أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني، قال: أخبرنا أبو سعيد ابن الأعرابي، قال: حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني، قال: حدثنا شبابة، قال: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حارثة، عن علي رضي الله عنه قال: «لما قدمنا المدينة أصبنا من ثمارها فاجتويناها [ (1) ] وأصابنا بها وعك [ (2) ] ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتخبر [ (3) ] عن بدر، فلما بلغنا أن المشركين قد أقبلوا، سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر- وبدر بئر- فسبقنا المشركين إليها فوجدنا فيها رجلين: رجلا من قريش ومولى لعقبة بن أبي معيط، فأما القرشي فانفلت، وأما مولى عقبة فأخذناه فجعلنا نقول له كم القوم فيقول هم والله كثير عددهم، شديد بأسهم، فجعل المسلمون إذا قال لهم ذلك ضربوه حتى انتهوا به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له كم القوم قال هم والله كثير عددهم شديد بأسهم، فجهد النبي صلى الله عليه وسلم أن يخبر بكم هي فأبى ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله كم ينحرون من الجزور [ (4) ] فقال عشرة كل
يوم فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم القوم ألف كل جزور لمائة وتبعها، ثم إنه أصابنا من الليل طش من مطر، فانطلقنا تحت الشجرة والجحف نستظل بها من المطر، وبات رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو ربه ويقول اللهم إنك إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض، فلما طلع الفجر نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة جامعة، فجاء الناس من تحت الشجر والجحف فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحض على القتال، ثم قال:
إن جمع قريش عند هذه الضلع الحمراء من الجبل فلما دنا القوم منا وصاففناهم إذا رجل منهم يسير في القوم على جمل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا علي ناد لي حمزة وكان أقربهم من المشركين من صاحب الجمل الأحمر وماذا يقول لهم ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن يك في القوم أحد يأمر بخير فعسى أن يكون صاحب الجمل الأحمر فجاء حمزة فقال: هو عتبة بن ربيعة، وهو ينهى عن القتال، ويقول لهم: يا قوم إني أرى أقواما مستميتين لا تصلون إليهم وفيكم خير، يا قوم اعصبوها اليوم برأسي وقولوا جبن عتبة وقد تعلمون أني لست بأجبنكم. فسمع ذلك أبو جهل فقال أنت تقول هذا والله لو غيرك يقول هذا لأعضضته [ (5) ] ، قد ملئت جوفك رعبا، فقال عتبة: إياي تعني يا مصفر استه [ (6) ] ستعلم اليوم أينا أجبن، فبرز عتبة، وأخوه، وابنه الوليد حمية فقال من يبارز فخرج من الأنصار شيبة فقال، عتبة، لا نريد هؤلاء ولكن يبارزنا من بني عمنا من بني عبد المطلب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قم يا علي، قم يا حمزة، قم يا عبيدة بن الحارث [ (7) ] ، فقتل الله عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة وجرح عبيدة بن
الحارث فقتلنا منهم سبعين وأسرنا سبعين فجاء رجل من الأنصار قصير برجل من بني هاشم أسيرا، فقال الرجل: يا رسول الله إن هذا والله ما أسرني لقد أسرني رجل أجلح [ (8) ] من أحسن الناس وجها على فرس أبلق ما أراه في القوم فقال الأنصاري: أنا أسرته يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اسكت فقد أيدك الله [عز وجل] [ (9) ] بملك كريم قال علي رضي الله عنه. فأسرنا من بني عبد المطلب العباس [ (10) ] وعقيل ونوفل بن الحارث» [ (11) ] .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس، عن ابن إسحاق، قال: حدثني والدي: إسحاق بن يسار، عن أشياخ من الأنصار، قالوا:
«بعثت قريش يوم بدر: عمير بن وهب فقالوا احرز لنا أصحاب محمد، فاستجال حول العسكر على فرس له ثم رجع إليهم، فقال: ثلاثمائة وخمسون [ (12) ] يزيدون قليلا أو ينقصون قليلا ولكن انظروني حتى أنظر في الوادي حتى أرى [هل] [ (13) ] لهم مددا أو كمينا، فضرب في الوادي حتى أمعن، ثم رجع، فقال: ما رأيت شيئا. ولكن يا معشر قريش قد رأيت البلايا [ (14) ] تحمل
المنايا، نواضح [ (15) ] تحمل الموت الناقع [ (16) ] قد رأيت أقواما ما وراءهم مرجع، وما عصمتهم إلا سيوفهم، ولا والله ما أرى أن يقتل رجل متى يقتل مثله، فإذا قتلوا مثل أعدادهم فما خير في العيش بعده، فروا رأيكم يا معشر قريش [ (17) ] .
قال ابن إسحاق في الإسناد الذي ذكر لقصة بدر وقد ذكرناه فيما تقدم:
فلما سمع حكيم بن حزام ذلك مشى في الناس فلقي عتبة بن ربيعة قال يا أبا الوليد إنك كبير قريش وسيدها والمطاع فيها فهل لك إلى أن لا تزال [ (18) ] منها بخير إلى آخر الدهر؟ فقال وما ذاك قال ترجع بالناس وتحمل دم حليفك عمرو ابن الحضرمي فقال عتبة: قد فعلت فائت ابن الحنظلية يعني أبا جهل بن هشام، ثم قام عتبة خطيبا فقال: يا معشر قريش إنكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمدا وأصحابه شيئا وقد نجا الله عيركم وأموالكم فلا حاجة لكم في أن تسيروا في غير صنيعة وإنما خرجتم لتمنعوا عيركم وأموالكم فاجعلوا بي جبنها وارجعوا. والله لئن أصبتم محمدا وأصحابه لا يزال رجل ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه قتل ابن عمه أو ابن خاله أو رجلا من بني عشيرته، فارجعوا وخلوا بين محمد وبين سائر العرب، فإن أصابوه فذاك الذي أردتم، وإن كان غير ذلك ألفاكم ولم تعرضوا منه لما لا تريدون.
قال حكيم: فانطلقت حتى جئت أبا جهل فقلت يا أبا الحكم إن عتبة بن ربيعة أرسلني إليك بكذا وكذا للذي قال، فقال أبو جهل: انتفخ والله سحره حين رأى محمدا وأصحابه كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد وما
بعتبة ما قال ولكنه قد رأى أن محمدا وأصحابه أكلة جزور وفيهم ابنه وقد تخوفكم عليه [ (19) ] .
ثم بعث إلى عامر بن الحضرمي، فقال: هذا حليفك يريد أن يرجع بالناس وقد رأيت ثأرك بعينك فقم فأنشد خفرتك [ (20) ] ومقتل أخيك فقام عامر فاكتشف ثم صرخ وا عمرواه وا عمرواه فحميت الحرب وحقب أمر الناس واستوسق على ما هم فيه من الشر وأفسد على الناس الرأي الذي دعاهم إليه عتبة بن ربيعة، فلما بلغ ذلك عتبة من قول أبي جهل، انتفخ سحره قال سيعلم مصفر استه أينا الجبان المفسد لقومه: أنا، أم هو، ثم التمس عتبة بن ربيعة بيضة ليدخلها رأسه فما وجدت في الجيش بيضة تسعه من عظم هامته فاعتجر حين رأى ذلك ببرد له على رأسه
وأقبل نفر من قريش حتى وردوا حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم حكيم بن حزام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوهم فما شرب منهم رجل يومئذ إلا قتل، إلا حكيم بن حزام فإنه لم يقتل، وأسلم بعد ذلك فحسن إسلامه،
فكان إذا اجتهد يمينه قال والذي نجاني يوم بدر [ (21) ] .
قال فلما رأى الأسود بن عبد الأسد الحوض قال والله لأنطلقن فلأهدمنه أو لأقتلن قبل ذلك، وكان رجلا شرسا سيء الخلق فخرج إليه ليهدمه، وخرج إليه حمزة بن عبد المطلب فضربه فأطن [ (22) ] قدمه بنصف ساقه وهما دون الحوض فوقع على ظهره تشخب [ (23) ] رجله دما نحو أصحابه، ثم حبا إلى الحوض حتى
اقتحم فيه يريد أن يبر يمينه واتبعه حمزة يضربه حتى قتله في الحوض، فكان أول قتيل» [ (24) ] .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال: حدثنا يحيى بن أبي طالب، قال: حدثنا إسحاق بن منصور، قال:
حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، قال: «لقد قللوا في أعيننا يوم بدر حتى قلت لرجل إلى جنبي أتراهم سبعين، قال: أراهم مائة، قال: فأسرنا رجلا منهم، فقلت كم كنتم؟ قال: ألفا» .
