[ففيها افتتح مسلمة بن عبد الملك قيسارية من بلاد الروم، وفتح إبراهيم بن هشام بن عبد الملك حصنا من حصون الروم أيضا، وفيها غزا أسيد بن عبد الله القسري أمير خراسان فكسر الأتراك كسرة فاضحة. وفيها زحف خاقان إلى أذربيجان وحاصر مدينة وارثان ورماها بالمناجيق، فسار إليه أمير تلك الناحية الحارث بن عمرو نائب مسلمة بن عبد الملك، فالتقى مع خاقان ملك الترك فهزمه وقتل من جيشه خلق كثير، وهرب الخاقان بعد أن كان قتل في جملة من قتل من جيشه، وقتل الحارث بن عمرو شهيدا، وذلك بعد أن قتلوا من الأتراك خلقا كثيرا. وفيها غزا معاوية بن هشام بن عبد الملك أرض الروم، وبعث البطال على جيش كثيف فافتتح جنجرة وغنم منها شيئا كثيرا] [1]
ثم دخلت سنة ثمان ومائة
[كان عالما عابدا زاهدا متواضعا قليل الكلام، وله روايات كثيرة عن خلق من الصحابة والتابعين. قال بكر بن عبد الله: إذا رأيت من هو أكبر منك من المسلمين فقل: سبقته إلى المعاصي فهو خير منى، وإذا رأيت إخوانك يكرمونك ويعظمونك فقل: هذا من فضل ربى، وإذا رأيت منهم تقصيرا فقل: هذا بذنب أحدثته. وقال:
من مثلك يا ابن آدم؟ خلى بينك وبين الماء والمحراب متى شئت تطهرت ودخلت على ربك عز وجل ليس بينك وبينه ترجمان ولا حاجب. وقال: لا يكون العبد تقيا حتى يكون تقى الطمع تقى الغضب.
وقال: إذا رأيتم الرجل موكلا بعيوب الناس ناسيا لعيبه فاعلموا أنه قد مكر به. وقال: كان الرجل من بنى إسرائيل إذا بلغ المبلغ الصالح من العمل فمشى في الناس تظلله غمامة، قال: فمر رجل قد أظلته غمامة على رجل فأعظمه لما رآه مما آتاه الله، فاحتقره صاحب الغمامة فأمرها الله أن تتحول
عن رأسه إلى رأس الذي احتقره، وهو الذي عظم أمر الله عز وجل. وقال: ما سبقتم أبو بكر بكثير صلاة ولا صيام، ولكن بشيء قر في صدره. وله كلام حسن كثير يطول ذكره] [1]
عمر دهرا، وروى عن جماعة من الصحابة، وقد كان عابدا صالحا زاهدا.
رحمه الله تعالى، وله ترجمة طويلة
توفى فيها في قول [وهو أبو حمزة، له روايات كثيرة عن جماعة من الصحابة، وكان عالما بتفسير القرآن، صالحا عابدا، قال الأصمعي: حدثنا أبو المقدام- هشام بن زياد- عن محمد بن كعب القرظي أنه سئل: ما علامة الخذلان؟ قال: أن يقبح الرجل ما كان يستحسن، ويستحسن ما كان قبيحا.
وقال عبد الله بن المبارك: حدثنا عبد الله بن عبد الله بن موهب قال: سمعت ابن كعب يقول: لأن أقرأ في ليلة حتى أصبح إذا زلزلت والقارعة لا أزيد عليهما وأردد فيهما الفكر، أحب إلى من أن أهد القرآن هدا- أو قال أنثره نثرا-. وقال: لو رخص لأحد في ترك الذكر لرخص لزكريا عليه السلام، قال تعالى: آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار 3: 41 فلو رخص لأحد في ترك الذكر لرخص له، ولرخص للذين يقاتلون في سبيل الله، قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون 8: 45 وقال في قوله تعالى: اصبروا وصابروا ورابطوا 3: 200 قال: اصبروا على دينكم وصابروا لوعدكم الذي وعدتم، ورابطوا عدوكم الظاهر والباطن، واتقوا الله فيما بيني وبينكم، لعلكم تفلحون إذا لقيتمونى. وقال في قوله تعالى: لولا أن رأى برهان ربه 12: 24: علم ما أحل القرآن مما حرم منها قائم وحصيد 11: 100 قال: القائم ما كان من بنائهم قائما، والحصيد ما حصد فهدم. إن عذابها كان غراما 25: 65 قال: غرموا ما نعموا به من النعم في الدنيا، وفي رواية سألهم ثمن نعمة فلم يقدروا عليها ولم يؤدوها، فأغرمهم ثمنها. فأدخلهم النار.
وقال قتيبة بن سعيد: حدثنا عبد الرحمن بن أبى الموالي قال: سمعت محمد بن كعب في هذه الآية وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله 30: 39 قال: هو الرجل يعطى الآخر من ماله ليكافئه به أو يزداد، فهذا الذي لا يربو عند الله، والمضعفون هم الذين يعطون لوجه الله لا يبتغى مكافأة أحد. وفي قوله تعالى: أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق 17: 80 قال: اجعل سريرتي وعلانيتي حسنة. وقيل: أدخلنى مدخل صدق في العمل الصالح، أي الإخلاص، وأخرجني مخرج صدق أي سالما. أو ألقى السمع وهو شهيد 50: 37 أي يسمع القرآن وقلبه معه [2] في مكان آخر.
فاسعوا إلى ذكر الله 62: 9 قال: السعي العمل ليس بالشد. وقال: الكبائر ثلاثة، أن تأمن مكر الله، وأن تقنط من رحمة الله، وأن تيأس من روح الله.
وقال عبد الله بن المبارك: حدثنا موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب قال: إذا أراد الله بعبد خيرا جعل فيه ثلاث خصال، فقها في الدين، وزهادة في الدنيا، وبصرا بعيوب نفسه. وقال:
الدنيا دار قلق، رغب عنها السعداء، وانتزعت من أيدي الأشقياء، فأشقى الناس بها أرغب الناس فيها، وأزهد الناس فيها أسعد الناس بها، هي الغاوية لمن أضاعها، المهلكة لمن اتبعها، الخائنة لمن انقاد لها، علمها جهل، وغناؤها فقر، وزيادتها نقصان، وأيامها دول. وروى ابن المبارك عن داود بن قيس قال سمعت محمد بن كعب يقول: إن الأرض لتبكى من رجل وتبكى على رجل، تبكى على من كان يعمل على ظهرها بطاعة الله، وتبكى ممن كان يعمل على ظهرها بمعصية الله، قد أثقلها. ثم قرأ فما بكت عليهم السماء والأرض 44: 29 وقال في قوله تعالى: فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره 99: 7- 8: من يعمل مثقال ذرة خيرا من كافر يرى ثوابها في نفسه وأهله وماله حتى يخرج من الدنيا وليس له خير. ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره، من مؤمن يرى عقوبتها في نفسه وأهله وماله حتى يخرج من الدنيا وليس له شر. وقال: ما يؤمنني أن يكون الله قد اطلع علي في بعض ما يكره فمقتنى، وقال: اذهب لا أغفر لك، مع أن عجائب القرآن تردني على أمور حتى أنه لينقضي الليل ولم أفرغ من حاجتي.
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى محمد بن كعب يسأله أن يبيعه غلامه سالما- وكان عابدا خيرا زاهدا- فكتب إليه: - إني قد دبرته، قال: فازدد فيه، فأتاه سالم فقال له عمر: إني قد ابتليت بما ترى، وأنا والله أتخوف أن لا أنجو، فقال له سالم: إن كنت كما تقول فهذا نجاته، وإلا فهو الأمر الذي يخاف. قال: يا سالم عظني، قال: آدم عليه السلام أخطأ خطيئة واحدة خرج بها من الجنة، وأنتم مع عمل الخطايا ترجون دخول الجنة، ثم سكت. قلت: والأمر كما قيل في بعض كتب الله:
تزرعون السيئات وترجون الحسنات، لا يجتنى من الشوك العنب.
تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجى ... درج الجنان وطيب عيش العابد
ونسيت أن الله أخرج آدما ... منها إلى الدنيا بذنب واحد
وقال: من قرأ القرآن متع بعقله وإن بلغ من العمر مائتي سنة. وقال له رجل: ما تقول في التوبة؟
قال: لا أحسنها، قال: أفرأيت إن أعطيت الله عهدا أن لا تعصيه أبدا؟ قال: فمن أعظم جرما منك، تتألى على الله أن لا ينفذ فيك أمره.
وقال الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني: حدثنا ابن عبد العزيز حدثنا أبو عبيد القاسم ابن سلام حدثنا عباد بن عباد عن هشام بن زياد أبى المقدام. قالوا كلهم: حدثنا محمد بن كعب القرظي قال: حدثنا ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أحب أن يكون أغنى الناس فليكن
بما في يد الله أوثق مما في يده، ألا أنبئكم بشراركم؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: من نزل وحده، ومنع رفده، وجلد عبده، أفأنبئكم بشر من هذا؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: من لا يقيل عثرة ولا يقبل معذرة، ولا يغفر ذنبا، ثم قال: ألا أنبئكم بشر من هذا؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال:
من لا يرجى خيره، ولا يؤمن شره، إن عيسى بن مريم قام في بنى إسرائيل خطيبا فقال: يا بنى إسرائيل لا تكلموا بالحكمة عند الجهال فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموها- وقال مرة فتظلموهم- ولا تظلموا ظالما، ولا تطاولوا ظالما فيبطل فضلكم عند ربكم، يا بنى إسرائيل الأمور ثلاثة، أمر تبين رشده فاتبعوه، وأمر تبين غيه فاجتنبوه، وامر اختلف فيه فردوه إلى الله» . وهذه الألفاظ لا تحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا السياق إلا من حديث محمد بن كعب عن ابن عباس، وقد روى أول الحديث إلى ذكر عيسى من غير طريقه، وسيأتي أن هذا الحديث تفرد به الطبراني بطوله والله سبحانه وتعالى أعلم] [1] وفيها توفي أبو نضرة المنذر بن مالك بن قطعة العبدي، وقد ذكرنا تراجمهم في كتابنا التكميل.
النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
