قال الله، عز وجل، فيما أخبر أنه كلم به موسى، صلوات الله عليه:
ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون. الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به، وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون [ (1) ] .
وقال عز وجل: وإذ قال عيسى ابن مريم: يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد [ (2) ] .
أخبرنا محمد بن الحسين بن محمد بن الفضل القطان، ببغداد، قال:
أخبرنا أبو سهل: أحمد بن محمد بن زياد القطان، قال: حدثنا القاسم بن نصر البزاز، دوست، قال: حدثنا سريج [ (3) ] بن النعمان، قال: حدثنا فليح، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص، فقلت له: أخبرني عن صفة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في التوراة؟ فقال:
أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن [ (4) ] : يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين. أنت عبدي ورسولي، سميتك:
المتوكل. ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخب [ (5) ] بالأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء: أن يقولوا: لا إله إلا الله وأفتح به أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا [ (6) ] .
قال عطاء بن يسار: ثم لقيت كعب الأحبار [ (7) ] فسألته، فما اختلفا في حرف، إلا أن كعبا [يقول] [ (8) ] : أعينا عمويا، وأذانا صمومى، وقلوبا غلوفى [ (9) ] .
رواه البخاري في الصحيح عن محمد بن سنان عن فليح بن سليمان.
أخبرنا أبو الحسن: علي بن أحمد بن عبدان، قال: أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، قال: حدثنا هشام بن علي، قال: حدثنا عبد الله بن رجاء.
قال: حدثنا عبد العزيز، عن هلال بن أبي هلال. عن عطاء بن يسار. عن عبد الله بن عمرو، كان يقول إن هذه الآية التي في القرآن: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا [ (10) ] . هي في التوراة: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك:
المتوكل، لست بفظ ولا غليظ ولا سخاب بالأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح. ولن نقبضه حتى نقيم به [ (11) ] الملة العوجاء حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فينفتح [ (12) ] بها أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا.
رواه البخاري في الصحيح، عن عبد الله غير منسوب [ (13) ] عن عبد العزيز ابن أبي سلمة. قيل: هو ابن رجاء. وقيل: هو ابن صالح، والأشبه أن يكون ابن رجاء. والله أعلم.
قال البخاري: وقال سعيد عن هلال، عن عطاء عن ابن سلام.
أخبرنا [ (14) ] أبو الحسين بن الفضل القطان، قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر، قال: حدثنا يعقوب بن سفيان، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن هلال بن أسامة، عن عطاء بن يسار، عن ابن سلام، أنه كان يقول:
إنا لنجد صفة رسول الله، صلى الله عليه وسلم: إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين. أنت عبدي ورسولي، سميته: المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يجزئ بالسيئة مثلها، ولكن يعفو [ويغفر] [ (15) ] ويتجاوز. ولن أقبضه حتى يقيم [ (16) ] الملة العوجاء [ (17) ] بأن يشهد أن لا إله إلا الله، نفتح [ (18) ] به أعينا عميا وآذانا صما، وقلوبا غلفا.
قال عطاء بن يسار: وأخبرني الليثي [ (19) ] : أنه سمع كعب الأحبار يقول مثل ما قال ابن سلام [ (20) ] .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن ثابت بن شرحبيل، عن أم الدرداء، قالت:
قلت لكعب الحبر: كيف تجدون صفة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في التوراة؟
قال: نجده: محمد رسول الله، اسمه: المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب بالأسواق. أعطي المفاتيح ليبصر الله [تعالى] [ (21) ] به أعينا عورا، ويسمع به آذانا وقرا، ويقيم به ألسنا معوجة حتى يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. يعين المظلوم ويمنعه [ (22) ] .
أخبرنا أبو الحسين بن الفضل [القطان] [ (23) ] قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر، قال: حدثنا يعقوب بن سفيان، قال: حدثنا عبد الله بن عثمان، قال:
أخبرنا عبد الله- يعني ابن المبارك- قال: أخبرنا إبراهيم: أبو إسحاق، قال:
حدثنا المسيب بن رافع [ (24) ] قال:
قال كعب: قال الله، عز وجل، لمحمد، صلى الله عليه وسلم: عبدي المتوكل المختار، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، ولا يجزئ بالسيئة [ (25) ] ، ولكن يعفو ويصفح [ (26) ] .
حدثنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن يونس بن عمرو، عن العيزار بن حريث، عن عائشة [رضي الله عنها] [ (27) ] .
أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مكتوب في الإنجيل: لا فظ ولا غليظ ولا سخاب
بالأسواق، ولا يجزئ بالسيئة مثلها، بل يعفو ويصفح [ (28) ] .
أخبرنا أبو الحسين بن الفضل، قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر، قال:
حدثنا يعقوب بن سفيان، قال حدثنا فيض البجلي، قال: حدثنا سلام بن مسكين، عن مقاتل بن حيان، قال: أوحى الله، عز وجل، إلى عيسى بن مريم: جد في أمري ولا تهزل، واسمع وأطع يا ابن الطاهر البكر البتول:
إني خلقتك من غير فحل فجعلتك آية للعالمين، فإياي فاعبد، وعلي فتوكل.
فسر لأهل سوران بالسريانية، بلغ من بين يديك: أنى أنا الله الحي القيوم الذي لا أزول. صدقوا النبي الأمي العربي صاحب الجمل والمدرعة والعمامة، وهي التاج، والنعلين، والهراوة وهي القضيب. الجعد الرأس، الصلت الجبين، المفروق [ (29) ] الحاجبين، الأنجل العينين. الأهدب الأشفار، الأدعج العينين، الأقنى الأنف، الواضح الجبين. الكث اللحية، عرقه في وجهه كأنه اللؤلؤ، ريح المسك ينفح منه، كأن عنقه إبريق فضة، وكأن الذهب يجري في تراقيه، له شعرات [ (30) ] من لبته إلى سرته تجري كالقضيب، ليس على صدره ولا على بطنه شعر غيره. شثن الكف والقدم، إذا جاء مع الناس غمرهم، وإذا مشى كأنما يتقلع من الصخر، وينحدر في صبب، ذو النسل القليل [ (31) ] .
وكأنه أراد الذكور من صلبه.
أخبرنا أبو ذر بن أبي الحسين بن أبي القاسم المذكر، وأبو الحسن: علي ابن محمد المقرئ، قالا: أخبرنا الحسن بن إسحاق الإسفرايني [ (32) ] قال:
حدثنا محمد بن أحمد بن البراء، قال: أخبرنا عبد المنعم بن إدريس، عن أبيه، قال: وذكر «وهب بن منبه» إن الله، عز وجل، لما قرب موسى نجيا، قال: رب إني أجد في التوراة أمة: خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويؤمنون بالله، فاجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: رب، إني أجد في التوراة أمة هم الآخرون من الأمم، السابقون يوم القيامة، فاجعلهم أمتي. قال: تلك أمة محمد.
قال: رب إني أجد في التوراة أمة أناجيلهم في صدورهم يقرأونها وكان من قبلهم يقرأون كتبهم نظرا ولا يحفظونها، فاجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال رب، إني أجد في التوراة أمة يؤمنون بالكتاب الأول والآخر، ويقاتلون رؤوس الضلالة، حتى يقاتلوا الأعور الكذاب، فاجعلهم أمتي.
قال: تلك أمة محمد.
قال: رب، إني أجد في التوراة أمة يأكلون صدقاتهم في بطونهم، وكان من قبلهم إذا أخرج صدقته بعث الله عليها نارا فأكلتها، فإن لم تقبل لم تقربها النار، فاجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد.
قال: رب، إني أجد في التوراة أمة إذا هم أحدهم بسيئة لم تكتب عليه، فإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة وإذا هم أحدهم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشر حسنات إلى مائة ضعف [ (33) ] ،
فاجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد.
قال: رب، إني أجد في التوراة أمة هم المستجيبون والمستجاب لهم، فاجعلهم أمتي. قال: تلك أمة [ (34) ] أحمد.
قال: وذكر «وهب بن منبه» في قصة داود النبي، صلى الله عليه وسلم، وما أوحي إليه في الزبور: يا داود، إنه سيأتي من بعدك نبي يسمى: أحمد ومحمدا، صادقا سيدا، لا أغضب عليه أبدا، ولا يغضبني أبدا، وقد غفرت له قبل أن يعصيني ما تقدم من ذنبه وما تأخر وأمته مرحومة، أعطيتهم من النوافل مثل ما أعطيت الأنبياء، وافترضت عليهم الفرائض التي افترضت على الأنبياء والرسل، حتى يأتوني يوم القيامة نورهم مثل نور الأنبياء، وذلك أني افترضت عليهم أن يتطهروا لي لكل صلاة، كما افترضت على الأنبياء قبلهم، وأمرتهم بالغسل من الجنابة كما أمرت الأنبياء قبلهم. وأمرتهم بالحج كما أمرت الأنبياء قبلهم، وأمرتهم بالجهاد كما أمرت الرسل قبلهم.
يا داود، فإني [ (35) ] فضلت محمدا وأمته على الأمم كلها: أعطيتهم ستة خصال لم أعطها غيرهم من الأمم: لا أخذهم بالخطأ والنسيان، وكل ذنب ركبوه على [غير] [ (36) ] عمد إذا استغفروني منه غفرته لهم، وما قدموا لآخرتهم من شيء طيبة به أنفسهم عجلته لهم أضعافا مضاعفة، ولهم في المدخور عندي أضعافا مضاعفة وأفضل من ذلك، وأعطيتهم، على المصائب في البلايا إذا صبروا وقالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون- الصلاة والرحمة والهدى إلى جنات
النعيم. فإن دعوني استجبت لهم، فإما أن يروه عاجلا، وإما أن أصرف عنهم سوءا، وإما أن أدخره لهم في الآخرة.
يا داود، من لقيني من أمة محمد يشهد أن لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي صادقا بها فهو معي في جنتي وكرامتي. ومن لقيني وقد كذب محمدا، وكذب بما جاء به، واستهزأ بكتابي صببت عليه في قبره العذاب صبا، وضربت الملائكة وجهه ودبره عند منشره من قبره، ثم أدخله في الدرك الأسفل من النار [ (37) ] . أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو الوليد الفقيه، حدثنا [ (38) ] الحسن بن سفيان الشيباني، قال: حدثنا عقبة بن مكرم الضبي، فقال: حدثنا أبو قطن: عمرو بن الهيثم بن قطن بن كعب، قال: حدثنا حمزة الزيات، عن سليمان الأعمش، عن علي بن مدرك، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة: (وما كنت بجانب الطور إذ نادينا) [ (39) ] قال: نودوا: يا أمة محمد، استجبت لكم قبل أن تدعوني، وأعطيتكم قبل أن تسألوني [ (40) ] .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن أبي خلدة: خالد بن دينار، قال: حدثنا أبو العالية [ (41) ] قال: لما افتتحنا «تستر» وجدنا في بيت مال «الهرمزان» سريرا عليه رجل ميت، عند رأسه مصحف له، فأخذنا المصحف، فحملناه إلى عمر بن الخطاب، [رضي الله
عنه] [ (42) ] ، فدعا له كعبا فنسخه بالعربية، أنا أول رجل من العرب، قرأه، قرأته مثل ما أقرأ القرآن هذا. فقلت لأبي العالية: ما كان فيه؟ فقال:
سيرتكم، وأموركم، ودينكم، ولحون كلامكم، وما هو كائن بعد. قلت:
فما صنعتم بالرجل؟ قال حفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبرا متفرقة، فلما كان في الليل [ (43) ] دفناه وسوينا القبور كلها، لنعميه على الناس لا ينبشونه، فقلت [ (44) ] وما ترجون منه؟ قال: كانت السماء إذا حبست عليهم برزوا بسريره فيمطرون.
قلت: من كنتم تظنون الرجل؟ قال: رجل يقال له: دانيال فقلت [ (45) ] مذ كم وجدتموه مات؟ قال: مذ ثلاثمائة سنة. فقلت [ (46) ] : ما كان تغير شيئا؟ قال:
لا، إلا شعيرات من قفاه، إن لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض، ولا تأكلها السباع.
أخبرنا أبو عبد الله: محمد الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، قال: حدثنا العباس بن محمد، قال: حدثنا سعد بن عبد الحميد بن جعفر الأنصاري [ (47) ] ، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي، عن عمر ابن الحكم بن رافع بن سنان وهو عم عبد الحميد بن جعفر- قال: حدثني بعض عمومتي وآبائي: أنهم كانت عندهم ورقة يتوارثونها في الجاهلية، حتى جاء
الله- تعالى- بالإسلام وهي عندهم، فلما قدم النبي، صلى الله عليه وسلم، المدينة، ذكروا له وأتوه بها مكتوب فيها: اسم الله، وقوله الحق، وقول الظالمين في تباب.
هذا الذكر لأمة تأتي في آخر الزمان يسبلون أطرافهم، ويأتزرون على أوساطهم ويخوضون البحور إلى أعدائهم، فيهم صلاة لو كانت في قوم نوح ما أهلكوا بالطوفان، وفي عاد ما أهلكوا بالريح، وفي ثمود ما أهلكوا بالصيحة. بسم الله، وقوله الحق، وقول الظالمين في تباب.
كأنه استقبل قصة أخرى. قال: فعجب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لما قرئت عليه لما فيها [ (48) ] .
