أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر: أحمد بن الحسن القاضي، قالا:
حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار قال: حدثنا يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال: حدثنا عاصم بن [عمر بن] [ (2) ] قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه جابر بن عبد الله، وعمرو بن شعيب، والزهري، وعبد الله بن أبي بكر بن حزم، وعبد الله بن المكدم بن عبد الرحمن الثقفي، عن حديث حنين حين سار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وساروا إليه فبعضهم يحدث ما لا يحدث به بعض، وقد اجتمع حديثهم:
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فرغ من فتح مكة، جمع مالك بن عوف النصري بني نصر، وبني جشم، وبني سعد بن بكر، وأوزاعا من بني هلال، وهم قليل، وناسا من بني عمرو بن عامر، وعوف بن عامر، وأوعيت معه ثقيف الأحلاف، وبنو مالك، ثم سار بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وساق معه الأموال والنساء والأبناء، فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعث عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي، فقال: اذهب فادخل في القوم حتى تعلم لنا من علمهم فدخل فيهم فمكث فيهم يوما أو اثنين ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره خبرهم، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب: ألا تسمع ما يقول ابن أبي حدرد، فقال عمر رضي الله عنه: كذب، فقال: ابن أبي حدرد والله لئن كذبتني يا عمر لربما كذبت بالحق، فقال عمر: ألا تسمع يا رسول الله ما يقول ابن أبي حدرد فقال: «قد كنت يا عمر ضالا فهداك الله» .
ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صفوان بن أمية، فسأله أدراعا عنده مائة درع وما يصلحها من عدتها، فقال: أغصبا يا محمد فقال: بل عادية مضمونة حتى نؤديها عليك، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم سائرا- زاد أبو عبد الله في روايته قال:
ابن إسحاق. حدثنا الزهري، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين في ألفين من مكة، وعشرة آلاف كانوا معه فسار بهم [ (3) ] .
قال ابن إسحاق: واستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد بن أبي العيص ابن أمية بن عبد شمس على مكة أميرا [ (4) ] .
وزاد أيضا عن ابن إسحاق بإسناده الأول أن مالك بن عوف أقبل فيمن معه ممن جمع من قبائل قيس وثقيف، ومعه دريد بن الصمة شيخ كبير في شجار [ (5) ]
له يعاد به حتى نزل الناس بأوطاس [ (6) ] فقال دريد حين نزلوا بأوطاس فسمع رغاء البعير [ (7) ] ، ونهيق الحمير [ (8) ] ، وبعار الشاء [ (9) ] ، وبكاء الصغير: بأي واد أنتم؟
فقالوا: بأوطاس، قال: نعم مجال الخيل، لا حزن [ (10) ] ضرس [ (11) ] ولا سهل [ (12) ] دهس [ (13) ] مالي أسمع رغاء البعير، وبكاء الصغير، ونهيق الحمار، وبعار الشاء؟
فقالوا: ساق مالك مع الناس أموالهم وذراريهم ونساءهم. قال: فأين مالك؟
فدعي مالك، فقال يا مالك! إنك قد أصبحت رئيس قومك، وإن هذا يوم كائن له ما بعده من الأيام، فما دعاك إلى أن تسوق مع الناس أموالهم وأبناءهم ونساءهم؟، قال: أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وأمواله [ (14) ] ليقاتل عنهم، قال: فانقض [ (15) ] به دريد، وقال: يا راعي ضأن والله وهل يرد وجه المنهزم شيء؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك فارفع الأموال والنساء والذراري إلى علياء قومهم وممتنع بلادهم.
ثم قال دريد: وما فعلت كعب وكلاب؟ فقالوا: لم يحضرها منهم أحد،
فقال: غاب الحد والجد [ (16) ] لو كان يوم علاء ورفعة لم تغب عنه كعب وكلاب، [ولوددت لو فعلتم ما فعلت كعب وكلاب] [ (17) ] فمن حضرها؟ فقالوا عمر بن عامر، وعوف بن عامر، فقال: ذانك الجذعان [ (18) ] لا يضران ولا ينفعان، فكره مالك أن يكون لدريد فيها رأي، فقال: إنك قد كبرت وكبر علمك والله لتطيعن يا معشر هوازن أو لأتكئن على هذا السيف حتى يخرج من ظهري، فقالوا: أطعناك.
ثم قال مالك للناس إذا رأيتموهم فاكسروا جفون سيوفكم ثم شدوا شدة رجل واحد [ (19) ] .
قال ابن إسحاق: حدثني أمية بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان أنه حدث أن مالك بن عوف بعث عيونا ممن معه فأتوه وقد تقطعت أوصالهم، فقال: ويلكم! ما شأنكم؟ فقالوا: أتأنا رجال بيض على خيل بلق، فو الله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى، فما رده ذلك عن وجهه أن مضى على ما يريد [ (20) ] .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر القاضي، قال: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال حدثنا يونس بن بكير، عن أبي جعفر عيسى الرازي، عن الربيع: أن رجلا قال يوم حنين لن تغلب من قلة فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل [ (21) ]
ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم [ (22) ] قال الربيع [ (23) ] وكانوا اثني عشر ألفا منهم ألفان من أهل مكة.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر القاضي، قالا: حدثنا أبو العباس:
محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال حدثنا يونس، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن سنان بن أبي سنان، عن أبي واقد الليثي، وهو الحارث بن مالك، قال.
خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين وكانت لقريش شجرة خضراء عظيمة،
يأتونها كل سنة فيعلقون عليها سلاحهم، ويعكفون عندها، ويذبحون عندها، وكانت تسمى ذات أنواط، فمررنا بشجرة عظيمة خضراء، فتنادينا من جنبي الطريق، ونحن نسير إلى حنين يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الله أكبر كما قال قوم موسى لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة إنها السنن، لتأخذن سنن من كان قبلكم» [ (24) ] .
حدثنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني إملاء، قال: أنبأنا أبو سعيد، أحمد بن محمد بن زياد البصري بمكة، قال: حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سنان بن أبي سنان، عن أبي واقد الليثي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أتى حنينا مر بشجرة تعلق المشركون عليها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط، فقالوا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال: الله أكبر هذا كما قال قوم موسى لموسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة [ (25) ] لتركبن سنن من كان قبلكم [ (26) ] .
أخبرنا أبو علي الروذباري، قال: أنبأنا أبو بكر بن داسة قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا أبو توبة، قال: حدثنا معاوية بن سلام عن زيد يعني ابن سلام أنه سمع أبا سلام، قال: حدثنا السلولي أنه حدثه سهل بن الحنظلية أنهم ساروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين فأطنبوا السير حتى كان عشية فحضرت صلاة الظهر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء رجل فارس، فقال: يا رسول الله إني انطلقت بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا، فإذا أنا بهوازن على بكرة آبائهم بظعنهم ونعمهم وشائهم
اجتمعوا إلى حنين، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: تلك غنيمة المسلمين غدا إن شاء الله، ثم قال: من يحرسنا الليلة؟ قال أنس بن أبي مرثد الغنوي: أنا، يا رسول الله، قال: فاركب، فركب فرسا له، وجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استقبل هذا الشعب حتى تكون في أعلاه، ولا تغرن من قبلك، الليلة» فلما أصبحنا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مصلاه فركع ركعتين ثم قال: هل أحسستم فارسكم؟ قالوا: يا رسول الله ما أحسسناه، فثوب بالصلاة، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وهو يلتفت إلى الشعب حتى إذا قضى صلاته وسلم قال: «أبشروا فقد جاءكم فارسكم» ، فجعلنا ننظر إلى الشجرة [ (27) ] في الشعب فإذا هو قد جاء حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم، فقال: إني انطلقت حتى كنت في أعلى هذا الشعب حيث أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أصبحت طلعت الشعبين كليهما فنظرت فلم أر أحدا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل نزلت [الليلة] [ (28) ] ؟» قال: لا إلا مصليا أو قاضي حاجة. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قد أوجبت فلا عليك ألا تعمل بعدها» [ (29) ] .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر القاضي قالا: حدثنا أبو العباس:
محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: حدثنا عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه جابر بن عبد الله، قال فخرج مالك بن عوف بمن
معه إلى حنين، فسبق رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعدوا، وتهيئوا في مضايق الوادي وأحنائه [ (30) ] وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فانحط بهم الوادي في عماية الصبح [ (31) ] فلما انحط الناس ثارت في وجوههم الخيل فشدت عليهم وانكفأ الناس منهزمين لا يقبل أحد على أحد، وانحاز رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات اليمين يقول: أيها الناس هلموا إلي أنا رسول الله، أنا رسول الله أنا محمد بن عبد الله، فلا شيء،
وركبت الإبل بعضها بعضا، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس ومعه رهط من أهل بيته، ورهط من المهاجرين، والعباس آخذ بحكمة [ (32) ] بغلته البيضاء وهو عليها قد شجرها، قال: وثبت معه من أهل بيته: علي بن أبي طالب، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، والفضل بن عباس، وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وأيمن بن أم أيمن وهو ابن عبيد، وأسامة ابن زيد، وثبت معه من المهاجرين: أبو بكر، وعمر [ (33) ] ، ورجل من هوازن على جمل له أحمر بيده راية سوداء على رأس رمح له طويل أمام هوازن، وهوازن خلفه إذا أدرك الناس طعن برمحه، وإذا فاته الناس رفع رمحه لمن وراءه فأتبعوه [فبينما هو كذلك إذ هوى له علي بن أبي طالب، ورجل من الأنصار يريدانه، فأتاه علي بن أبي طالب من خلفه فضرب عرقوبي الجمل، فوقع على
عجزه، ووثب الأنصاري على الرجل فضربه ضربة أطن قدمه بنصف ساقه، فانجعف عن رحله، واجتلد الناس فو الله ما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأسرى مكتفين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم] [ (34) ] . فلما انهزم من كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من جفاة أهل مكة، تكلم رجال منهم بما في أنفسهم من الضغن، فقال أبو سفيان بن حرب: لا تنتهي هزيمتهم دون البحور، وإن الأزلام لمعه في كنانته.
وزاد أبو عبد الله في روايته بإسناده عن ابن إسحاق قال: حدثنا عبد الله ابن أبي بكر بن حزم، قال: سار أبو سفيان بن حرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين وإنه ليظهر الإسلام، وإن الأزلام التي يستقسم بها لفي كنانته.
قال ابن إسحاق وصرخ كلدة بن الحنبل وهو مع أخيه صفوان بن أمية وكان أخاه لأمه وصفوان يومئذ مشرك: ألا بطل السحر اليوم، فقال صفوان اسكت فض الله فاك، فو الله لأن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن.
قال حسان:
رأيت سوادا من بعيد فراعني ... إذا حنبل ينزو على أم حنبل [ (35) ]
قال ابن إسحاق: وقال شيبة بن عثمان بن أبي طلحة أخو بني عبد الدار اليوم أدرك ثأري- وكان أبوه قتل يوم أحد- اليوم أقتل محمدا فأردت برسول الله صلى الله عليه وسلم لأقتله فأقبل شيء حتى تغشى فؤادي فلم أطق ذلك، فعرفت أنه ممنوع [ (36) ] .
أخبرنا أبو عبد الله وأبو بكر القاضي قال: حدثنا أبو العباس، قال: أنبأنا أحمد قال: حدثنا يونس عن ابن إسحاق، قال: حدثنا عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه جابر بن عبد الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم حنين حين رأى من الناس ما رأى: يا عباس! اصرخ يا معشر الأنصار يا أصحاب السمرة، فأجابوه: لبيك لبيك، فجعل الرجل منهم يذهب ليعطف بعيره فلا يقدر على ذلك، فيقذف درعه من عنقه، ويأخذ سيفه وقوسه ثم يؤم الصوت حتى اجتمع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم مائة، فاستعرضوا الناس فاقتتلوا فكانت الدعوة أول ما كانت بالأنصار، ثم جعلت آخرا بالخزرج، وكانوا صبرا عند الحرب وأشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم في ركائبه فنظر إلى مجتلد [ (37) ] القوم، فقال:
«الآن حمي الوطيس»
قال: فو الله ما رجعت راجعة الناس إلا والأسارى عند رسول الله صلى الله عليه وسلم مكتفون فقتل الله ما قتل منهم وانهزم من انهزم منهم وأفاء الله على رسوله: أموالهم، ونساءهم، وأبناءهم.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أنبأنا أبو جعفر البغدادي قال: حدثنا أبو علاثة: محمد بن عمرو بن خالد، قال: حدثنا أبي، حدثنا ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة بن الزبير.
(ح) وأنبأنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد واللفظ له، قال: أنبأنا أبو بكر بن عتاب العبدي، قال: حدثنا القاسم بن عبد الله بن المغيرة، قال:
حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى بن عقبة، قال:
ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عامدا لحنين وكان أهل حنين وفي رواية عروة أهل مكة يظنون حين دنا منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه بادئ بهم، وفي رواية عروة بادئ
بهوازن، وصنع الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم أحسن من ذلك، فتح الله له مكة، وأقر بها عينه، وكبت بها [ (38) ] عدوه.
فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين خرج معه أهل مكة لم يتغادر منهم أحد: ركبانا، ومشاة حتى خرج معه النساء يمشين على غير دين، نظارا ينظرون، ويرجون الغنائم، ولا يكرهون الصدمة لرسوله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وفي رواية عروة ولا يكرهون مع ذلك أن تكون الصدمة برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
قال موسى: وجعل أبو سفيان بن حرب كلما سقط ترس أو سيف من متاع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أعطونيه أحمله حتى أوقر جمله.
زاد موسى: وسار صفوان بن أمية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو كافر وامرأته مسلمة، فلم يفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين امرأته، ثم اتفقا في المعنى.
قال موسى، ورأس المشركين يومئذ من أهل حنين مالك بن عوف النصري ومعه دريد بن الصمة ينعش من الكبر.
وفي رواية عروة: يرعش أو ينعش من الكبر.
قال موسى: ومعهم: النساء، والذراري، والنعم، والنساء، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم [عبد الله] [ (39) ] بن أبي حدرد الأسلمي، فأرسله إلى عسكر القوم عينا، فخرج حتى دنا من مالك بن عوف ليلا، فسمع مالكا وهو يوصي أصحابه، يقول: إذا أصبحتم فاحملوا على القوم حملة رجل واحد، واكسروا أغماد السيوف، واجعلوا مواشيكم صفا ونساءكم صفا، ثم احملوا على القوم.
وإن ابن أبي حدرد أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم
عمر بن الخطاب، فقال: اسمع ما يقول ابن أبي حدرد، فذكر ما جرى بينهما كما مضى.
قال: فلما أصبح القوم ونظر بعضهم إلى بعض اعتزل أبو سفيان [وصفوان ومعاوية بن أبي سفيان] [ (40) ] وحكيم بن حزام وراء تل ينظرون لمن تكون الدبرة. وصف الناس بعضهم لبعض وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم بغلة له شهباء، فاستقبل الصفوف فأمرهم وحضهم على القتال، وبشرهم بالفتح إن صبروا، وصدقوا فبينما هم على ذلك حمل المشركون على المسلمين حملة رجل واحد، فجال المسلمون جولة، ثم ولوا مدبرين، فقال حارثة بن النعمان: لقد حزرت من بقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أدبر الناس فقلت مائة رجل، ومر رجل من قريش على صفوان بن أمية، فقال: أبشر بهزيمة محمد وأصحابه فو الله لا يجتبرونها أبدا، فقال له صفوان: أتبشرني بظهور الأعراب، فو الله لرب من قريش، أحب إلي من رب من الأعراب.
زاد عروة: وغضب صفوان لحسبه.
قال موسى: وبعث صفوان بن أمية غلاما له، فقال: اسمع لمن الشعار فجاءه الغلام، فقال: سمعتهم يقولون يا بني عبد الرحمن يا بني عبد الله يا بني عبيد الله فقال ظهر محمد وكان ذلك شعارهم في الحرب وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما غشيه القتال قام في الركابين وهو على البغلة ويقولون: فرفع يديه إلى الله تعالى يدعوه، يقول: اللهم إني أنشدك ما وعدتني، اللهم لا ينبغي لهم أن يظهروا علينا» ، ونادى أصحابه وذمرهم: يا أصحاب البيعة يوم الحديبية! الله، الله، الكرة على نبيكم، ويقال: قال يا أنصار الله! وأنصار رسوله، يا بني الخزرج، وأمر من أصحابه من يناديهم بذلك، وقبض قبضة من الحصاء فحصب بها وجوه
المشركين ونواحيهم كلها وقال: شاهت الوجوه، وأقبل إليه أصحابه سراعا يقال إنهم يبتدرون، وقال يا أصحاب سورة البقرة، وزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
الآن حمي الوطيس، فهزم الله أعداءه من كل ناحية حصبهم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأتبعهم فيها المسلمون يقتلونهم وغنمهم الله نساءهم، وذراريهم، وشاءهم.
وفر مالك بن عوف، حتى دخل حصن الطائف في ناس من أشراف قومه وأسلم عند ذلك ناس كثير من أهل مكة حين رأوا نصر الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم، وإعزازه دينه.
هذا لفظ حديث موسى بن عقبة وليس في رواية عروة قيامه في الركابين ولا قوله: يا أنصار الله، وقال في الحصباء فرمى من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله لا يرمي ناحية إلا انهزموا وانهزم المشركون وعطف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين هزمهم الله، واتبعهم المسلمون فذكره [ (41) ] .
وهذا الذي ذكره أهل المغازي في رمي رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوه المشركين وما ظهر في ذلك من آثار النبوة موجود في الأحاديث الموصولة [ (42) ] .
