الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
54

باب غزوة بئر معونة [ (1) ]

الجزء الثالث 1 عنصر صفحة 337
ص 337

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ رحمه الله قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار قال: حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بقية شوال، وذا القعدة، وذا الحجة والمحرم، ثم بعث أصحاب بئر معونة في صفر على رأس أربعة أشهر من أحد [ (2) ] .

قال ابن إسحاق: حدثنا والدي إسحاق بن يسار، عن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وغيرهما من أهل العلم، قالوا: قدم أبو البراء: عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الأسنة [ (3) ] على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فعرض عليه الإسلام ودعاه

إليه، فلم يسلم ولم يبعد من الإسلام، وقال: يا محمد لو بعثت رجالا من أصحابك إلى أهل نجد يدعونهم [ (4) ] إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أخشى عليهم أهل نجد، فقال أبو البراء: أنا لهم جار فابعثهم فليدعوا الناس إلى أمرك.

فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المنذر بن عمرو المعنق [ (5) ] . ليموت في أربعين رجلا من أصحابه من خيار المسلمين فيهم: الحارث بن الصمة، وحرام بن ملحان أخو بني عدي بن النجار، وعروة بن أسماء بن الصلت السلمي، ونافع بن ورقاء الخزاعي، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر، في رجال مسلمين من خيار المسلمين.

فساروا حتى نزلوا بئر معونة، وهي من أرض بني عامر وحرة بني سليم، كلى البلدين منها قريب، وهي إلى حرة بني سليم أقرب، فلما نزلوها بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عدو الله: عامر بن الطفيل، فلما أتاه لم ينظر في كتابه، حتى عدا على الرجل فقتله، ثم استصرخ عليهم بني عامر، فأبوا أن يجيبوا إلى ما دعاهم، وقال: لن يخفر [ (6) ] أبا براء، وقد عقد لهم عقدا

وجورا، فاستصرخ عليهم قبائل من بني سليم [من] عصية ورعل وذكوان والقارة، فأجابوه إلى ذلك، فخرجوا حتى غشوا القوم، فأحاطوا بهم في رحالهم فلما رأوهم أخذوا أسيافهم ثم قاتلوا القوم حتى قتلوا عن آخرهم، إلا كعب بن زيد أخا بني دينار بن النجار، فإنهم تركوه وبه رمق فارتث [ (7) ] من بين القتلى، فعاش حتى قتل يوم الخندق.

وكان في سرح القوم عمرو بن أمية الضمري، ورجل من الأنصار من بني عمرو بن عوف، فلم ينبئهما بمصاب القوم إلا الطير تحوم على المعسكر، فقالا: والله إن لهذه الطير لشأنا، فأقبلا لينظرا فإذا القوم في دمائهم وإذا الخيل التي أصابتهم واقفة، فقال الأنصاري لعمرو بن أمية: ماذا ترى؟ فقال: أرى أن نلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فنخبره الخبر، فقال الأنصاري: لكني لم أكن لأرغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو، ما كنت لأخبر [ (8) ] عنه الرجال، فقاتل القوم حتى قتل، وأخذ عمرو أسيرا، فلما أخبرهم أنه من مضر أطلقه عامر بن الطفيل، وجز ناصيته، وأعتقه عن رقبة كانت على أمه فيما زعم، وخرج عمرو بن أمية حتى إذا كان بالقرقرة من صدر قناة، أقبل رجلان من بني عامر حتى نزلا في ظل هو فيه، وكان مع العامريين عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوار، لم يعلم به عمرو بن أمية، وقد سألهما حين نزلا: من أنتما؟ فقالا: من بني عامر فأمهلهما حتى إذا ناما عدا عليهما فقتلهما، وهو يرى أنه قد أصاب بهما ثؤرة [ (9) ] من بني عامر بما أصابوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم،

فلما قدم عمرو ابن أمية الضمري على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبره الخبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد

قتلت قتيلين لأدينهما» ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا عمل أبي براء، قد كنت لهذا كارها متخوفا» ، فبلغ ذلك أبا براء فشق عليه إخفار عامر إياه، وما أصاب من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بسببه وجواره، وكان فيمن أصيب عامر بن فهيرة [ (10) ] .

وقال حسان بن ثابت أبياتا [ (11) ] في إخفار عامر أبا براء فحمل ربيعة بن عامر ابن مالك على عامر بن الطفيل فطعنه في فخذه فأشواه [ (12) ] فوقع من فرسه وقال هذا عمل أبي براء إن أمت فدمي لعمي فلا يتبعن به، وإن أعش فسأرى رأيي [ (13) ] .

وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل، قال: أخبرنا أبو بكر بن عتاب قال:

حدثنا القاسم بن عبد الله بن المغيرة قال: حدثنا ابن أبي أويس قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى بن عقبة قال: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم

سرية قبل أرض بني سليم وهو يومئذ بئر معونة قال أميرهم يومئذ: المنذر بن عمرو أخو بني ساعدة، ويقال: أميرهم مرثد بن أبي مرثد الغنوي،

حتى إذا كانوا ببعض الطريق بعثوا حرام بن ملحان إليهم بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقرأه عليهم، فلقيه عامر بن مالك أخو بني عامر، فأجاره حتى يقرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أتاه انتحى له عامر بن الطفيل فقتله، ثم قال: والله ما أقتل هذا وحده، فاتبعوا أثره حتى وجدوا القوم مقبلين هم والمنذر، فقالوا: إن شئت آمناك فقال: لن أعطيكم بيدي، ولكن أقتل أمهاتكم إلا أن تؤمنوني حتى آتي مقتل حرام بن ملحان، ثم أبرأ من جواركم، فقاتلهم حتى قتل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعتق ليموت، فقال عروة بن الزبير لم يوجد جسد عامر بن فهيرة يرون أن الملائكة هي وارته.

قال موسى: وعروة بن الصلت عرض عليه الأمان فأبى أن يقبله فقتلوه.

وارتث في القتلى كعب بن زيد فقتل يوم الخندق وكان عمرو بن أمية الضمري في سرح القوم، فأخذه عامر بن الطفيل فأعتقه وقال له: ارجع إلى صاحبك فحدثه، فرجع عمرو إلى رسول الله فأخبره الخبر.

وكان ثلاثة نفر من سرية المنذر بن عمرو تخلفوا على ضالة يبتغونها فإذا الطير ترميهم بالعلق [ (14) ] فقالوا: قتل والله أصحابنا إنا لنعلم ما كانوا ليقتلوا عامرا وبني سليم ولكن إخواننا هم الذي قتلوا، فماذا تأمرون؟ قال أحدهم: أما أنا فلا أرغب بنفسي عنهم، فانطلق نحوهم فقتل، وأما الآخران فأقبلا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كانا ببعض الطريق لقيا رجلين من بني كلاب كافرين قد كانا وصلا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعهد، فنزلوا منزلا واحدا، فلما نام الكلابيان قتلاهما ولم يعلما أن لهما عهدا من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال موسى بن عقبة: وكان ابن شهاب يقول في هذا الحديث: حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك السلمي، ورجال من أهل العلم أن عامر بن مالك بن جعفر الذي يدعى ملاعب الأسنة، قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مشرك فعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام فأبى أن يسلم وأهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم هدية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لا أقبل هدية مشرك، وقال عامر بن مالك: يا رسول الله ابعث معي من شئت من رسلك فأنا لهم جار، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رهطا فيهم المنذر بن عمرو الساعدي، وهو الذي يقال له أعتق ليموت عينا له في أهل نجد، فسمع بهم عامر بن الطفيل، فاستقر بني عامر فأبوا أن يطيعوه، وأبو أن يخفروا عامر بن مالك، فاستنفر لهم عامر بن الطفيل بني سليم فنفروا معه، فقتلوهم ببئر معونة، غير عمرو بن أمية الضمري أخذه عامر بن الطفيل فأرسله، فلما قدم عمرو بن أمية على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «آمن بينهم» ، فلما قال حسان بن ثابت في تخفير عامر بن الطفيل ما قال من الشعر طعنه- زعموا- ربيعة بن عامر بن مالك: عامر بن الطفيل في تخفيره عامر بن مالك في فخذه طعنة [ (15) ] .

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: حدثنا علي بن محمد بن سختويه، قال: أخبرنا محمد بن علي بن بطة، قال: حدثنا عفان بن مسلم قال: حدثنا حماد بن سلمة قال: أخبرنا ثابت عن أنس: «أن ناسا جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ابعث [ (16) ] معنا رجالا يعلموننا القرآن والسنة، فبعث إليهم سبعين رجلا من الأنصار يقال لهم القراء، وفيهم خالي حرام يقرؤون القرآن ويتدارسون

بالليل، ويتعلمون. وكانوا بالنهار يجيئون بالماء فيضعونه بالمسجد، ويحتطبون فيبيعونه ويسترون به الطعام لأهل الصفة [ (17) ] ، فبعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فتعرضوا لهم فقتلوهم قبل أن يبلغوا المكان، قالوا: اللهم بلغ عنا نبينا أن قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا.

قال: وأتى رجل خالي حراما خلفه فطعنه بالرمح حتى أنفذه، فقال حرام: فزت ورب الكعبة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «إن إخوانكم قد قتلوا» ، وقالوا: اللهم بلغ عنا نبينا أنا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا» .

رواه مسلم في الصحيح، عن محمد بن حاتم، عن عفان [ (18) ] .

أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: أخبرني أحمد بن محمد العنزي قال: حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي، قال: حدثنا محبوب بن موسى، قال:

حدثنا أبو إسحاق الفزاري، عن عطاء بن السائب، قال: سمعت أبا عبيدة بن عبد الله، يقول: قال عبد الله بن مسعود: إياكم وهذه الشهادات أن يقول الرجل قتل فلان شهيدا فإن الرجل يقاتل حمية، ويقاتل في طلب الدنيا، ويقاتل وهو جريء الصدر، ولكن سأحدثكم على ما تشهدون:

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية ذات يوم، فلم يلبث إلا قليلا حتى قام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:

إن إخوانكم قد لقوا المشركين واقتطعوهم، فلم يبق منهم أحد، وإنهم قالوا:

ربنا بلغ قومنا أنا قد رضينا ورضي عنا ربنا، فأنا رسولهم إليكم: إنهم قد رضوا ورضي عنهم

[ (19) ] .

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت لكتاب دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة للإمام البيهقي (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.