قال الله عز وجل: إذ أنتم بالعدوة الدنيا، وهم بالعدوة القصوى، والركب أسفل منكم، ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد، ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا: ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي عن بينة، وإن الله لسميع عليم.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا أبو بكر بن إسحاق قال: أخبرنا عبيد بن عبد الواحد قال: حدثنا يحيى قال: حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب (ح) .
وأخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، قال: أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، قال: حدثنا خلف بن عمرو العكبري، قال: حدثنا أحمد بن أبي شعيب الحراني، قال: حدثنا موسى بن أعين، قال: حدثنا إسحاق بن راشد أن الزهري، حدثه قال: حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه، قال: سمعت كعب بن مالك، يقول: وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم يحدث: «إنه لم يتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط غير غزوتين: غزوة العسرة، وغزوة بدر، قال: ولم يعاتب الله أحدا تخلف عنها، وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن خرج من أصحابه يريدون العير التي لكفار قريش
التي قدم بها أبو سفيان بن حرب قال: وذكر الحديث، وقال عقيل عن الزهري: يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد.
رواه البخاري في الصحيح عن محمد هو ابن يحيى، عن أحمد بن أبي شعيب [ (10) ] ، وعن يحيى بن بكير [ (11) ] .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد: محمد بن موسى بن الفضل، قالا: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار العطاردي، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: حدثني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير، قالا: «رأت عاتكة بنت عبد المطلب فيما يرى النائم قبل مقدم ضمضم بن عمرو الغفاري على قريش بمكة [ (12) ] بثلاث ليال، رؤيا فأصبحت عاتكة فأعظمتها، فبعثت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب، فقالت له: يا أخي لقد رأيت رؤيا الليلة ليدخلن على قومك منها شر وبلاء، فقال: وما هي؟ فقالت: رأيت فيما يرى النائم أن رجلا أقبل على بعير له، فوقف بالأبطح، فقال: انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث، فأذن الناس فاجتمعوا إليه، ثم إن بعيره دخل به المسجد واجتمع الناس إليه، ثم مثل به بعيره فإذا هو على رأس الكعبة، فقال: انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث، ثم أرى بعيره مثل به على رأس أبي قبيس،
فقال: انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث، ثم أخذ صخرة فأرسلها من رأس الجبل، فأقبلت تهوي حتى إذا كانت في أسفله ارفضت [ (13) ] فما بقيت دار من دور قومك ولا بيت إلا دخل فيه بعضها، فقال العباس: والله إن هذه لرؤيا فاكتميها، فقالت: وأنت فاكتمها لئن بلغت هذه قريشا ليؤذوننا، فخرج العباس من عندها فلقي الوليد بن عتبة، وكان له صديقا فذكر له واستكتمه إياها، فذكرها الوليد لأبيه فتحدث بها، ففشا الحديث فقال العباس: والله إني لغاد إلى الكعبة لأطوف بها، فدخلت المسجد فإذا أبو جهل في نفر من قريش يتحدثون عن رؤيا عاتكة، فقال أبو جهل: يا أبا الفضل إذا فرغت من طوافك فأتنا، قال: فلما فرغت من طوافي أقبلت حتى جلست معهم. فقال أبو جهل: يا أبا الفضل متى حدثت هذه النبية فيكم فقلت وما ذاك؟ فقال ما رؤيا رأتها عاتكة بنت عبد المطلب؟ أما رضيتم يا بني عبد المطلب أن تتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم، سنتربص بكم هذه الثلاث التي ذكرت عاتكة، فإن كان حقا فسيكون، وإلا كتبنا عليكم كتابا أنكم أكذب أهل بيت في العرب، فو الله ما كان إليه مني من كبير إلا أني قد أنكرت ما قالت، وقلت: ما رأت شيئا ولا سمعت بهذا، فلما أمسيت لم تبق امرأة من بني عبد المطلب إلا أتتني، فقلن: صبرتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم، ثم قد تناول النساء وأنت تسمع فلم يكن عندك في ذلك غير، فقلت: قد والله صدقتن وما كان عندي في ذلك من غير إلا أني قد أنكرت ما قالت، ولأتعرضن له فإن عاد لأكفينه، فغدوت إلى اليوم الثالث أتعرض ليقول لي شيئا فأشاتمه، فو الله إني لمقبل نحوه وكان رجلا حديد الوجه، حديد النظر، حديد اللسان إذ ولى نحو باب المسجد يشتد، فقلت في نفسي اللهم العنه. كل هذا فرقا أن أشاتمه وإذا هو قد سمع ما لم أسمع صوت ضمضم بن عمرو وهو واقف بعيره بالأبطح قد حول رحله وشق
قميصه وجدع بعيره [ (14) ] يقول: يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة، أموالكم مع أبي سفيان، وتجارتكم قد عرض لها محمد وأصحابه، فالغوث الغوث، فشغله ذلك عني وشغلني عنه، فلم يكن إلا الجهاز حتى خرجنا، فأصاب قريشا ما أصابها يوم بدر: من قتل أشرافهم، وأسر خيارهم فقالت عاتكة بنت عبد المطلب فيما رأت وما قالت قريش في ذلك:
ألم تكن الرؤيا بحق وجاءكم ... بتصديقها فل من القوم هارب
فقلتم- ولم أكذب- كذبت وإنما ... يكذبنا بالصدق من هو كاذب
وذكر لها أبو عبد الله في كتاب المغازي قصيدة طويلة» [ (15) ] .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: حدثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير، وحدثني الزهري، ومحمد بن يحيى بن حبان [ (16) ] وعاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله ابن أبي بكر، وغيرهم من علمائنا فبعضهم قد حدث بما لم يحدث به بعض، وقد اجتمع حديثهم فيما ذكرت لك من يوم بدر قالوا:
«سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان بن حرب في أربعين راكبا من قريش تجارا قافلين من الشام فيهم: مخرمة بن نوفل، وعمرو بن العاص، فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين وقال لهم: هذا أبو سفيان قافلا بتجارة قريش فاخرجوا لها لعل الله عز وجل ينفلكموها فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون فخف معه رجال وأبطأ آخرون
وذلك إنما كانت ندبة لمال يصيبونه لا يظنون أن يلقوا حربا فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثمائة راكب ونيف وأكثر أصحابه مشاة معهم ثمانون بعيرا وفرس، ويزعم بعض الناس أنه للمقداد، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان بينه وبين علي ومرثد بن أبي مرثد الغنوي بعير فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من نقب بني دينار من الحرة على العقيق فذكر طرقه حتى إذا كان بعرق الظبية لقي رجلا من الأعراب، فسألوه عن الناس، فلم يجدوا عنده خبرا وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز يتحسس [ (17) ] الأخبار، ويسأل عنها حتى أصاب خبرا من بعض الركبان، فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري، فبعثه إلى قريش يستنفرهم إلى أموالهم، ويخبرهم أن محمدا قد عرض لها في أصحابه، فخرج ضمضم سريعا حتى قدم على قريش بمكة وقال يا معشر قريش اللطيمة قد عرض لها محمد في أصحابه- واللطيمة هي التجارة- الغوث الغوث وما أظن أن تدركوها. فقالت قريش:
أيظن محمد وأصحابه أنها كائنة كعير ابن الحضرمي، فخرجوا على الصعب [ (18) ] والذلول ولم يتخلف من أشرافها أحد إلا أن أبا لهب قد تخلف وبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة فخرجت قريش وهم تسعمائة وخمسون مقاتلا ومعهم مائتا فرس يقودونها وخرجوا معهم بالقيان يضر بن بالدف، ويتغنين بهجاء المسلمين، ثم ذكر أسماء المطعمين منهم، وذكر رجوع طالب بن أبي طالب حتى إذا كانوا بالجحفة رأى جهيم بن الصلت رؤيا فبلغت أبا جهل فقال: وهذا
نبي آخر من بني عبد المطلب وذلك أنه رأى أن راكبا أقبل على قريش معه بعير له حتى وقف على العسكر فقال: قتل فلان، وفلان، وفلان يعدد رجالا من أشراف قريش ممن قتل يوم بدر، ثم طعن في لبة بعيره ثم أرسله في العسكر فلم يبق خباء من أخبية قريش إلا أصابه دمه ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجهه ذلك فذكر مسيره حتى إذا كان قريبا من الصفراء بعث بسبس بن عمرو وعدي بن أبي الزغباء الجهنبين [ (19) ] يلتمسان الخبر عن أبي سفيان فانطلقا حتى وردا بدرا فأناخا بعيريهما [ (20) ] إلى تل من البطحاء واستقيا في شن لهما من الماء فسمعا جاريتين تقول إحداهما لصاحبتها إنما تأتي العير غدا، فلخص بينهما مجدي بن عمرو وقال صدقت وسمع ذلك بسبس وعدي فجلسا على بعيريهما حتى أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه الخبر وأقبل أبو سفيان حين وليا وقد حذر فتقدم أمام عيره فقال لمجدي بن عمرو هل أحسست على هذا الماء من أحد تنكره؟ فقال: لا والله إلا أني قد رأيت راكبين أناخا إلى هذا التل فاستقيا في شن لهما ثم انطلقا فجاء أبو سفيان مناخ بعيريهما فأخذ من أبعارهما وفته فإذا فيه النوى فقال هذه والله علائف يثرب ثم رجع سريعا فضرب وجه عيره فانطلق بها مساحلا حتى إذا رأى أن قد أحرز عيره بعث إلى قريش أن الله قد نجا [ (21) ] عيركم وأموالكم ورجالكم فارجعوا فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نأتي بدرا وكانت بدر سوقا من أسواق العرب فنقيم بها ثلاثا فنطعم بها الطعام وننحر بها الجزر ونسقي بها الخمر وتعزف علينا القيان وتسمع بنا العرب وبمسيرنا فلا يزالون يهابوننا بعدها أبدا قال الأخنس بن شريق يا معشر بني زهرة إن الله قد نجا أموالكم ونجا صاحبكم فارجعوا. فأطاعوه فرجعت زهرة فلم يشهدوها ولا بني عدي بن كعب وارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر مسيره حتى إذا كان ببعض وادي ذفار نزل وأتاه الخبر
عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فقال أبو بكر [رضي الله عنه] [ (22) ] فأحسن ثم قام عمر فقال فأحسن ثم
قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله امض لما أمرت به فنحن معك والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون. فو الذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا ودعا له به ثم قال: أشيروا علي أيها الناس وإنما يريد الأنصار وذلك أنهم عدد الناس، وكانوا حين بايعوه بالعقبة، قالوا: يا رسول الله إنا برءاء من ذمامك حتى تصل إلى دارنا، فإذا وصلت إلينا فأنت في ذممنا نمنعك مما نمنع منه أنفسنا وأبناءنا ونساءنا، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوف أن لا تكون الأنصار ترى أن عليها نصرته إلا بالمدينة، وأنه ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو بغير بلادهم، فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال سعد بن معاذ: والله لكأنك يا رسول الله تريدنا.
قال: أجل. قال سعد بن معاذ: فقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به حق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك، ما تخلف منا واحد، وما نكره أن نلقى عدونا غدا، إنا لصبر عند الحرب، صدق عند اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله، فسر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سيروا وأبشروا فإن الله عز وجل قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظر الآن إلى مصارع القوم.
قال ومضت قريش حتى نزلوا بالعدوة القصوى من الوادي والقلب ببدر في
العدوة الدنيا من بطن التل إلى المدينة، وأرسل الله السماء وكان الوادي دهسا فأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه منها ما لبد لهم الأرض ولم يمنعهم من المسير، وأصاب قريشا منها ما لم يقدروا أن يرتحلوا معه فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم يبادرهم إلى الماء حتى نزل بدرا فسبق قريشا إليه
فلما جاء أدنى ماء من بدر نزل عليه فقال له الحباب بن المنذر: يا رسول الله منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتعداه ولا نقصر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل هو الرأي والحرب والمكيدة، فقال الحباب: يا رسول الله فإن هذا ليس بمنزل ولكن انهض حتى تجعل القلب كلها من وراء ظهرك ثم غور كل قليب بها إلا قليبا واحدا ثم احفر عليه حوضا فنقاتل القوم فنشرب ولا يشربون حتى يحكم الله بيننا وبينهم فقال قد أشرت بالرأي، ففعل ذلك فغورت القلب وبنى حوضا على القليب الذي نزل عليه فملئ ماء ثم قذفوا فيه الآنية وأقبلت قريش حين أصبحت يقدمها عتبة بن ربيعة على جمل له أحمر. فلما رآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ينحطون من الكثيب قال اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها [ (23) ] وفخرها تحادك [ (24) ] وتكذب رسولك اللهم فأحنهم [ (25) ] الغداة» .
ثم ذكر ابن إسحاق إشارة حكيم بن حزام بترك القتال وموافقة عتبة بن ربيعة إياه ومخالفة أبي جهل بن هشام وتعييره عتبة حتى دعا عتبة إلى البراز [ (26) ] .
