثير من الناس أن بين الحديثين خلافا، وذلك أنه أخبر في حديث أبي هريرة أنه سيد ولد آدم، والسيد أفضل من المسود،

وقال في حديث ابن عباس ما ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى

والأمر في ذلك بين ووجه التوفيق بين الحديثين واضح، وذلك أن قوله أنا سيد ولد آدم إنما هو إخبار عما أكرمه الله تعالى به من الفضل والسؤدد، وتحدث بنعمة الله تعالى [ (14) ] عليه وإعلام لأمته وأهل دعوته، علو مكانه عند ربه ومحله من خصوصيته ليكون إيمانهم بنبوته واعتقادهم لطاعته على حسب ذلك، وكان بيان هذا لأمته وإظهاره لهم من اللازم له والمفروض عليه.

فأما قوله في يونس عليه السلام فإنه يتأول على وجهين:

(أحدهما) : أن يكون قوله ما ينبغي لعبد إنما أراد به من سواه من الناس دون نفسه.

(والوجه الآخر) : أن يكون ذلك عاما مطلقا فيه وفي غيره من الناس، ويكون هذا القول منه على سبيل الهضم من نفسه، وإظهار التواضع لربه يقول لا ينبغي لي أن أقول أنا خير منه لأن الفضيلة التي نلتها كرامة من الله وخصوصية منه لم أنلها من قبل نفسي، ولا بلغتها بحولي وقوتي فليس لي أن افتخر بها، وإنما خص يونس بالذكر فيما نرى والله أعلم [لما قد قص الله علينا من شأنه وما كان] [ (15) ] من قلة صبره على أذى قومه، وخرج مغاضبا له ولم يصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل.

قال أبو سليمان رحمه الله: وهذا أولى الوجهين وأشبههما بمعنى

الحديث، فقد جاء من غير هذا الطريق أنه قال صلى الله عليه وسلم ما ينبغي لنبي أن يقول إني خير من يونس بن متى فعم به الأنبياء كلهم فدخل هو في جملتهم [ (16) ] .

أخبرنا أبو علي الروذباري، أنبأنا أبو بكر بن داسة، حدثنا أبو داود، حدثنا عبد العزيز بن يحيى الحراني، قال: حدثني محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن إسماعيل بن حكيم، عن القاسم بن محمد، عن عبد الله بن جعفر، قال:

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما ينبغي لنبي أن يقول إني خير من يونس بن متى»

[ (17) ] وذكر أبو سليمان الحديثين في موضع آخر ثم قال: ووجه الجمع بينهما أن هذه السيادة يعني

قوله أنا سيد ولد آدم ولا فخر

إنما هو في القيامة إذا قدم في الشفاعة على جميع الأنبياء، وإنما منع أن يفضل على غيره منهم في الدنيا، وإن كان صلى الله عليه وسلم مفضلا في الدارين من قبل الله عز وجل

وقوله: «ولا فخر» ،

معناه: أي إنما أقول هذا الكلام معتدا بالنعمة لا فخرا واستكبارا فلعل من فخر تزيد في فخره، يقول: إن هذا القول ليس مني على سبيل الفخر الذي يدخله التزييد والكبر.

وأخبرنا أبو علي الروذباري، أنبأنا أبو بكر بن داسة، حدثنا أبو داود، حدثنا زياد بن أيوب، حدثنا عبد الله بن إدريس، عن مختار بن فلفل، يذكر عن أنس بن مالك، قال: قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا خير البرية! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذاك إبراهيم عليه السلام.

رواه مسلم في الصحيح عن أبي كريب عن عبد الله [ (18) ] .

وذهب النبي صلى الله عليه وسلم في هذا أيضا مذهب التواضع وكان يشير إلى النهي عن المبالغة في الثناء عليه في وجهه تواضعا لربه عز وجل،

فقال: لوفد بني عامر حين قالوا له: أنت سيدنا وذو الطول علينا فقال: مه مه قولوا بقولكم، ولا يستجرينكم الشيطان السيد الله عز وجل [ (19) ] ،

وقال صلى الله عليه وسلم في حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله» .

أخبرنا أبو بكر بن فورك- رحمه الله- أنبأنا عبد الله بن جعفر الأصبهاني، حدثنا أبو مسعود أحمد بن الفرات، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله» [ (20) ] .

أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان أنبأنا أبو سهل بن زياد القطان، حدثنا إبراهيم بن الهيثم البلدي حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا حماد بن سلمة، أنبأنا ثابت البناني، عن أنس بن مالك، قال: قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا سيدنا وابن سيدنا وخيرنا وابن خيرنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس أنا محمد بن عبد الله عبد الله ورسوله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل» [ (21) ] .

قلت: ومن تكلم في التفضيل ذكر في مراتب نبينا صلى الله عليه وسلم وخصائصه وجوها لا يحتمل ذكرها بأجمعها هذا الكتاب ونحن نشير إلى وجه منها على طريق الاختصار:

(فمنها) : أنه صلى الله عليه وسلم كان رسول الثقلين الإنس والجن وأنه خاتم الأنبياء.

(ومنها) : أن شرف الرسول بالرسالة، ورسالته أشرف الرسالات بأنها نسخت ما تقدمها من الرسالات ولا تأتي بعدها رسالة تنسخها.

(ومنها) : أن الله عز وجل أقسم بحياته.

(ومنها) : أنه جمع له بين إنزال الملك عليه أو صعاده إلى مساكن الملائكة، وبين إسماعه كلام الملك وإرائه إياه في صورته التي خلقه عليها، وجمع له بين إخباره عن الجنة والنار وإطلاعه عليهما فصار العلم له واقعا بالعالمين دار التكليف ودار الجزاء عيانا.

(ومنها) : قتال الملائكة معه.

(ومنها) : ما أخبر عن خصائصه التي يخصه الله تعالى بها يوم القيامة وهو المقام المحمود الذي وعده بقوله: عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا [ (22) ] .

(ومنها) : أن الله جل ثناؤه لم يخاطبه في القرآن إلا بالنبي أو الرسول، ودعا سائر الأنبياء بأسمائهم وحين دعا الأعراب نبينا صلى الله عليه وسلم باسمه أو كنيته نهاهم عن ذلك، وقال: لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا [ (23) ] وأمرهم بتعظيمه وبتفخيمه ونهاهم عن التقديم بين يديه وعن رفع أصواتهم فوق صوته، وعاب من ناداه من وراء الحجرات إلى غير ذلك مما يطول بشرحه الكتاب، وهو مذكور في كتب أهل الوعظ والتذكير.

(ومنها) : أنه صلى الله عليه وسلم في الدنيا أكثر الأنبياء- عليهم السلام- أعلاما، وقد

ذكر بعض المصنفين أن أعلام نبينا صلى الله عليه وسلم تبلغ ألفا.

قال أبو عبد الله الحليمي- رحمه الله-: وفيها مع كثرتها معنى آخر، وهو أنه ليس في شيء من أعلام المتقدمين ما ينحو اختراع الأجسام وإنما ذلك في أعلام نبينا صلى الله عليه وسلم خاصة.

قلت: وقد ذكرنا في كتابنا هذا ما كان من أعلامه هذا من وقت ولادته إلى مبعثه إلى هجرته إلى وفاته مؤرخا بتاريخه أو عند قدوم الوفود عليه، وقد بقي من أعلامه التي لم يذكر في أكثرها في وقتها أو غفلت عنها ما لا بد من ذكره قبل ذكر وفاته صلى الله عليه وسلم فاستخرنا الله تعالى في إخراجه [ (24) ] عقيب هذا وبالله التوفيق.

*** تم السفر الخامس من كتاب دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة، ويليه السادس وأوله: جماع أبواب دلائل النبوة سوى ما مضى في هذا الكتاب، وآخر دعوانا: أن الحمد لله رب العالمين.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت لكتاب دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة للإمام البيهقي (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.