الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة / الجزء الثاني / باب مبتدأ البعث والتنزيل وما ظهر عند ذلك من تسليم الحجر والشجر وتصديق ورقة بن نوفل إياه
24

باب مبتدأ البعث والتنزيل وما ظهر عند ذلك من تسليم الحجر والشجر وتصديق ورقة بن نوفل إياه

الجزء الثاني 1 عنصر صفحة 134
ص 134

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا أبو الفضل بن إبراهيم المزكي، قال: حدثنا أحمد بن سلمة، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: [ (24) ] أحمد، وحدثنا محمد بن يحيى، ومحمد بن رافع، قالا: حدثنا عبد الرزاق- وهذا لفظ حديث ابن رافع- قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن الزهري، قال: وأخبرني عروة عن عائشة، أنها قالت: أول ما بديء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة [ (25) ] في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء فكان يأتي حراء فيتحنث فيه، وهو التعبد الليالي ذوات العدد ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فتزوده لمثلها [ (26) ] حتى فجأه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فيه فقال:

اقرأ. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقلت: - ما أنا بقارئ. قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ [ (27) ] . فقلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ

باسم ربك الذي خلق- حتى بلغ- ما لم يعلم [ (28) ] فرجع بها ترجف بوادره [ (29) ] حتى دخل على خديجة فقال: زملوني زملوني فزملوه حتى ذهب عنه الروع [ (30) ] فقال: يا خديجة مالي، فأخبرها الخبر، وقال: قد خشيت علي فقالت له:

كلا [ (31) ] ، أبشر فو الله لا يخزيك الله أبدا: إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضعيف، وتعين على نوائب الحق.

ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن قصي وهو ابن عم خديجة ابن أخي أبيها وكان امرءا تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي [ (32) ] ، يكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء الله [عز وجل] [ (33) ] أن يكتب. وكان شيخا كبيرا قد عمي فقالت له خديجة: أي ابن

عم! اسمع من ابن أخيك. فقال ورقة: ابن أخي ما ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما رآه. فقال ورقة بن نوفل: هذا الناموس [ (34) ] الذي أنزل على موسى.

باليتني فيها جذعا [ (35) ] أكون حيا حين يخرجك قومك فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أو مخرجي هم؟ قال ورقة: نعم، لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا. ثم لم ينشب [ (36) ] ورقة أن توفي.

رواه مسلم في الصحيح عن محمد بن رافع، ورواه البخاري عن عبد الله ابن محمد، عن عبد الرزاق [ (37) ] .

وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر القطيعي [ (38) ] قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن الزهري، قال: أخبرني عروة عن عائشة.

[رضي الله عنها] [ (39) ] أنها قالت: «أول ما بديء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الوحي

الرؤيا الصادقة- فذكر الحديث بمعناه وزاده في آخره: وفتر الوحي فترة حتى حزن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما بلغنا حزنا غدا منه مرارا لكي يتردى من رؤوس شواهق الجبال كلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه تبدا له جبريل عليه السلام فقال، يا محمد إنك رسول الله حقا فيسكن لذلك جأشه وتقر نفسه، ويرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا مثل ذلك فإذا أوفى بذورة جبل تبدا له جبريل فقال مثل ذلك» [ (40) ] .

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ: قال: أخبرنا أبو الفضل بن إبراهيم المزكي، قال: حدثنا أحمد بن سلمة، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: وحدثنا محمد بن يحيى ومحمد بن رافع، قالا: حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر عن الزهري، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يحدث عن فترة الوحي فقال في حديثه: «فبينا أنا أمشي سمعت صوتا من السماء فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض [فجئثت] [ (41) ] منه رعبا فرجعت فقلت زملوني زملوني فدثروني فأنزل الله عز وجل يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر [ (42) ] قبل أن تفرض الصلاة- وهي الأوثان» [ (43) ] .

رواه مسلم في الصحيح عن محمد بن رافع، ورواه البخاري عن عبد الله ابن محمد، عن عبد الرزاق.

أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، قال أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، قال: حدثنا عبيد بن شريك، قال: حدثنا يحيى، قال: حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب: أن محمد بن النعمان بن بشير الأنصاري [ (44) ] وكان يسكن دمشق أخبره «أن الملك جاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال اقرأ [قال] [ (45) ] فقلت ما أنا بقارئ. فعاد إلى مثل ذلك ثم أرسلني، فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ. فعاد إلى مثل ذلك ثم أرسلني فقال [لي] [ (46) ] اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق [ (47) ] قال محمد بن النعمان: فرجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك. قال ابن شهاب: فسمعت عروة بن الزبير، يقول: قالت، عائشة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم: فرجع إلى خديجة يرجف فؤاده فقال زملوني زملوني فزمل، فلما سري عنه قال لخديجة، لقد أشفقت على نفسي قالت خديجة أبشر فو الله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصدق الحديث، وتصل الرحم، انطلق بنا فانطلقت خديجة إلى ورقة بن نوفل، وكان رجلا قد تنصر شيخا أعمى يقرأ الإنجيل بالعربية، فقالت له خديجة: أي ابن عم [ (48) ] اسمع من ابن أخيك. فقال له

ورقة: ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال له ورقة هذا الناموس الذي أنزل الله تعالى على موسى، يا ليتني أكون حين يخرجك قومك. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمخرجي هم؟ قال: نعم لم يأت رجل بمثل ما جئت به إلا عودي وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا [ (49) ] .

قال ابن شهاب سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن يقول: [أخبرني] [ (50) ] جابر بن عبد الله الأنصاري «أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ثم فتر الوحي عني فبينما أنا أمشي سمعت صوتا من السماء فرفعت بصري قبل السماء فإذا الملك الذي كان [يجيبني] [ (51) ] قاعد على كرسي بين السماء والأرض [فجئثت] [ (52) ] منه فرقا حتى هويت إلى الأرض فجئت إلى أهلي فقلت لهم زملوني فزملوني فأنزل الله عز وجل يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر [ (53) ] .

قال أبو سلمة [ (54) ] : الرجز: الأوثان. قال: ثم جاء الوحي بعد وتتابع» .

رواه البخاري في الصحيح [ (55) ] عن يحيى بن بكير إلا أنه لم يذكر قول محمد بن النعمان، وزاد في أول حديث عروة عن عائشة: ما رويناه عن معمر عن الزهري. وزاد في آخره: ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي. ثم ذكر حديث أبي سلمة عن جابر بن عبد الله وقال في آخره: ثم حمي الوحي وتتابع.

ورواه [ (56) ] مسلم عن عبد الملك بن شعيب بن الليث عن أبيه عن جده [ (57) ] .

وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد، قال: أخبرنا أبو بكر محمد ابن عبد الله بن أحمد بن عتاب العبدي، قال: حدثنا أبو محمد القاسم بن عبد الله بن المغيرة الجوهري قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس. قال: حدثني إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن عمه موسى بن عقبة. قال: ثم إن الله عز وجل بعث محمدا صلى الله عليه وآله وسلم على رأس خمس عشرة سنة من بنيان الكعبة» [ (58) ] .

قال ابن شهاب: حدثني عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنها

قالت: «توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو ابن ثلاث وستين» [ (59) ] .

قال ابن شهاب: وحدثني مثل ذلك سعيد بن المسيب.

«وكان فيما بلغنا أول ما رأى أن الله- عز وجل- أراه رؤيا في المنام، فشق ذلك عليه، فذكرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لامرأته خديجة بنت خويلد بن أسد فعصمها الله- عز وجل- من التكذيب، وشرح صدرها بالتصديق، فقالت: أبشر فإن الله عز وجل يصنع بك إلا خيرا، ثم إنه خرج من عندها ثم رجع إليها فأخبرها أنه رأى بطنه شق، ثم طهر وغسل، ثم أعيد كما كان. قالت: هذا والله خير فأبشر [ (60) ] ، ثم استعلن له جبريل عليه السلام وهو بأعلى مكة فأجلسه على مجلس كريم معجب كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: أجلسني على بساط كهيئة الدرنوك [ (61) ] فيه الياقوت واللؤلؤ فبشره برسالة الله عز وجل حتى اطمأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال [له] [ (62) ] جبريل عليه السلام [ (63) ] ، اقرأ. فقال كيف أقرأ. قال اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم [ (64) ]

ويزعم ناس أن يا أيها المدثر [ (65) ] أول سورة أنزلت [ (66) ] عليه والله أعلم. [ (67) ] .

قال ابن شهاب: وكانت خديجة أول من آمن بالله وصدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن تقرض الصلاة، قال: وقبل [ (68) ] الرسول [صلى الله عليه وآله وسلم] [ (69) ] رسالة ربه عز وجل واتبع الذي جاءه به جبريل عليه السلام من عند الله عز وجل، فلما قبل الذي جاءه من عند الله تعالى وانصرف منقلبا إلى بيته جعل لا يمر على شجرة ولا صخر [ (70) ] إلا سلم عليه، فرجع مسرورا إلى أهله موقنا، قد رأى أمرا عظيما، فلما دخل على خديجة قال أرأيتك الذي كنت أحدثك [ (71) ] أني رأيته في المنام فإنه جبريل عليه السلام استعلن لي، أرسله إلي ربي وأخبرها [ (72) ] بالذي جاءه من الله عز وجل [ (73) ] وما سمع منه فقالت أبشر فو الله لا يفعل الله بك إلا خيرا، فاقبل الذي جاءك من [عند] الله [عز وجل] [ (74) ] فإنه حق، وأبشر فإنك رسول الله حقا.

ثم انطلقت مكانها حتى أتت غلاما لعتبة بن ربيعة بن عبد شمس نصرانيا من أهل نينوى يقال له عداس، فقالت له يا عداس أذكرك بالله إلا ما أخبرتني هل عندك علم من جبريل. فقال عداس: قدوس قدوس، ما شأن جبريل يذكر بهذه الأرض التي أهلها أهل الأوثان! أخبرني بعلمك فيه، قال فإنه أمين [ (75) ] الله بينه وبين النبيين وهو صاحب موسى وعيسى عليهما السلام.

فرجعت خديجة من عنده فجاءت ورقة بن نوفل وكان ورقة قد كره عبادة الأوثان، وهو وزيد بن عمرو بن نفيل، وكان زيد قد حرم كل شيء حرمه الله [عز وجل] [ (76) ] من الدم والذبيحة على النصب، ومن أبواب الظلم في الجاهلية، فعمد هو وورقة بن نوفل يلتمسان العلم حتى وقفا بالشام فعرضت اليهود عليهما دينهم فكرهاه وسألا رهبان النصرانية، فأما ورقة فتنصر وأما زيد فكره النصرانية فقال له قائل من الرهبان: إنك تلتمس دينا ليس يوجد اليوم في الأرض! فقال له زيد: أي دين ذلك؟ قال القائل: دين القيم دين إبراهيم خليل الرحمن. قال: وما كان من دينه؟ قال: كان حنيفا مسلما، فلما وصف له دين إبراهيم [عليه السلام] [ (77) ] قال زيد أنا على دين إبراهيم وأنا ساجد نحو الكعبة التي بنى إبراهيم، فسجد نحو الكعبة في الجاهلية. فقال زيد لما تبين له الهدى:

أسلمت [ (78) ] وجهي لمن أسلمت ... له المزن يحملن عذبا زلالا

ثم توفي زيد وبقي ورقة بعده كما يزعمون سنتين [ (79) ] فقال ورقة بن نوفل وهو يبكي زيد بن عمرو بن نفيل:

رشدت وأنعمت ابن عمرو وإنما ... تجنبت تنورا من النار حاميا

بدينك ربا ليس رب كمثله ... وتركك جنان الجبال كماهيا

تقول إذا جاوزت أرضا مخوفة ... باسم الإله بالغداة وساريا

تقول إذا صليت في كل مسجد ... حنانيك لا تظهر علي الأعاديا

فلما وصفت خديجة لورقة حين جاءته شأن محمد عليه السلام صلى الله عليه وآله وسلم [ (80) ] وذكرت له جبريل عليه السلام وما جاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من عند الله عز وجل قال [ (81) ] لها ورقة: يا بنية أخي [ (82) ] ما أدري لعل صاحبك النبي الذي ينتظر أهل الكتاب الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل وأقسم بالله لئن كان إياه ثم أظهر دعاءه [ (83) ] وأنا حي لأبلين الله في طاعة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وحسن مؤازرته الصبر والنصر. فمات ورقة [ (84) ] .

وقد ذكر ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير هذه القصة بنحو من هذا وزاد فيها: «ففتح جبريل [عليه السلام] [ (85) ] عينا من ماء فتوضأ ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم ينظر إليه وجهه ويديه إلى المرفقين ومسح رأسه [ (86) ] ورجليه إلى الكعبين ثم نضح فرجه وسجد سجدتين مواجهة البيت، ففعل محمد كما رأى جبريل يفعل» .

أخبرنا بذلك أبو الحسين بن الفضل، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر، قال:

حدثنا يعقوب بن سفيان، قال: حدثنا عمرو بن خالد وحسان بن عبد الله قالا:

حدثنا ابن لهيعة. وذكر القصة بأجمعها شيخنا أبو عبد الله الحافظ عن أبي جعفر البغدادي عن أبي علاثة: محمد بن عمرو بن خالد عن أبيه، عن ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، إلا أنه لم يذكر من شعر ورقة إلا البيتين الأولين.

ولم يذكر ما قال الزهري في إسلام خديجة والذي ذكر [فيه] [ (87) ] من شق بطنه، يحتمل أن يكون حكاية منه لما صنع به في صباه، ويحتمل أن يكون شق مرة أخرى ثم مرة ثالثة حين عرج به إلى السماء والله أعلم.

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق قال: حدثني عبد الملك بن عبد الله [ (88) ] بن أبي سفيان بن العلاء بن جارية الثقفي وكان واعية [ (89) ] عن بعض أهل العلم: «أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين أراد الله عز وجل كرامته [وابتدأه] لا يمر بحجر ولا شجر إلا سلم عليه وسمع منه، فيلتفت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خلفه وعن يمينه وعن شماله ولا يرى إلا الشجر وما حوله من الحجارة وهي تحييه بتحية النبوة: السلام عليك يا رسول الله [ (90) ] .

وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخرج إلى حراء في كل عام شهرا من السنة ينسك فيه، وكان من نسك من قريش في الجاهلية يطعم من جاء من المساكين حتى إذا انصرف من مجاورته وقضائه [ (91) ] لم يدخل بيته حتى يطوف بالكعبة، حتى إذا كان الشهر الذي أراد الله [تعالى] [ (92) ] به ما أراد من كرامته من السنة التي بعث فيها، وذلك الشهر رمضان فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما كان يخرج لجواره وخرج معه بأهله حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله فيها برسالته ورحم العباد به جاءه جبريل عليه السلام بأمر الله عز وجل، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فجاءني، وأنا نائم، فقال: اقرأ. فقلت: ما أقرأ؟ فغتني [ (93) ] حتى ظننت أنه الموت، ثم كشفه عني، فقال: أقر: فقلت: وما أقرأ؟ فعاد لي [ (94) ] بمثل ذلك، ثم قال: اقرأ.

فقلت: وما أقرأ وما أقولها إلا تنجيا [ (95) ] أن يعود لي بمثل الذي صنع، فقال:

اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم. الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم [ (96) ] .

ثم انتهى، فانصرف عني وهببت من نومي فكأنما صور في قلبي كتابا ولم يكن في خلق الله عز وجل أحد أبغض إلي من شاعر أو مجنون فكنت لا أطيق أنظر إليهما، فقلت: إن الأبعد يعني نفسه لشاعر أو مجنون ثم قلت لا تحدث

عني قريش بهذا أبدا، لأعمدن إلى حالق من الجبل فلأطرحن [ (97) ] نفسي منه فلأقتلنها فلأستريحن، فخرجت ما أريد غير ذلك فبينا أنا عامد لذلك إذ سمعت مناديا ينادي من السماء يقول: يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل، فرفعت، رأسي إلى السماء انظر فإذا جبريل [عليه السلام] [ (98) ] في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء يقول يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل فرفعت أنظر إليه وشغلني عن ذلك وعما أريد فوقفت وما أقدر على أن أتقدم: ولا أتأخر، وما أصرف وجهي في ناحية من السماء إلا رأيته فيها، فما زلت واقفا ما أتقدم ولا أتأخر حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي، حتى بلغوا مكة، ورجعوا فلم أزل كذلك حتى كاد النهار يتحول، ثم انصرف عني وانصرفت راجعا إلى أهلي حتى أتيت خديجة فجلست إلى فخذها مضيفا إليها فقالت يا أبا القاسم! أين كنت؟

فو الله لقد بعثت رسلي في طلبك، حتى بلغوا مكة ورجعوا، فقلت لها: إن الأبعد لشاعر أو مجنون. فقالت أعيذك بالله تعالى [ (99) ] من ذلك يا أبا القاسم، ما كان الله ليفعل بك ذلك مع ما أعلم من صدق حديثك، وعظم أمانتك، وحسن خلقك، وصلة رحمك.

وما ذاك يا ابن عم لعلك رأيت شيئا أو سمعته. فأخبرتها الخبر. فقالت:

أبشر يا ابن عم واثبت له فوالذي يحلف به إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة.

ثم قامت فجمعت ثيابها عليها ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل وهو ابن عمها، وكان قد قرأ الكتب وتنصر وسمع من التوراة والإنجيل، فأخبرته الخبر وقصت عليه ما قص عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه رأى وسمع. فقال ورقة: قدوس

قدوس، والذي نفس ورقة بيده لئن [ (100) ] كنت صدقتيني يا خديجة، إنه لنبي هذه الأمة، وإنه ليأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى [عليه السلام] [ (101) ] ، فقولي له فليثبت.

فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبرته ما قال لها ورقة فسهل ذلك عليه بعض ما هو فيه من الهم بما جاءه.

فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جواره صنع كما كان يصنع: بدأ بالكعبة فطاف بها فلقيه ورقة وهو يطوف بالكعبة فقال: يا ابن أخي! أخبرني بالذي رأيت وسمعت، فقص عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خبره، فقال ورقة: والذي نفسي بيده إنه ليأتيك الناموس [ (102) ] الأكبر الذي كان يأتي موسى وإنك لنبي هذه الأمة، ولتؤذين، ولتكذبن، ولتقاتلن، ولتنصرن، ولئن أنا أدركت ذلك لأنصرنك نصرا يعلمه الله، ثم أدنى إليه رأسه فقبل يافوخه، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى منزله وقد زاده الله [عز وجل] [ (103) ] من قول ورقة ثباتا، وخفف عنه بعض ما كان فيه من الهم» [ (104) ] .

أخبرنا أبو عبد الله، قال: حدثنا أبو العباس: [محمد بن يعقوب] [ (105) ] قال: حدثنا أحمد،، قال: حدثنا يونس عن ابن إسحق، قال: وكان ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي قال فيما ذكرت له خديجة من أمر رسول

الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما يزعمون:

فإن يك [ (106) ] حقا يا خديجة فاعلمي ... حديثك إيانا فأحمد مرسل

وجبريل يأتيه وميكال معهما ... من الله وحي يشرح الصدر منزل

يفوز به من فاز فيها بتوبة ... ويشقى به العاتي الغوي المضلل [ (107) ]

فريقان منهم فرقة في جنانه ... وأخرى بإخوان الجحيم تغلل

إذا ما دعوا بالويل فيها تتابعت ... مقامع في هاماتها ثم تشعل

فسبحان من تهوي الرياح بأمره ... ومن هو في الأيام ما شاء يفعل

ومن عرشه فوق السموات كلها ... وأقضاؤه في خلقه لا تبدل

وقال ورقة بن نوفل في ذلك:

يا للرجال وصرف الدهر والقدر ... وما لشيء قضاه الله من غير

حتى خديجة تدعوني لأخبرها ... وما لها بخفي الغيب من خبر

جاءت لتسألني عنه لأخبرها ... أمرا أراه سيأتي الناس من أخر

فخبرتني بأمر قد سمعت به ... فيما مضى من قديم الدهر والعصر

بأن أحمد يأتيه فيخبره ... جبريل أنك مبعوث إلى البشر

فقلت عل الذي ترجين ينجزه ... لك الإله فرجي الخير وانتظري

وأرسليه إلينا كي نسائله ... عن أمره ما يرى في النوم والسهر

فقال حين أتانا منطقا عجبا ... يقف منه أعالي الجلد والشعر

إني رأيت أمين الله واجهني ... في صورة أكملت من أهيب الصور

ثم استمر فكاد الخوف يذعرني ... مما يسلم من حولي من الشجر

فقلت ظني وما أدري أيصدقني ... أن سوف تبعث تتلو منزل السور

وسوف أنبيك إن أعلنت دعوتهم ... من الجهاد بلا من ولا كدر [ (108) ]

أخبرنا أبو عبد الله، قال: حدثنا أبو العباس، قال: حدثنا أحمد، قال:

حدثنا يونس عن ابن إسحاق، قال: حدثني إسماعيل بن أبي حكيم مولى الزبير أنه حدث عن خديجة بنت خويلد «أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما تثبته- فيما

أكرمه الله [تعالى] [ (109) ] به من نبوته- يا ابن عم تستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك فقال: نعم، فقالت: إذا جاءك فأخبرني.

فبينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، عندها إذ جاء جبريل، فرآه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال:

يا خديجة هذا جبريل. فقالت: أتراه الآن؟ قال: نعم. قالت: فاجلس إلى شقي الأيمن، فتحول فجلس، فقالت هل تراه الآن؟ قال: نعم. قالت فاجلس في حجري فتحول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فجلس. فقالت: هل تراه الآن؟ قال:

نعم. فتحسرت رأسها فألقت خمارها ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالس في حجرها، فقالت: هل تراه الآن؟ قال لا. قالت: ما هذا شيطان إن هذا [لملك] [ (110) ] يا ابن عم، فاثبت وأبشر، ثم آمنت به وشهدت أن الذي جاء به الحق» .

قال ابن إسحاق: فحدثت عبد الله بن الحسن هذا [ (111) ] الحديث، فقال:

قد سمعت فاطمة بنت الحسين تحدث بهذا الحديث عن خديجة إلا أني سمعتها تقول: «أدخلت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بينها وبين درعها فذهب عند ذلك جبريل عليه السلام.

قلت: وهذا شيء كانت خديجة- رضي الله عنها- تصنعه تستثبت به الأمر احتياطا لدينها وتصديقها، فأما النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقد كان [قد] [ (112) ] وثق بما قال له جبريل وأراه من الآيات التي ذكرناها مرة بعد أخرى وما كان من تسليم الشجر والحجر عليه وما كان من إجابة الشجر لدعائه وذلك بعد ما كذبه قومه وشكاهم إلى جبريل عليه السلام فأراد أن يطيب قلبه» [ (113) ] .

حدثنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني رحمه الله إملاء، قال:

أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، قال: أخبرنا إبراهيم بن الحارث البغدادي قال: حدثنا يحيى بن أبي بكير [ (114) ] ، قال: حدثنا إبراهيم بن طهمان، قال: حدثني سماك بن حرب عن جابر بن سمرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن» .

رواه مسلم في الصحيح [ (115) ] ، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يحيى بن أبي بكير.

أخبرنا أبو الحسين بن بشران، قال: أخبرنا أبو جعفر الرزاز، قال:

حدثنا يحيى بن جعفر، قال: أخبرنا أبو داود الطيالسي.

(ح) وحدثنا أبو بكر محمد بن فورك رحمه الله، قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر الأصبهاني، قال: حدثنا يونس بن حبيب، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا سليمان بن معاذ، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة «أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن بمكة لحجرا كان يسلم علي ليالي بعثت. إني لأعرفه إذا مررت عليه» [ (116) ] .

حدثنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو محمد أحمد بن عبد الله المزني، قال: حدثنا يوسف بن موسى المروروذي، قال: حدثنا عباد بن يعقوب، قال: حدثنا الوليد بن أبي ثور، عن السدي، عن عباد بن عبد الله [ (117) ] عن علي رضي الله عنه، قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمكة فخرج في

بعض نواحيها فما استقبله شجر ولا جبل [ (118) ] إلا قال له السلام عليك يا رسول الله» [ (119) ] .

وأخبرنا أبو الحسين بن بشران، قال: أخبرنا أبو محمد جعفر بن محمد ابن نصير، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن سليمان، قال: حدثنا محمد بن العلاء، قال: حدثنا يونس بن عنبسة عن إسماعيل بن عبد الرحمن، هو السدي، عن عباد، قال: سمعت عليا [رضي الله عنه] [ (120) ] يقول: «لقد رأيتني أدخل معه- يعني النبي صلى الله عليه وآله وسلم- الوادي فلا يمر بحجر ولا شجر إلا قال السلام عليك يا رسول الله وأنا أسمعه» [ (121) ] .

أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن علي المقرئ الإسفرايني بها، قال: أخبرنا الحسن بن محمد بن إسحق، قال: حدثنا يوسف بن يعقوب، قال: حدثنا أبو الربيع، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان عن أنس بن مالك، قال: «جاء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو خارج من مكة قد خضبه أهل مكة بالدماء، قال، مالك قال: خضبني هؤلاء بالدماء وفعلوا وفعلوا، قال تريد أن أريك آية؟ قال نعم قال ادع تلك الشجرة فدعاها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فجاءت تخط الأرض حتى قامت بين يديه قال مرها فلترجع قال: ارجعي إلى مكانك، فرجعت إلى مكانها. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

حسبي» [ (122) ] .

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت لكتاب دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة للإمام البيهقي (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.