الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
168

فصل

الجزء الأول 1 عنصر صفحة 42
ص 42

ومما يحق معرفته في الباب، أن تعلم أن الله تعالى بعث رسوله، صلى الله عليه وسلم، بالحق، وأنزل عليه كتابه الكريم، وضمن حفظه كما قال تعالى: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون [ (92) ] . ووضع رسوله، صلى الله عليه وسلم من دينه وكتابه موضع الإبانة عنه، كما قال: وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون [ (93) ] . وترك نبيه في أمته حتى يبين لأمته ما بعث به، ثم قبضه الله تعالى إلى رحمته. وقد تركهم على الواضحة، فلا تنزل بالمسلمين نازلة إلا وفي كتاب الله وسنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم بيانها: نصا أو دلالة [ (94) ] .

وجعل في أمته في كل عصر من الأعصار أئمة يقومون ببيان شريعته وحفظها على أمته ورد البدعة عنها.

كما

أخبرنا أبو سعد: أحمد بن محمد الصوفي، قال: أخبرنا أبو أحمد بن عدي الحافظ، حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، حدثنا أبو الربيع الزهراني، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا بقية بن الوليد، حدثنا معان [ (95) ] بن

رفاعة، عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري، قال:

قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «يرث هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين» [ (96) ] .

ورواه «الوليد بن مسلم» عن إبراهيم بن عبد الرحمن، عن الثقة من أشياخهم، عن النبي، صلى الله عليه وسلم.

وقد وجد تصديق هذا الخبر في زمان الصحابة، ثم في كل عصر من الأعصار إلى يومنا هذا. وقام بمعرفة رواة السنة في كل عصر من الأعصار جماعة وقفوا على أحوالهم في التعديل والجرح وبينوها ودونوها في الكتب حتى من أراد الوقوف على معرفتها وجد السبيل إليها. وقد تكلم فقهاء الأمصار في الجرح والتعديل فمن سواهم من علماء الحديث:

أخبرنا أبو عبد الرحمن: محمد بن الحسين السلمي، حدثنا أبو سعيد الخلال، حدثنا أبو القاسم البغوي، حدثنا محمود بن غيلان المروزي، قال:

حدثني الحماني عن «أبي حنيفة» قال: ما رأيت أحدا أكذب من جابر الجعفي [ (97) ] ، ولا أفضل من عطاء [ (98) ] .

قال: وحدثنا عبد الحميد الحماني، قال: سمعت أبا سعد الصغاني قام إلى أبي حنيفة، فقال: يا أبا حنيفة، ما تقول في الأخذ عن «الثوري» ؟

فقال: اكتب عنه، فإنه ثقة ما خلا أحاديث «أبي إسحاق» عن «الحارث» ، وحديث «جابر الجعفي» .

وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان، ببغداد، قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يعقوب بن سفيان، قال: سمعت حرملة يقول:

قال الشافعي: «الرواية عن حرام بن عثمان حرام» [ (99) ] .

أخبرنا أبو عبد الله: الحسين بن الحسن الغضائري ببغداد، حدثنا أحمد ابن سلمان، حدثنا جعفر بن محمد الصائغ، حدثنا عفان: قال: حدثني يحيى ابن سعيد القطان، قال: سألت شعبة، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، وسفيان بن عيينة: عن الرجل يتهم في الحديث ولا يحفظ؟ فقالوا: بين أمره للناس.

وأخبرنا أبو علي: الحسين بن محمد الروذباري، قال: أخبرنا أبو بكر:

أحمد بن كامل بن خلف القاضي، قال: حدثني أبو سعد الهروي، عن أبي بكر بن خلاد، قال:

قيل «ليحيى بن سعيد» : أما تخشى أن يكون الذين تركت حديثهم خصماؤك عند الله؟

قال: لأن يكون هؤلاء خصمائي عند الله أحب إلي من أن يكون خصمي

رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: لم حدثت عني حديثا ترى أنه كذب؟

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا أبو الوليد [ (100) ] الفقيه، حدثنا الحسن بن سفيان، حدثنا حرملة بن يحيى، قال:

سمعت الشافعي، رحمه الله، يقول: «لولا شعبة ما عرف الحديث بالعراق، وكان يجيء إلى الرجل فيقول: لا تحدث وإلا استعديت عليك السلطان.

فعلى هذه الجملة كان ذبهم عن حريم السنة. وشواهد ما ذكرنا كثيرة، وفيما ذكرنا عن التطويل غنية.

وهذه مقدمة لكتاب «دلائل النبوة» وبيان ما جرى عليه أحوال صاحب الشريعة، صلوات الله عليه- أشار بها علي الشيخ أبو الحسن: حمزة بن محمد البيهقي، رحمه الله، بحسن عقيدته، وجميل نيته في معرفة معجزات النبي والرسول المرتضى محمد، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وما جرى عليه أحواله ليتوصل بها إلى معرفة ما أوردته فيه من الأحاديث، مع ذكر تراجمه في الجزء الذي يليه.

ويعلم أن كل حديث أوردته فيه قد أردفته بما يشير إلى صحته، أو تركته مبهما وهو مقبول في مثل ما أخرجته. وما عسى أوردته بإسناد فيه ضعف أشرت إلى ضعفه، وجعلت الاعتماد على غيره.

وقد صنف جماعة من المتأخرين في المعجزات وغيرها كتبا [ (101) ] ، وأوردوا فيها

أخبارا كثيرة من غير تمييز منهم صحيحها من سقيمها، ولا مشهورها من غريبها، ولا مرويها من موضوعها، حتى أنزلها من حسنت نيته في قبول الأخبار منزلة واحدة في القبول، وأنزلها من ساءت عقيدته في قبولها منزلة واحدة في الرد.

وعادتي- في كتبي المصنفة في الأصول والفروع- الاقتصار من الأخبار على ما يصح منها دون ما لا يصح، أو التمييز بين ما يصح منها وما لا يصح، ليكون الناظر فيها من أهل السنة على بصيرة مما يقع الاعتماد عليه، لا يجد من زاغ قلبه من أهل البدع عن قبول الأخبار مغمزا فيما اعتمد عليه أهل السنة من الآثار.

ومن أنعم النظر في اجتهاد أهل الحفظ في معرفة أحوال الرواة، وما يقبل من الأخبار، وما يرد- علم أنهم لم يألوا جهدا في ذلك، حتى إذا كان الابن يقدح في أبيه إذا عثر منه على ما يوجب رد خبره، والأب في ولده، والأخ في أخيه، لا تأخذه في الله لومة لائم، ولا تمنعه في ذلك شجنة رحم ولا صلة مال. والحكايات عنهم في ذلك كثيرة، وهي في كتبي المصنفة في ذلك مكتوبة.

ومن وقف على تمييزي في كتبي بين صحيح الأخبار وسقيمها، وساعده التوفيق- علم صدقي فيما ذكرته.

ومن لم ينعم النظر في ذلك، ولم يساعده التوفيق- فلا يغنيه شرحي لذلك، وإن أكثرت، ولا إيضاحي له، وإن بلغت، كما قال الله عز وجل:

وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون [ (102) ] .

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت لكتاب دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة للإمام البيهقي (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.