الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة / الجزء الثالث / باب ما جاء في قتل كعب بن الأشرف [ (1) ] وكفاية الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم والمسلمين شره
35

باب ما جاء في قتل كعب بن الأشرف [ (1) ] وكفاية الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم والمسلمين شره

الجزء الثالث 1 عنصر صفحة 186
ص 186

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا أبو العباس: محمد بن يعقوب قال: أخبرنا أحمد بن عبد الجبار، قال: أخبرنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: حدثني عبد الله بن أبي بكير [ (2) ] بن حزم، وصالح بن أبي أمامة ابن سهل بن حنيف، قالا: «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فرغ من بدر بشيرين إلى أهل المدينة، فبعث زيد بن حارثة إلى أهل السافلة، وبعث عبد الله بن رواحة إلى أهل العالية، يبشرونهم بفتح الله عز وجل على نبيه، فوافق زيد بن حارثة ابنه أسامة بن زيد حين سوي على رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل له: ذاك أبوك قد قدم، قال أسامة: فجئته وهو واقف للناس يقول: قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة وأبو جهل بن هشام، ونبيه ومنبه، وأمية بن خلف، فهو ينعي جلة قريش فقلت: يا أبه أحق هذا؟ فقال: نعم والله يا بني، ونعاهم عبد الله

ابن رواحة لأهل العالية، فلما بلغ ذلك كعب بن الأشرف، قال: ويلكم أحق هذا؟ هؤلاء ملوك العرب وسادات الناس [ (3) ] ما أصاب ملك مثل هؤلاء قط.

ثم خرج كعب إلى مكة، فنزل على عاتكة بنت أسيد بن أبي العيص، وكانت عند المطلب بن أبي وداعة، فجعل يبكي على قتلى قريش ويحرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:

طحنت رحا بدر لمهلك أهلها [ (4) ] ... ولمثل بدر تستهل وتدمع [ (5) ]

قتلت سراة الناس حول حياضهم ... لا تبعدوا إن الملوك تصرع [ (6) ]

كم قد أصيب بها [ (7) ] من ابيض ماجد ... ذي بهجة تأوي إليه الضيع [ (8) ]

طلق اليدين إذا الكواكب أخلفت ... حمال أثقال يسود ويربع [ (9) ]

ويقول أقوام أذل [ (10) ] بسخطهم ... إن ابن الأشرف ظل كعبا يجزع [ (11) ]

صدقوا فليت الأرض ساعة قتلوا ... ظلت تسوخ بأهلها وتصدع [ (12) ]

صار الذي أثر الحديث بطعنة ... أو عاش أعمى مرعشا لا يسمع [ (13) ]

نبئت أن الحارث بن هشامهم ... في الناس يبني الصالحات ويجمع [ (14) ]

ليزور يثرب بالجموع وإنما ... يحمي على الحسب الكريم الأروع [ (15) ]

نبئت أن بني كنانة كلهم ... خشعوا لقتل أبي الوليد وجدعوا [ (16) ]

قال ابن إسحاق: وقالت امرأة من الأنصار سمعت قول ابن الأشرف.

بكت عين من تبكي لبدر وأهله ... وعلت بمثليها لؤي بن غالب

وقال حسان بن ثابت:

بكت عين كعب [ (17) ] ثم عل بعبرة ... منه وعاش مجدعا لا يسمع [ (18) ]

ولقد رأيت ببطن بدر منهم ... قتلى تسح لها العيون وتدمع [ (19) ]

قال ابن إسحاق ثم رجع كعب [ (20) ] إلى المدينة فشبب بأم الفضل بنت الحارث فقال:

أراحل أنت لم تحلل بمنقبة ... وتارك أنت أم الفضل بالحرم

في كلام له: شبب بنساء المسليمن حتى آذاهم [ (21) ] .

أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد قال: أخبرنا أبو بكر بن عتاب قال: أخبرنا القاسم بن عبد الله بن المغيرة، قال: أخبرنا ابن أبي أويس، قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن عمه موسى بن عقبة، قال:

«وكان كعب بن الأشرف اليهودي وهو أحد بني النضير وقيمهم، قد آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجاء، وركب إلى قريش، فقدم عليهم فاستغواهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له أبو سفيان: أناشدك الله أديننا أحب إلى الله أم دين محمد

وأصحابه؟ وأينا أهدى في رأيك وأقرب إلى الحق؟ فإنا نطعم الجزور الكوماء، ونسقي اللبن على الماء ونطعم ما هبت الشمال.

فقال ابن الأشرف: أنتم أهدى منهم سبيلا.

ثم خرج مقبلا قد أجمع رأي المشركين على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم معلنا بعداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهجائه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من لنا من ابن الأشرف قد استعلن بعداوتنا وهجائنا، وخرج إلى قريش فأجمعهم على قتالنا قد أخبرني الله عز وجل بذلك.

ثم قدم على أخبث ما كان ينتظر قريشا أن يقدم فيقاتلنا معهم ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين ما أنزل الله فيه: ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا [ (22) ] وآيات في قريش معها.

وذكر لنا والله أعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم اكفني ابن الأشرف بما شئت، فقال له محمد بن مسلمة أنا يا رسول الله أقتله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

نعم.

فقام محمد بن مسلمة منقلبا إلى أهله، فلقي سلكان بن سلامة في المقبرة عامدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له محمد بن مسلمة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمرني بقتل ابن الأشرف، وأنت نديمه في الجاهلية، ولم يأمن غيرك فأخرجه إلي أقتله، فقال له سلكان: إن أمرني فعلت.

فرجع معه محمد بن مسلمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال سلكان يا رسول الله أمرت بقتل كعب بن الأشرف؟ قال: نعم. قال سلكان: يا رسول الله فحللني

فيما قلت لابن الأشرف، قال: أنت في حل مما قلت.

فخرج سلكان، ومحمد بن مسلمة، وعباد بن بشر بن وقش، وسلمة بن ثابت بن وقش، وأبو عبس بن جبر، حتى أتوه في ليلة مقمرة فتواروا في ظلال جذوع النخل وخرج سلكان فصرخ يا كعب فقال له كعب من هذا؟ فقال له سلكان هذا أبو ليلى يا أبا نائلة. وكان كعب يكنى: أبو نائلة، فقالت امرأته:

لا تنزل يا أبا نائلة إنه قاتلك، فقال: ما كان أخي ليأتيني إلا بخير، لو يدعى الفتى لطعنة أجاب.

فخرج كعب، فلما فتح باب الربض، قال: من أنت؟ قال أخوك فطأطئ لي رأسك فطأطأه فعرفه فنزل إليه، فمشى به سلكان نحو القوم وقال له سلكان: جئنا وأصابتنا شدة مع صاحبنا هذا، فجئتك لأتحدث معك ولأرهنك درعي في شعير، فقال له كعب: قد حدثتك أنكم ستلقون ذلك، ولكن نحن عندنا تمر وشعير وعبير، فأتونا، قال: لعلنا أن نفعل ثم أدخل سلكان يده في رأس كعب ثم شمها، فقال: ما أطيب عبيركم هذا، صنع ذلك مرة أو مرتين حتى أمنه، ثم أخذ سلكان برأسه أخذة نصله منها، فجأر عدو الله جأرة رفيعة، وصاحت امرأته وقالت: يا صاحباه، فعانقه سلكان، وقال: اقتلوني وعدو الله، فلم يزالوا يتخلصون بأسيافهم حتى طعنه أحدهم في بطنه طعنة بالسيف خرج منها مصرانه، وخلصوا إليه فضربوه بأسيافهم، وكانوا في بعض ما يتخلصون إليه وسلكان معانقه أصابوا عباد بن بشر في وجهه أو في رجله ولا يشعرون.

ثم خرجوا يشتدون سراعا حتى إذا كانوا بجرف بعاث فقدوا صاحبهم ونزفه الدم، فرجعوا أدراجهم فوجدوه من وراء الجرف فاحتملوه حتى أتوا به أهلهم من ليلتهم، فقتل الله عز وجل ابن الأشرف بعداوته الله ورسوله وهجائه إياه وتأليبه

قريشا وإعلائه عليه قريشا بذلك» [ (23) ] .

أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق، وأبو بكر بن الحسن، قالا: أخبرنا أبو العباس: محمد بن يعقوب قال: أخبرنا بحر بن نصر، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني سفيان بن عيينة، عن عمر بن سعيد أخي سفيان بن سعيد الثوري، عن أبيه، عن عباية يعني ابن رفاعة، قال: «ذكر قتل كعب بن الأشرف عند معاوية فقال ابن يامين: كان قتله غدرا، فقال محمد بن مسلمة:

يا معاوية أيغدر عندك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لا تنكر، والله لا يظلني وإياك سقف بيت أبدا، ولا يخلو لي دم هذا إلا قتلته» .

قال أحمد: ما ذكرنا وما نذكره من غدر كعب بن الأشرف ونقضه عهده وهجائه رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين وعداوته إياهم وتحريضه عليهم يكذب هذا القائل، ويدل على سوء رأيه وقبح قوله، وإن كعب بن الأشرف كان مستحقا لقتله لما ظهر من غدره ونقضه العهد مع كفره وبالله التوفيق.

أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان قال: أخبرنا أحمد بن علي الخزاز أبو جعفر، قال سفيان: أخبرنا محمد بن يونس، يعني الجمال، قال: أخبرنا سفيان، قال: حدثنا عمرو يعني ابن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: «قدم حيي بن أخطب، وكعب بن الأشرف مكة على قريش، فحالفوهم على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا لهم: أنتم أهل العلم القديم وأهل الكتاب فأخبرونا عنا وعن محمد، قالوا: ما أنتم وما محمد؟ قالوا: نحن ننحر الكوماء، ونسقي اللبن على الماء، ونفك العناة، ونسقي الحجيج، ونصل الأرحام. قالوا: فما محمد؟ قالوا صنبور قطع أرحامنا، واتبعه سراق

الحجيج بنو غفار. قالوا: لا، بل أنتم خير منهم، وأهدى سبيلا، فأنزل الله تعالى: ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت إلى آخر الآية.

قال سفيان: وكانت غفار أهل سلة في الجاهلية، يعني سرقة.

وأخبرنا أبو نصر عمر بن عبد العزيز بن عمر بن قتادة، قال: أخبرنا أبو العباس: محمد بن إسحاق بن أيوب الضبعي، قال: أخبرنا أبو الحسن بن علي ابن زياد السري، قال: حدثنا ابن أبي أويس، قال: حدثني إبراهيم بن جعفر ابن محمود بن مسلمة، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، قال: «لما كان من أمر النبي صلى الله عليه وسلم ما كان اعتزل كعب بن الأشرف ولحق بمكة وكان بها، وقال: لا أعين عليه ولا أقاتله.

فقيل له بمكة: يا كعب أديننا خير أم دين محمد وأصحابه؟ قال دينكم خير وأقدم، دين محمد حديث فنزلت فيه ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت [ (24) ] ، ثم قدم كعب بن الأشرف المدينة معلنا بمعاداة النبي صلى الله عليه وسلم وبهجاء النبي صلى الله عليه وسلم فكان أول ما خرج منه قوله:

أذاهب أنت لم تحلل بمنقبة ... وتارك أنت أم الفضل بالحرم

صفراء رادعة لو تعصر اعتصرت ... من ذي القوارير والحناء والكتم

إحدى بني عامر هام الفؤاد بها ... ولو تشاء شفت كعبا من السقم

لم أر شمسا قبلها طلعت* حتى تبدت لنا في ليلة الظلم وقال أيضا:

طحنت رحا بدر لمهلك أهله ... ولمثل بدر يستهل ويقلع

فذكر الأبيات التي ذكرناها يبدل حرفا بآخر وينقص البيت السابع وقال:

لهلك بني الحكيم وجرعوا

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما في جماعة: من لكعب بن الأشرف؟ فقد آذانا بالشعر وقوى المشركين علينا. فقال محمد بن مسلمة: أنا يا رسول الله قال: فأنت قال: فقام محمد فمشى قليلا، ثم رجع فقال: إني قائل [ (25) ] فقال قل فأنت في حل. فخرج محمد بعد يوم أو يومين حتى أتى كعبا وهو في حائط فقال يا كعب جئت لحاجة، وذكر الحديث في قتله [ (26) ] .

وذلك موجود فيما

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرنا أبو الحسن أحمد ابن محمد بن عبدوس، قال أخبرنا عثمان بن سعيد، قال: حدثني علي بن المديني، قال، حدثنا سفيان، قال: قال عمرو بن دينار: سمعت جابر بن عبد الله، يقول: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله. فقام محمد بن مسلمة فقال: يا رسول أعجب إليك أن أقتله؟ [ (27) ] قال: نعم. قال فأذن لي أن أقول شيئا. قال: قل.

فأتاه محمد بن مسلمة فقال: إن هذا الرجل قد سألنا صدقة، وإنه قد عنانا [ (28) ] وإني قد أتيتك أستسلفك، قال: وأيضا لتملنه [ (29) ] ، قال: إنا قد اتبعناه، فنكره أن ندعه حتى ننظر أي شيء يصير شأنه وقد أردنا أن تسلفنا قال ارهنوني نساءكم قال كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب. قال فارهنوني أبناءكم قال كيف نرهنك أبناءنا فيقال رهن بوسق أو وسقين [ (30) ] قال: فأي

شيء؟ قالوا نرهنك اللأمة قال سفيان يعني السلاح قال فواعده أن يأتيه فجاءه ليلا ومعه أبو نائلة وهو أخو كعب من الرضاعة فدعاه من الحصن فنزل إليهم فقالت امرأته أين تخرج هذه الساعة؟ قال إنما هو محمد بن مسلمة وأخي أبو نائلة قال إذا ما جاء فإني قائل بشعره فأشمه ثم أشمكم، فإذا رأيتموني أثبت يدي فدونكم.

قال: فنزل إليهم متوشحا وهو ينفخ منه ريح الطيب فقال ما رأيت كاليوم ريحا أي أطيب أتأذن لي أن أشم رأسك قال نعم فشمه ثم شم أصحابه ثم قال أتأذن لي؟ قال نعم فلما استمكن منه قال دونكم فضربوه فقتلوه فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه» .

رواه البخاري في الصحيح عن علي بن المديني [ (31) ] ، وزاد: قال: إنما هو أخي محمد بن مسلمة، ورضيعي أبو نائلة إن الكريم لو دعي إلى طعنة بليل لأجاب. وهو في الإسناد الأول: لو أن الفتى دعي لعنة أجاب.

أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن القاضي قال: أخبرنا أبو سهل أحمد بن محمد بن عبد الله بن زياد القطان، قال: حدثنا عبد الكريم بن الهيثم، قال:

حدثنا أبو اليمان، قال: حدثنا شعيب عن الزهري، قال: أخبرني عبد الرحمن

ابن عبد الله بن كعب بن مالك وكان من أحد الثلاثة الذين تيب عليهم يريد كعب ابن مالك «أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعرا، وكان يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحرض عليه كفار قريش في شعره، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وأهلها أخلاطا منهم المسلمون الذين تجمعهم دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنهم المشركون الذين يعبدون الأوثان، ومنهم اليهود وهم أهل الحلقة والحصون، وهم حلفاء للحيين: الأوس، والخزرج، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة استصلاحهم كلهم، وكان الرجل يكون مسلما وأبوه مشرك، والرجل يكون مسلما وأخوه مشرك.

وكان المشركون واليهود من أهل المدينة حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أشد الأذى فأمر الله تعالى رسوله والمسلمين بالصبر على ذلك والعفو عنهم ففيهم أنزل الله جل ثناؤه: ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا [ (32) ] الآية.

وفيهم أنزل الله ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره [ (33) ] .

فلما أبى كعب بن الأشرف أن ينزع عن أذى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأذى المسلمين، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ أن يبعث رهطا ليقتلوه، فبعث إليه سعد ابن معاذ، ومحمد بن مسلمة الأنصاري ثم الحارثي، وأبا عبس الأنصاري، والحارث ابن أخي سعد بن معاذ في خمسة رهط أتوه عشية، وهو في مجلسهم بالعوالي، فلما رآهم كعب بن الأشرف أنكر شأنهم وكان يذعر منهم. فقال

لهم: ما جاء بكم؟ فقالوا: جاءت بنا إليك حاجة. قال: فليدن إلي بعضكم فليحدثني بها فدنا إليه بعضهم فقال: جئناك لنبيعك أدراعا لنا لنستنفق أثمانها فقال والله لئن فعلتم ذلك لقد جهدتم قد نزل بكم هذا الرجل، فواعدهم أن يأتوه عشاء حين يهدي عنهم الناس، فجاءوا فناداه رجل منهم فقام ليخرج فقالت امرأته ما طرقوك ساعتهم هذه لشيء مما تحب. فقال: بلى إنهم قد حدثوني حديثهم، فاعتنقه أبو عبس، وضربه محمد بن مسلمة بالسيف، وطعنه بعضهم بالسيف في خاصرته، فلما قتلوه فزعت اليهود ومن كان معهم من المشركين، فغدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أصبحوا فقالوا: إنه طرق صاحبنا الليلة وهو سيد من ساداتنا فقتل، فذكرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يقول في أشعاره وينهاهم به، ودعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن يكتب بينه وبينهم وبين المسلمين كتابا ينتهوا إلى ما فيه، فكتب النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبينهم وبين المسلمين عامة صحيفة كتبها رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت العذق الذي كان في دار ابنة الحارث، وكانت تلك الصحيفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم عند علي بن أبي طالب رضي الله عنه» [ (34) ] .

وأخبرنا أبو علي الروذباري قال: أخبرنا أبو بكر بن داسة قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس أن الحكم بن نافع حدثهم قال:

أخبرنا شعيب، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه، وكان من أحد الثلاثة الذين تيب عليهم، قال: كان كعب بن الأشرف يهجو فذكره، وحديث عبد الكريم أتم.

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق قال: حدثني عبد الله بن المغيث [ (35) ] «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من لي لابن الأشرف؟ فذكر الحديث بطوله

وسمى الذين اجتمعوا في قتله: محمد بن مسلمة، وسلكان بن سلامة بن وقش، وهو أبو نائلة أحد بني عبد الأشهل، وكان أخا كعب من الرضاعة، وعباد بن بشر بن وقش أخو بني عبد الأشهل، والحارث بن أوس بن معاذ أحد بني عبد الأشهل، وأبو عبس بن جبر أحد بني حارثة، وذكر أن الحارث بن أوس أصابه بعض أسيافهم فجرح في رأسه ورجله قالوا فاحتملناه فجئنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر الليل وهو قائم يصلي فسلمنا عليه فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلينا فأخبرناه بتفل عدو الله فتفل على جرح صاحبنا فرجعنا إلى أهلينا» [ (36) ] .

وكذلك ذكره الواقدي بأسانيده [ (37) ] في قصة قتل ابن الأشرف قال فتفل على جرحه فلم يؤذه.

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرنا أبو عبد الله بن بطة، قال: حدثنا الحسن بن الجهم، قال: حدثنا الحسين بن الفرج قال: حدثنا محمد بن عمر الواقدي بأسانيد له في هذه القصة.

وذكر موسى بن عقبة أن عباد بن بشر هو الذي أصيب في وجهه أو رجله وكذلك هو في الرواية الأولى، عن جابر بن عبد الله.

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب

قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار قال: حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: حدثني ثور بن زيد الديلي، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: «مشى معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بقيع الغرقد ثم وجههم وقال انطلقوا على اسم الله، اللهم أعنهم» [ (38) ] .

وأخبرنا أبو عبد الله قال: أخبرنا أبو العباس قال: حدثنا أحمد قال:

حدثنا يونس، عن ابن إسحاق، قال: حدثني مولى لزيد بن ثابت، قال:

حدثني ابنة محيصة، عن أبيها محيصة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه، فوثب محيصة بن مسعود على ابن سنينة رجل من تجار يهود كان يلابسهم يبايعهم، فقتله،

وكان حويصة بن مسعود إذ ذاك لم يسلم، وكان أسن من محيصة، فلما قتله جعل حويصة يضربه ويقول: أي عدو الله قتلته، أما والله لرب شحم في بطنك من ماله، فقال محيصة: فقلت له: والله لقد أمرني بقتله من لو أمرني بقتلك ضربت عنقك- فو الله إن كان لأول إسلام حويصة، قال: والله لو أمرك محمد بقتلي لقتلتني؟ قال محيصة: نعم والله.

قال حويصة والله إن دينا بلغ بك هذا العجب [ (39) ] .

زاد فيه الواقدي [ (40) ] : فأسلم حويصة يومئذ وزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أصبح من الليلة التي قتل فيها ابن الأشراف أمر بهذا» [والله أعلم] [ (41) ] .

بسم الله الرحمن الرحيم

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت لكتاب دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة للإمام البيهقي (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.