ويتحدث ابن خلدون عن إسلام خديجة بنت خويلد، وعن إسلام أبي بكر الصديق، ويتعرض لإسلام ورقة بن نوفل وإسلام غيرهم مستدلا بيقينهم على دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم.
فكيف أسلمت خديجة؟
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يدعها إلى الإسلام! إنه قص عليها قصة الوحي، وهو
يقول: زملوني، زملوني فزملوه حتى ذهب عنه الروع.
وهذه صورة لم تشهدها خديجة- من قبل- على محمد صلى الله عليه وسلم ولقد عرفته شابا يعمل في مالها متاجرا به.
ومن هذه العلاقة- عرفت فيه الصدق والأمانة، والخصال الإنسانية الكاملة، والمثل الأعلى ...
ولقد سمعت من ميسرة حديثا يبعث شجون النفس، والإعجاب.
وكانت خديجة امرأة حازمة شريفة لبيبة، ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها، وتضاربهم إياه بشيء تجعل لهم منه، فلما بلغها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بلغها من صدق حديثه، وعظم أمانته، وكرم أخلاقه، بعثت إليه، فعرضت أن يخرج في مالها تاجرا إلى الشام، وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره، مع غلام لها يقال له: «ميسرة» .
فلما أخبرها «ميسرة» عن قول الراهب، وعما كان يرى من إظلال الملكين إياه في حر الهاجرة، وسمو صحبته، وحسن خلقه، وصدق حديثه
تبلورت فكرة الزواج بمحمد صلى الله عليه وسلم في ذهنها.
وقد ذهبت إلى ورقة بن نوفل- ابن عمها- وذكرت له ما سمعته وما لاحظته من صفات محمد صلى الله عليه وسلم وأحواله، فقال ورقة:
«لئن كان هذا حقا يا خديجة إن محمدا لنبي هذه الأمة، وقد عرفت أنه كائن لهذه الأمة نبي ينتظر ... هذا زمانه» .
فعادت خديجة من عند ورقة وقد اختمرت في ذهنها فكرة الزواج بمحمد صلى الله عليه وسلم وأصبحت الفكرة أكثر جاذبية وإشراقا.
ولم تكن الجاذبية هدف خديجة في زواجها، وإن كان محمد أحسن الناس خلقا، ولا الثروة، فلم يكن محمد صاحب ثروة إنما صاحب سمات خلقية كريمة، وروحانية شفافة ظاهرة، واشراق أخاذ وسمو كريم.
وقد نقل ابن حجر عن الفاكهي في كتاب مكة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عند أبي طالب فاستأذنه ان يتوجه إلى خديجة فأذن له، وبعث بعده جارية يقال لها:
نبعة، فقال: انظري ما تقول له خديجة.
قالت نبعة: فرأيت عجبا، ما هو إلا أن سمعت به خديجة، فخرجت إلى الباب، وكان مما قالت: أرجو أن تكون أنت النبي الذي ستبعث، فإن تكن هو فاعرف حقي ومنزلتي، وادع الإله الذي يبعثك لي.
فقال لها:
«والله لئن كنت أنا هو، قد اصطفت عندي ما لا أخيبه أبدا، وإن يكن غيري فإن الإله الذي تصنعين هذا لأجله لا يضيعك أبدا» .
لقد أصبحت الفكرة جد متبلورة في عقل خديجة ولم يكن هناك إلا تنفيذها.
فأرسلت نفيسة بنت منبه دسيسا إلى محمد صلى الله عليه وسلم بعد عودته من الشام.
قالت: يا محمد! ما يمنعك أن تتزوج؟
قال: ما بيدي ما أتزوج به.
قالت: فإن كفيت ذلك، ودعيت إلى المال والجمال والشرف والكفاءة ألا تجيب؟
قال: فمن هي؟
قالت: خديجة.
قال: وكيف لي ذلك؟
قالت: علي.
قال: فأنا أفعل.
قال عمار بن ياسر: «أنا أعلم الناس بتزويج النبي صلى الله عليه وسلم خديجة، إني كنت له تربا وكنت له إلفا وخدنا، وإني خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بالحزورة- سوق مكة- أجزنا على أخت خديجة، وهي جالسة على أدم تبيعها، فنادتني، فانصرفت إليها، ووقف لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: «أما لصاحبك هذا من حاجة في تزويج خديجة؟» .
قال عمار: فرجعت إليه فأخبرته.
فقال: بلى، لعمري.
قال عمار: فذكرت لها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: اغدوا علينا إذا أصبحنا.
وجاء آل عبد المطلب وعلى رأسهم حمزة- رضي الله عنه- وأبو طالب إلى بيت خديجة، وكان في استقبالهم عم خديجة: عمرو بن أسد، وابن عمها:
ورقة بن نوفل.
وقام أبو طالب خطيبا، فكان مما قال:
أما بعد، فإن محمدا ممن لا يوزن به فتى من قريش، إلا رجح به: شرفا ونبلا، وفضلا وعقلا، وإن كان في المال قل، فإن المال ظل زائل، وعاريه مسترجعة، وله في خديجة بنت خويلد رغبة، ولها فيه مثل ذلك» .
ورضي عمرو، وقال:
«هو الفحل لا يقدع أنفه» .
وعند ما رجع إليها من غار حراء، وهو يقول: «زملوني زملوني فزملوه، حتى ذهب عنه الروع، فقال: «يا خديجة! مالي، فأخبرها الخبر» . كان هذا شأنا جديدا عليه وتغيرا محسوسا، وعند ما سألته عن جلية الخبر، قال:
«لقد خشيت على نفسي!» .
قالت له: «كلا، والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث، وتحمل الكل وتعين على نوائب الحق» .
لقد غمرت خديجة قوة نورانية عجيبة، وثقه واضحة جلية، واتجهت إلى زوجها بقوة المسؤولية، وأخذت تمسح عن وجهه، وتقول:
«أبشر، فو الله لقد كنت أعلم أن الله لن يفعل بك إلا خيرا، وأشهد أنك نبي هذه الأمة الذي تنتظره اليهود، قد أخبرني به ناصح غلامي، وبحيرى الراهب» .
ولم تزل برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى طعم وشرب وضحك.
فلما ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، قامت فجمعت عليها ثيابها، ثم انطلقت من مكانها فأتت غلاما لقيه ربيعة بن عبد شمس نصرانيا من أهل نينوى، يقال له عداس. فقالت له:
يا عداس، أذكرك بالله، إلا ما أخبرتني: هل عندك علم من جبريل؟
فقال: قدوس!! قدوس!! ما شأن جبريل يذكر بهذه الأرض التي أهلها أهل الأوثان.
فقالت: أخبرني بعلمك فيه.
قال: إنه أمين الله بينه وبين النبيين.. وهو صاحب موسى وعيسى عليهما السلام.
ثم ذهبت إلى راهب بجوار مكة، فلما دنت منه وعرفها، قال: مالك يا سيدة نساء قريش؟.
فقالت: أقبلت إليك لتخبرني عن جبريل.
فقال: سبحان الله! ربنا القدوس: ما بال جبريل يذكر في هذه البلاد التي يعبد أهلها الأوثان، جبريل أمين الله ورسوله إلى أنبيائه ورسله..
وهو صاحب موسى وعيسى.
فرجعت خديجة من عنده، فجاءت ورقة بن نوفل، وكان ورقة قد كره عبادة الأوثان، فسألته عن جبريل، فقال لها مثل ذلك، ثم سألها، ما الخبر؟
فأحلفته أن يكتم ما تقول له، فحلف لها، فقالت:
إن محمدا ذكر لي- وهو صادق- أحلف بالله ما كذب ولا كذب- أنه نزل عليه جبريل بحراء، وأنه أخبره أنه نبي هذه الأمة، وأقرأه آيات أرسل بها.
قال: فذعر ورقة لذلك، وقال:
قدوس، قدوس، والذي نفس ورقة بيده لئن كنت صدقتيني يا خديجة إنه لنبي هذه الأمة، وإنه ليأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى- عليه السلام- فقولي له فليثبت. ولكن يا خديجة أرسلي إلي ابن عبد الله أسأله وأسمع من قوله، فإني أخاف أن يكون غير جبريل، فإن بعض الشياطين يتشبه به، ليفسد بعض بني آدم، حتى يصير الرجل بعد العقل مدلها.
فقامت من عنده، وهي واثقة أن لا يفعل بصاحبها إلا خيرا.
وانطلقت خديجة بمحمد صلى الله عليه وسلم إلى ورقة، فقالت له خديجة:
يا ابن عم! اسمع من ابن أخيك.
فقال له ورقة: يا ابن أخي! ماذا ترى؟.
فقص عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره ...
فقال له ورقة:
والذي نفسي بيده إنه ليأتيك الناموس [1] الأكبر الذي كان يأتي موسى وإنك نبي هذه الأمة، ولتؤذين، ولتقاتلن، ولتنصرن، ولئن أنا أدركت ذلك لأنصرنك نصرا يعلمه الله.
ثم أدنى إليه رأسه فقبل يافوخه، ثم انصرف إلى منزله، وقد زاده الله من قول ورقة ثباتا، وخفف عنه بعض ما كان فيه من الهم.
أما ورقة، فقد قال:
وجبريل يأتيه وميكال معهما ... من الله وحي يشرح الصدر منزل
أما خديجة فقد أحبت أن تضع جبريل موضع الاختبار، لتتبين أمره في وضوح
، فقالت خديجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما تثبته- فيما أكرمه الله به في نبوته:
يا ابن عم تستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك؟
فقال: نعم.
فقالت: إذا جاءك فأخبرني.
فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم عندها إذ جاء جبريل، فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا خديجة! هذا جبريل.
فقالت: أتراه الآن؟
قال: نعم.
قالت: فاجلس إلى شقي الأيمن، فتحول فجلس، فقالت: هل تراه الآن؟ قال: نعم.
قالت: فاجلس في حجري.
فتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس.
فقالت: هل تراه الآن؟
قال: نعم.
فتحسرت رأسها، فألقت خمارها، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في حجرها، فقالت: هل تراه الآن؟
قال: لا.
قالت: ما هذا شيطان، إن هذا لملك يا ابن عم، فاثبت وأبشر، ثم آمنت به، وشهدت أن الذي جاء به الحق» .
قال البيهقي (2: 152) بعد أن سرد الخبر:
«هذا شيء كانت خديجة تصنعه تستثبت به الأمر احتياطا لدينها وتصديقها، فأما النبي صلى الله عليه وسلم فقد كان قد وثق بما قال له جبريل وأراه من الآيات» أ. ه.
هكذا أسلمت خديجة، فكانت أول من اعتنق الإسلام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يدعها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، ولم تكن لتحتاج إلى دليل خارج عن حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلقه.
