الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة / الجزء الثاني / باب مبتدأ الإذعان بالقتال وما ورد بعده في نسخ العفو عن المشركين وأهل الكتاب بفرض الجهاد
84

باب مبتدأ الإذعان بالقتال وما ورد بعده في نسخ العفو عن المشركين وأهل الكتاب بفرض الجهاد

الجزء الثاني 1 عنصر صفحة 575
ص 575

أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يحيى [ (1) ] بن عبد الجبار السكري ببغداد، قال أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، قال، حدثنا [ (2) ] أحمد بن منصور الرمادي قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، أن أسامة بن زيد أخبره.

(ح) وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان، قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر بن درستويه، حدثنا يعقوب بن سفيان، قال: حدثنا أبو اليمان (ح) .

وأخبرنا أبو سعيد: محمد بن موسى بن الفضل: قال: حدثنا أبو محمد أحمد بن عبد الله المزني، قال: حدثنا علي بن محمد بن عيسى، قال:

أخبرنا أبو اليمان، قال: أخبرني أبو بشر: شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، قال: أخبرني عروة، أن أسامة بن زيد، أخبره.

«أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ركب حمارا عليه إكاف [ (3) ] على قطيفة فدكية [ (4) ] وأردف

أسامة بن زيد وراءه يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدر [ (5) ] ، حتى مر بمجلس فيه عبد الله بن أبي بن سلول، وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبي، فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين، ومن المشركين عبدة الأوثان، واليهود، وفي المسلمين عبد الله بن رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة [ (6) ] ، خمر [ (7) ] ابن أبي أنفه بردائه، ثم قال: لا تغبروا علينا.

فسلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم وقف فنزل فدعاهم إلى الله عز وجل، وقرأ عليهم القرآن، فقال عبد الله بن أبي بن سلول: أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقا، فلا تؤذنا [ (8) ] به في مجالسنا ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه.

فقال عبد الله بن رواحة: بلى يا رسول الله، فاغشنا به في مجالسنا، فإنا نحب ذلك، واستب المسلمون والمشركون واليهود، حتى كادوا يتثاورون [ (9) ] ، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخفضهم حتى سكتوا، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دابته حتى دخل على سعد بن عبادة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أيا سعد ألم تسمع ما قال أبو حباب يريد عبد الله بن أبي؟» قال: كذا وكذا، قال سعد بن عبادة: يا رسول الله اعف عنه واصفح، فو الذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك، ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة [ (10) ] على أن يتوجوه فيعصبوه بالعصابة فلما رد الله بالحق الذي أعطاك شرق [ (11) ] بذلك فذلك الذي فعل به ما

رأيت، فعفا عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمره الله عز وجل، ويصبرون على الأذى.

قال الله عز وجل: ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور [ (12) ] .

وقال عز وجل [ (13) ] : ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير [ (14) ] .

وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتأول في العفو ما أمره الله عز وجل به حتى إذا أذن الله فيهم، فلما غزا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بدرا وقتل الله به من قتل من صناديد قريش، قال ابن أبي بن سلول ومن معه من المشركين عبدة الأوثان: هذا أمر قد توجه، فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الإسلام فأسلموا» .

هذا لفظ حديث أبي اليمان عن شعيب وانتهى حديث معمر عند قوله:

«فعفا عنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم» .

رواه البخاري في الصحيح عن أبي اليمان [ (15) ] .

ورواه مسلم عن إسحاق [ (16) ] وعبد بن حميد عن عبد الرزاق.

وأخرجاه من حديث عقيل، وغيره عن الزهري [ (17) ] وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار، قال: حدثنا أحمد بن مهران، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس «أنه كان يقرؤها [ (18) ] : أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير [ (19) ] قال: هي أول آية نزلت [ (20) ] في القتال» [ (21) ] .

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن الحسن القاضي، قال: حدثنا إبراهيم بن الحسين، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا، قال: خرج ناس مؤمنون مهاجرين من مكة إلى المدينة، فأتبعهم كفار قريش، فأذن الله لهم في قتالهم فأنزل الله عز وجل [ (22) ] هذه الآية، فقاتلوهم.

أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أبو يحيى أحمد بن محمد بن إبراهيم السمرقندي، قال: حدثنا محمد بن نصر، قال: حدثنا محمد بن عبد الله، قال: حدثنا حاتم بن العلاء، قال: حدثنا عبد الله وهو ابن المبارك، عن إسماعيل، وهو ابن أبي خالد، عن السدي قال «أول آية أنزلت في القتال: أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا، قال محمد بن نصر: وكانوا في أول ما أذن الله عز وجل [ (23) ] لهم في القتال لم يؤمروا بأن يبتدءوا المشركين كافة بالقتال بل إنما أمروا أن يقاتلوا من قاتلهم خاصة، ومن ظلمهم، وأخرجهم من ديارهم على ما ذكر الله عز وجل في الآية التي أذن فيها بالقتال، وقال عز وجل: وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا- يعني في قتالهم فتقاتلوا غير الذين يقاتلونكم- إن الله لا يحب المعتدين، واقتلوهم حيث ثقفتموهم- إلى قوله- فإن قاتلوكم فاقتلوهم [ (24) ] ، فلما قدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحولها من عبدة الأوثان وأهل الكتاب جماعات لم يقاتل أحدا منهم ولم يتعرض لهم بحرب وكان يتعرض لقريش خاصة ويقصدهم وذلك أن الله إنما أمرهم بقتال الذين ظلموهم وأخرجوهم من ديارهم. وكان المشركون أيضا بالمدينة من أهل الكتاب وعبدة الأوثان يؤذونه وأصحابه فندبهم الله عز وجل إلى الصبر على أذاهم والعفو عنهم، فقال: ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا. وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور [ (25) ] .

وقال: ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم- إلى قوله- حتى يأتي الله بأمره [ (26) ] .

وكان ربما أمر بقتل الواحد بعد الواحد ممن قصد إلى أذاه إذا ظهر ذلك وألب عليه» .

وأخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو قال: حدثنا أبو العباس الأصم قال:

أخبرنا الربيع بن سليمان قال: قال الشافعي رحمه الله «أذن الله عز وجل بأن يبتدءوا المشركين بقتال فقال: أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا الآية، وأباح لهم القتال بمعنى أبانه في كتابه فقال وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين، واقتلوهم حيث ثقفتموهم- إلى- ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه. فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين.

قال الشافعي يقال نزل هذا في أهل مكة وهم كانوا أشد العدو على المسلمين ففرض عليهم في قتالهم ما ذكر الله ثم يقال: نسخ هذا كله، والنهي عن القتال، حتى يقاتلوا، أو النهي عن القتال في الشهر الحرام بقول الله عز وجل: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة [ (27) ] ونزول هذه الآية بعد فرض الجهاد.

قال الشافعي: ولما مضت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مدة من هجرته أنعم الله تعالى فيها على جماعات باتباعه، حدثت لهم بها مع عون الله عز وجل قوة بالعدد لم يكن قبلها ففرض الله عز وجل عليهم الجهاد بعد أن كان إباحة لا فرضا فقال تبارك وتعالى: كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم الآية [ (28) ] .

وقال: إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله

الآية [ (29) ] ، وذكر سائر الآيات في فرض الجهاد.

أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق المزكي، قال: أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبدوس، قال: حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي، قال: حدثنا عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قال: قوله: وأعرض عن المشركين [ (30) ] ، وقوله: فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره [ (31) ] ونحو هذا في العفو عن المشركين، نسخ ذلك كله بقوله:

فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم [ (32) ] ، وقوله: قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر- إلى قوله- وهم صاغرون [ (33) ] فنسخ هذا العفو عن المشركين وقوله: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة [ (34) ] يعني لا يكون شرك.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت لكتاب دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة للإمام البيهقي (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.