قال الله عز وجل إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب. وحفظا من كل شيطان مارد لا يسمعون إلى الملإ الأعلى ويقذفون من كل جانب. دحورا ولهم عذاب واصب. إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب [ (2) ] .
وقال: ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين [ (3) ] .
وقال: ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين وحفظناها من كل شيطان رجيم. إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين [ (4) ] .
وقال فيما أخبر عن الجن: وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا. وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا [ (5) ] .
أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران العدل ببغداد، قال: حدثنا إسماعيل بن محمد الصفار، قال: حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري عن يحيى ابن عروة بن الزبير عن عروة بن الزبير عن عائشة [رضي الله عنها] [ (6) ] قالت:
«قلت يا رسول الله إن الكهان قد كانوا يحدثوننا بالشيء فيكون حقا. قال: تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقذفها في أذن وليه فيزيد فيها أكثر من مائة كذبة» .
رواه مسلم في الصحيح [ (7) ] عن عبد بن حميد، عن عبد الرزاق.
وأخرجه البخاري من وجه آخر عن معمر [ (8) ] .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال أبو بكر بن إسحاق الفقيه، قال: بشر ابن موسى، قال: حدثنا الحميدي، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا عمرو بن دينار، قال: سمعت [عكرمة يقول سمعت] [ (9) ] أبا هريرة يقول «إن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا
[للذي قال:] [ (10) ] الحق وهو العلي الكبير فيسمعها مسترق السمع- ومسترقوا السمع هكذا بعضهم فوق بعض ووصف سفيان بعضها فوق بعض- قال:
فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها وربما ألقاها قبل أن يدركه فيكذب معها مائة كذبة فيقال أليس قد قال لنا: يوم كذا وكذا، كذا وكذا للكلمة التي سمعت من السماء فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء. رواه البخاري في الصحيح عن الحميدي [ (11) ] .
محمد بن عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال: أخبرنا العباس بن الوليد بن مزيد، قال: حدثني أبي، قال:
حدثنا الأوزاعي، قال: حدثني ابن شهاب عن علي بن حسين عن ابن عباس، قال: حدثني رجل من الأنصار «أنهم بيناهم جلوس مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إذ رمي بنجم فاستنار، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما كنتم [ (12) ] تقولون في الجاهلية إذا رمي بمثل هذا؟ قالوا الله ورسوله أعلم، كنا نقول ولد الليلة رجل عظيم ومات الليلة رجل عظيم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنه لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته ولكن
ربنا- عز وجل- إذا قضى أمرا سبحت حملة العرش ثم سبح أهل السماء [ (13) ] الذين يلونهم حتى يبلغ التسبيح أهل السماء الدنيا، ثم يقول الذين يلون حملة العرش ماذا قال ربكم فيستخبر أهل السموات بعضهم بعضا حتى يبلغ الخبر أهل السماء الدنيا فتخطف [ (14) ] الجن السمع فيلقونه إلى أوليائهم ويرمون فما جاءوا به على وجهه فهو الحق ولكنهم يقذفون فيه ويزيدون» .
وفي رواية يونس بن يزيد عن الزهري: ولكنهم يقرفون [ (15) ] فيه أي يزيدون [ (16) ] .
أخرجه مسلم في الصحيح من حديث الوليد بن مسلم عن الأوزاعي [ (17) ] .
ورواه محمد بن إسحاق بن يسار عن الزهري، فقال في آخره: «ثم إن الله عز وجل حجب الشياطين عن السمع بهذه النجوم فانقطعت الكهنة فلا كهانة» .
ورواه معمر عن الزهري وقال في آخره: قال: فقلت للزهري أو كان يرمى به في الجاهلية؟ فقال: نعم. قلت: يقول الله عز وجل وأنا كنا نقعد
منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا [ (18) ] قال غلظت واشتد أمرها حين بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
أخبرناه أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا محمد بن إبراهيم بن الفضل، قال: حدثنا أحمد بن سلمة قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن علي بن حسين عن ابن عباس، قال: فبينما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في نفر من أصحابه جالس إذ رمي بنجم فاستنار فذكر معنى حديث الأوزاعي، ثم ذكر معمر للزهري وهذا يوافق ظاهر الكتاب لأنه قال خيرا عن الجن وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا [ (19) ] فأخبرت [ (20) ] الجن أنه زيد في حراسة السماء [ (21) ] وشهبها حتى امتلأت منها ومنهم.
فذلك دليل [ (22) ] على أنه كان قبل ذلك فيها حراس [ (23) ] وشهب معدة معهم والشهاب في لسان العرب النار المتوقدة.
فأما الحديث الذي أخبرنا أبو عمرو الأديب، قال: أخبرنا أبو بكر الإسماعيلي، قال: أخبرنا أبو يعلى، قال: حدثنا شيبان ابن فروخ، قال: حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: «ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الجن وما رآهم. انطلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في طائفة من أصحابه فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا مالكم قالوا حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب، قالوا: ما ذاك إلا من شيء
حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فمر النفر الذين أخذوا نحو تهامة وهو بنخل عامدين إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له، وقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء فرجعوا إلى قومهم وقالوا [ (24) ] : يا قومنا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك به أحدا، فأوحى الله [تعالى] [ (25) ] إلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم: قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن» .
رواه مسلم في الصحيح عن شيبان بن فروخ.
ورواه البخاري عن [ (26) ] مسدد وغيره.
فقد ذكرنا أن ذلك في أول ما علموا به، وأما قولهم حيل بيننا وبين خبر السماء، فإنما أرادوا بما زيد في الحراس والشهب.
وهكذا ما أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس بن بكير عن يونس بن عمرو، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: «إن الشياطين كانوا يصعدون إلى السماء فيستمعون الكلمة من الوحي فيهبطون [بها] [ (27) ] إلى الأرض فيزيدون معها تسعا فيجد أهل الأرض تلك الكلمة حقا والتسع باطلا، فلم يزالوا كذلك حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وآله وسلم فمنعوا تلك المقاعد، فذكروا ذلك لإبليس، فقال: لقد حدث في الأرض حدث فبعثهم، فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتلو القرآن بين جبلي نخل، قالوا هذا والله لحدث، وإنهم ليرمون
فإذا توارى النجم عنكم فقد أدركه لا يخطئ أبدا لا يقتله يحرق وجهه، جنبه [ (28) ] يده» .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ: قال: أخبرنا عبد الرحمن بن الحسن القاضي، قال: حدثنا إبراهيم بن الحسين، قال: حدثنا آدم بن أبي إياس، قال: حدثنا حماد بن سلمة، قال: حدثنا عطاء بن السايب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله عز وجل حتى إذا فزع عن قلوبهم [ (29) ] قال:
«كان لكل قبيل من الجن مقعد من السماء يستمعون منه الوحي، وكان إذا نزل الوحي سمع له صوت كإمرار السلسلة على الصفوان، فلا ينزل على أهل سماء إلا صعقوا [حتى إذا] [ (30) ] فزع عن قلوبهم، قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا:
الحق وهو العلي الكبير. ثم يقول: يكون العام كذا ويكون كذا، فيسمعه الجن فيخبرون الكهنة به، والكهنة الناس يكون كذا وكذا فيجدونه كذلك فلما بعث الله [عز وجل] [ (31) ] محمدا صلى الله عليه وآله وسلم دحروا، فقالت العرب حين لم تخبرهم الجن بذلك هلك من في السماء فجعل صاحب الإبل ينحر كل يوم بعيرا، وصاحب البقر ينحر كل يوم بقرة، وصاحب الغنم شاة، حتى أسرعوا في أموالهم، فقالت ثقيف وكانت أعقل العرب: أيها الناس أمسكوا عليكم [ (32) ] أموالكم فإنه لم يمت من في السماء، وإن هذا ليس بانتثار، ألستم ترون معالمكم من النجوم كما هي، والشمس والقمر والليل والنهار، قال: فقال إبليس: لقد حدث اليوم في الأرض
حدث فأتوني من تربة كل أرض، فأتوه بها فجعل يشمها فلما شم تربة مكة، قال: من هاهنا جاء الحدث، فنصتوا، فإذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد بعث.
أخبرنا أبو نصر بن قتادة، قال: أخبرنا أبو منصور النضروي قال: حدثنا أحمد بن نجدة، قال: حدثنا سعيد بن منصور، قال: حدثنا خالد عن حصين عن عامر الشعبي، قال: «كانت النجوم لا ترمى حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وآله وسلم فرمي بها فسيبوا أنعامهم وأعتقوا رقيقهم، فقال عبد ياليل انظروا، فإن كانت النجوم التي تعرف فهي [ (33) ] عند فناء الناس وإن كانت لا تعرف فهو من أمر حدث، فنظروا فإذا هي لا تعرف، قال: فأمسكوا ولم يلبثوا إلا يسيرا حتى جاءهم خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم» .
وأما الحديث الذي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا أحمد بن كامل القاضي قال أخبرنا محمد بن سعد بن محمد العوفي، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمر الحسين بن الحسن بن عطية، قال: حدثني أبي عن أبيه عطية بن سعد عن ابن عباس، قال: «لم تكن سماء الدنيا تحرس في الفترة بين عيسى ومحمد [ (34) ] صلى الله عليه وآله وسلم [ (35) ] ، وكانوا يقعدون منها مقاعد للسمع فلما بعث الله- عز وجل- محمدا صلى الله عليه وآله وسلم حرست السماء حرسا شديدا، ورجمت الشياطين، فأنكروا ذلك، فقالوا: لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد ربهم رشدا.
فقال إبليس: لقد حدث في الأرض حدث فاجتمعت [ (36) ] إليه الجن، فقال: تفرقوا في الأرض فأخبروني ما هذا الخبر الذي حدث في السماء وكان
أول بعث بعث ركب في [ (37) ] أهل نصيبين وهم أشراف الجن وسادتهم [ (38) ] فبعثهم إلى تهامة فاندفعوا حتى بلغوا الوادي وادي نخلة فوجدوا نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي صلاة الغداة ببطن نخلة فاستمعوا فلما سمعوه يتلو القرآن، قالوا: أنصتوا ولم يكن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم علم أنهم استمعوا إليه وهو يقرأ القرآن فلما قضى يقول فلما [ (39) ] فرغ من الصلاة ولوا إلى قومهم منذرين يقول: مؤمنين» [ (40) ] .
فهذا يوافق الحديث الثابت عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، إلا أن فيه زيادة ينفرد بها عطية العوفي، وهي قوله «لم تكن سماء الدنيا تحرس في الفترة بين عيسى محمد صلى الله عليه وآله وسلم» .
وروي ذلك عن ابن عباس ويحتمل أن يكون المراد بذلك أنها لم تكن تحرس الحراسة الشديدة حتى بعث نبينا صلى الله عليه وآله وسلم فملئت حرسا شديدا وشهبا والله أعلم [ (41) ] .
