فيها خرج باليمن رجل يقال له عباد الرعيني فدعا إلى مذهب الخوارج واتبعه فرقة من الناس وحلموا فقاتلهم يوسف بن عمر فقتله وقتل أصحابه، وكانوا ثلاثمائة. وفيها وقع بالشام طاعون شديد، وفيها غزا معاوية بن هشام الصائفة وعلى جيش أهل الشام ميمون بن مهران، فقطعوا البحر إلى قبرص وغزا مسلمة في البر في جيش آخر. وفيها ظفر أسد بن عبد الله القسري بجماعة من دعاة بني العباس بخراسان فصلبهم وأشهرهم. وفيها غزا أسد القسري جبال نمروذ، ملك القرقيسيان، مما يلي جبال الطالقان، فصالحه نمروذ وأسلم على يديه. وفيها غزا أسد الغور- وهي جبال هراة- فعمد أهلها إلى حواصلهم وأموالهم وأثقالهم فجعلوا ذلك كله في كهف منيع، لا سبيل لأحد عليه، وهو مستعل جدا، فأمر أسد بالرجال فحملوا في توابيت ودلاهم إليه، وأمر بوضع ما هنالك في التوابيت ورفعوهم فسلموا وغنموا، وهذا رأي سديد. وفيها أمر أسد بجمع ما حول بلخ إليها. واستناب عليها برمك والد خالد بن برمك وبناها بناء جيدا جديدا محكما وحصنها وجعلها معقدا للمسلمين. وفيها حج بالناس إبراهيم بن هشام أمير الحرمين.
ثم دخلت سنة سبع ومائة
[وهو أخو عطاء بن يسار، له روايات كثيرة، وكان من المجتهدين في العبادة، وكان من أحسن الناس وجها، توفى بالمدينة وعمره ثلاث وسبعون سنة، دخلت عليه امرأة من أحسن الناس وجها فأرادته على نفسها فأبى وتركها في منزله وخرج هاربا منها، فرأى يوسف عليه السلام في المنام.
فقال له: أنت يوسف؟ فقال: نعم أنا يوسف الذي هممت، وأنت سليمان الذي لم تهم. وقيل إن هذه الحكاية إنما وقعت في بعض منازل الحجاج، وكان معه صاحب له، فبعثه إلى سوق الحجاج ليشترى شيئا فانحطت على سليمان امرأة من الجبل حسناء فقالت له: هيت لك، فبكى واشتد بكاؤه فلما رأت ذلك منه ارتفعت في الجبل، وجاء صديقه فوجده يبكى فقال له: ما لك تبكى؟ فقال خير، فقال: لعلك ذكرت بعض ولدك أو بعض أهلك؟ فقال: لا [2] ! فقال: والله لتخبرني ما أبكاك أنت.
قال: أبكانى حزني على نفسي، لو كنت مكانك لم أصبر عنها، ثم ذكر أنه نام فرأى يوسف في منامه كما تقدم والله أعلم] [3]
أحد التابعين، والمفسرين المكثرين والعلماء الربانيين، والرحالين الجوالين. [وهو أبو عبد الله، وقد روى عن خلق كثير من الصحابة، وكان أحد أوعية العلم، وقد أفتى في حياة مولاه ابن عباس،
قال عكرمة: طلبت العلم أربعين سنة، وقد طاف عكرمة البلاد، ودخل إفريقية واليمن والشام والعراق وخراسان، وبث علمه هنالك، وأخذ الصلات وجوائز الأمراء، وقد روى ابن أبى شيبة عنه قال:
كان ابن عباس يجعل في رجلي الكبل يعلمني القرآن والسنن، وقال حبيب بن أبى ثابت: اجتمع عندي خمسة لا يجتمع عندي مثلهم أبدا، عطاء، وطاوس، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد فأقبل سعيد ومجاهد يلقيان على عكرمة التفسير فلم يسألاه عن آية إلا فسرها لهما، فلما نفد ما عندهما جعل يقول: أنزلت آية كذا في كذا، قال: ثم دخلوا الحمام ليلا. قال جابر بن زيد: عكرمة أعلم الناس وقال الشعبي، ما بقي أحد أعلم بكتاب الله من عكرمة. وروى الإمام أحمد عن عبد الصمد عن سلام بن مسكين سمعت قتادة يقول: أعلمهم بالتفسير عكرمة. وقال سعيد بن جبير نحوه، وقال عكرمة: لقد فسرت ما بين اللوحتين. وقال ابن علية عن أيوب: سأل رجل عكرمة عن آية فقال:
نزلت في سفح ذلك الجبل- وأشار إلى سلع- وقال عبد الرزاق عن أبيه: لما قدم عكرمة الجند حمله طاوس على نجيب فقال: ابتعت علم هذا الرجل، وفي رواية أن طاوسا حمله على نجيب ثمنه ستون دينارا وقال: ألا نشتري علم هذا العبد بستين دينارا! ومات عكرمة وكثير عزة في يوم واحد فأخرجت جنازتهما فقال الناس: مات أفقه الناس وأشعر الناس، وقال عكرمة: قال لي ابن عباس: انطلق فأفت الناس فمن سألك عما يعنيه فأفته، ومن سألك عما لا يعنيه فلا تفته، فإنك تطرح عنى ثلثي مؤنة الناس. وقال سفيان عن عمرو قال: كنت إذا سمعت عكرمة يحدث عن المغازي كأنه مشرف عليهم ينظر كيف يصنعون ويقتتلون. وقال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا عبد الرزاق قال سمعت معمرا يقول: سمعت أيوب يقول: كنت أريد أن أرحل إلى عكرمة إلى أفق من الآفاق، قال فانى لفي سوق البصرة فإذا رجل على حمار، فقيل: هذا عكرمة، قال: واجتمع الناس إليه فما قدرت أنا على شيء أسأله عنه، ذهبت منى المسائل، وشردت عنى فقمت إلى جنب حماره فجعل الناس يسألونه وأنا أحفظه. وقال شعبة عن خالد الحذاء قال قال عكرمة لرجل وهو يسأله: مالك أخبلت؟ أي فتنت. وقال زياد بن أبى أيوب: حدثنا أبو ثميلة حدثنا عبد العزيز بن أبى رواد قال قلت لعكرمة بنيسابور: الرجل يريد الخلاء وفي إصبعه خاتم فيه اسم الله، قال: يجعل فصه في باطن يده ثم يقبض عليه.
وقال الإمام أحمد: حدثنا أمية بن خالد قال: سمعت شعبة يقول قال خالد الحذاء: كل شيء قال فيه محمد بن سيرين: ثبت عن ابن عباس، إنما سمعه من عكرمة، لقيه أيام المختار بالكوفة. وقال سفيان الثوري: خذوا المناسك عن سعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة. وقال أيضا: خذوا التفسير عن أربعة:
سعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك. وقال عكرمة: أدركت مائتين من أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم في هذا المسجد. وقال محمد بن يوسف الفريابي: حدثنا إسرائيل عن سعيد بن مسروق عن عكرمة: قال: كانت الخيل التي شغلت سليمان بن داود عليه السلام عشرين ألفا فعقرها، وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا معمر بن سليمان عن الحكم بن أبان عن عكرمة: للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب 4: 17 قال: الدنيا كلها قريب وكلها جهالة. وفي قوله: للذين لا يريدون علوا في الأرض 28: 83 قال: عند سلاطينها وملوكها. ولا فسادا 28: 83 لا يعلمون بمعاصي الله عز وجل.
والعاقبة 28: 83 هي الجنة. وقال في قوله تعالى: فلما نسوا ما ذكروا به 7: 165 أي تركوا ما وعظوا بعذاب بئيس 7: 165 أي شديد فلما عتوا عن ما نهوا عنه 7: 166 أي تمادوا وأصروا. خاسئين 7: 166 صاغرين. فجعلناها نكالا لما بين يديها 2: 66 أي من الأمم الماضية وما خلفها 2: 66 من الأمم الآتية، من أهل زمانهم وغيرهم وموعظة 2: 66 تقى من اتعظ بها الشرك والمعاصي.
وقال ابن عباس: إذا كان يوم القيامة بعث الله الذين اعتدوا ويحاسب الذين تركوا الأمر والنهى كان المسخ لهم عقوبة في الدنيا حين تركوا الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. وقال عكرمة: قال ابن عباس: هلك والله القوم جميعا، قال ابن عباس فالذين أمروا ونهوا نجوا، والذين لم يأمروا ولم ينهوا هلكوا فيمن هلك من أهل المعاصي. قال: وذلك أهل ايلة- وهي قرية على شاطئ البحر- وكان الله قد أمر بنى إسرائيل أن يتفرغوا ليوم الجمعة فقالوا: بل نتفرغ ليوم السبت، لأن الله فرغ من الخلق يوم السبت، فأصبحت الأشياء مسبوتة. وذكروا قصة أصحاب السبت، وتحريم الصيد عليهم، وأن الحيتان كانت تأتيهم يوم السبت ولا تأتيهم في غيره من الأيام، وذكروا احتيالهم على صيدها في يوم السبت فقال قوم: لا ندعكم تصيدون في يوم السبت ووعظوهم، فجاء قوم آخرون مداهنون فقالوا: لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا؟ 7: 164 قال الناهون معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون 7: 164 أي ينتهون عن الصيد في يوم السبت. وقد ذكر عكرمة أنه لما قال لابن عباس إن المداهنين هلكوا مع الغافلين، كساه ثوبين. وقال حوثرة عن مغيرة عن عكرمة قال: كانت القضاة ثلاثة- يعنى في بنى إسرائيل- فمات واحد فجعل الآخر مكانه، فقضوا ما شاء الله أن يقضوا فبعث الله ملكا على فرس فمر على رجل يسقى بقرة معها عجل، فدعا الملك العجل فتبع العجل الفرس، فجاء صاحبه ليرده فقال: يا عبد الله! عجلي وابن بقرتي، فقال الملك: بل هو عجلي وابن فرسي، فخاصمه حتى أعيا، فقال: القاضي بيني وبينك، قال: لقد رضيت، فارتفعا إلى أحد القضاة فتكلم صاحب العجل فقال له: مر بي على فرس فدعا عجلي فتبعه فأبى أن يرده. قال: ومع الملك ثلاث درأت لم ير الناس مثلها، فأعطى القاضي درة وقال: اقض لي، فقال: كيف يسوغ هذا؟ فقال:
نرسل العجل خلف الفرس والبقرة فأيهما تبعها فهو ابنها، ففعل ذلك فتبع الفرس فقضى له. فقال
صاحب العجل: لا أرضى، بيني وبينك القاضي الآخر، ففعلا مثل ذلك، ثم أتيا الثالث فقصا عليه قصتهما، وناوله الملك الدرة الثالثة فلم يأخذها، وقال لا أقضى بينكما اليوم، فقالا: ولم لا تقضى بيننا؟
فقال: لأني حائض، فقال الملك: سبحان الله!! رجل يحيض!؟. فقال القاضي: سبحان الله! وهل تنتج الفرس عجلا؟ فقضى لصاحب البقرة. فقال الملك: إنكم إنما ابتليتم، وقد رضى الله عنك وسخط على صاحبيك.
وقال أبو بكر بن عياش عن أبى حمزة الثمالي عن عكرمة أن ملكا من الملوك نادى في مملكته:
إني إن وجدت أحدا يتصدق بصدقة قطعت يده، فجاء سائل إلى امرأة فقال: تصدقي علي بشيء فقالت: كيف أتصدق عليك والملك يقطع يد من يتصدق؟ قال: أسألك بوجه الله إلا تصدقت علي بشيء، فتصدقت عليه برغيفين، فبلغ ذلك الملك فأرسل إليها فقطع يديها، ثم إن الملك قال لأمه:
دلينى على امرأة جميلة لأتزوجها، فقالت: إن هاهنا امرأة ما رأيت مثلها، لولا عيب بها، قال:
أي عيب هو؟ قالت: مقطوعة اليدين، قال: فأرسلى إليها، فلما رآها أعجبته- وكان لها جمال- فقالت: إن الملك يريد أن يتزوجك: قالت: نعم إن شاء الله، فتزوجها وأكرمها، فنهد إلى الملك عدو فخرج إليهم، ثم كتب إلى أمه: انظري فلانة فاستوصى بها خيرا وافعلي وافعلي معها، فجاء الرسول فنزل على بعض ضرائرها فحسدنها فأخذن الكتاب فغيرنه وكتبن إلى أمه: انظري فلانة فقد بلغني أن رجالا يأتونها فأخرجيها من البيت وافعلي وافعلي، فكتب إليه الأم إنك قد كذبت، وإنها لامرأة صدق، فذهب الرسول إليهن فنزل بهن فأخذن الكتاب فغيرنه فكتبن إليه: إنها فاجرة وقد ولدت غلاما من الزنا، فكتب إلى أمه: انظري فلانة فاجعلي ولدها على رقبتها واضربى على جيبها واخرجيها. قال: فلما جاءها الكتاب قرأته عليها وقالت لها: اخرجى، فجعلت الصبى على رقبتها وذهبت، فمرت بنهر وهي عطشانة فنزلت لتشرب والصبى على رقبتها فوقع في الماء فغرق، فجلست تبكى على شاطئ النهر، فمر بها رجلان فقالا: ما يبكيك؟ فقالت: ابني كان على رقبتي وليس لي يدان فسقط في الماء فغرق. فقالا لها: أتحبين أن يرد الله عليك يديك كما كانتا؟ قالت: نعم! فدعوا الله ربهما لها فاستوت يداها، ثم قالا لها: أتدرين من نحن؟ قالت:
لا قالا: نحن الرغيفان اللذان تصدقت بهما. وقال في قوله: طيرا أبابيل 105: 3 قال: طير خرجت من البحر لها رءوس كرءوس السباع فلم تزل ترميهم حتى جدرت جلودهم، وما رئي الجدري قبل يومئذ وما رئي الطير قبل يومئذ ولا بعد. وفي قوله تعالى: ويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة 41: 6- 7 قال:
لا يقولون لا إله إلا الله، وفي قوله قد أفلح من تزكى 87: 14 قال: من يقول لا إله إلا الله، وفي قوله:
هل لك إلى أن تزكى 79: 18 إلى أن تقول لا إله إلا الله، وفي قوله: إن الذين قالوا ربنا الله ثم
استقاموا 41: 30 على شهادة أن لا إله إلا الله. وفي قوله: أليس منكم رجل رشيد 11: 78 أليس منكم من يقول: لا إله إلا الله، وفي قوله: وقال صوابا 78: 38 قال: لا إله إلا الله. وفي قوله: إنك لا تخلف الميعاد 3: 194 لمن قال: لا إله إلا الله. وفي قوله فلا عدوان إلا على الظالمين 2: 193 على من لا يقول: لا إله إلا الله. وفي قوله: واذكر ربك إذا نسيت 18: 24 قال: إذا غضبت سيماهم في وجوههم 48: 29 قال: السهر وقال: إن الشيطان ليزين للعبد الذنب، فإذا عمله تبرأ منه، فلا يزال يتضرع إلى ربه ويتمسكن له ويبكى حتى يغفر الله له ذلك وما قبله. وقال قال جبريل عليه السلام: إن ربى ليبعثنى إلى الشيء لا مضيه فأجد الكون قد سبقني إليه. وسئل عن الماعون قال: العارية. قلت: فان منع الرجل غربالا أو قدرا أو قصعة أو شيئا من متاع البيت فله الويل؟ قال: لا! ولكن إذا نهى عن الصلاة ومنع الماعون فله الويل. وقال: البضاعة المزجاة التي فيها تجوز. وقال: السائحون، هم طلبة العلم. وقال: كما يئس الكفار من أصحاب القبور 60: 13 قال: إذا دخل الكفار القبور وعاينوا ما أعد الله لهم من الخزي، يئسوا من نعمة الله. وقال غيره: يئس الكفار من أصحاب القبور 60: 13 أي من حياتهم وبعثهم بعد موتهم. وقال: كان إبراهيم عليه السلام يدعى أبا الضيفان، وكان لقصره أربعة أبواب لكيلا يفوته أحد، وقال: أنكالا، أي قيودا. وقال في كاهن سبإ: إنه قال لقومه لما دنا منهم العذاب: من أراد سفرا بعيدا وحملا شديدا، فعليه بعمان، ومن أراد الخمر والخمير، وكذا وكذا والعصير، فعليه ببصرى- يعنى الشام- ومن أراد الراسخات في الوحل، والمقيمات في المحل فعليه بيثرب ذات النخل. فخرج قوم إلى عمان وقوم إلى الشام، وهم غسان، وخرج الأوس والخزرج- وهم بنو كعب بن عمرو- وخزاعة حتى نزلوا يثرب، ذات النخل، فلما كانوا ببطن مر قالت خزاعة: هذا موضع صالح لا نريد به بدلا، فنزلوا، فمن ثم سميت خزاعة، لأنهم تخزعوا من أصحابهم. وتقدمت الأوس والخزرج حتى نزلوا بيثرب، فقال الله عز وجل ليوسف عليه السلام يا يوسف! بعفوك عن إخوتك رفعت لك ذكرك مع الذاكرين. وقال: قال لقمان لابنه:
قد ذقت المرار فلم أذق شيئا أمر من الفقر. وحملت كل حمل ثقيل فلم أحمل أثقل من جار السوء.
ولو أن الكلام من فضة لكان السكوت من ذهب. رواه وكيع بن الجراح عن سفيان عن أبيه عن عكرمة: وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى 8: 17 قال: ما وقع شيء منها إلا في عين رجل منهم.
وقال: في قوله تعالى زنيم 68: 13 هو اللئيم الذي يعرف اللؤمة كما يعرف الشاة بزنمتها. وقال في قوله تعالى الذين يؤذون الله ورسوله 33: 57 قال: هم أصحاب التصاوير، وبلغت القلوب الحناجر 33: 10 قال: لو أن القلوب تحركت أو زالت لخرجت نفسه، وإنما هو الخوف والفزع. فتنتم أنفسكم 57: 14 أي بالشهوات وتربصتم 57: 14 بالتوبة وغرتكم الأماني 57: 14 أي التسويف حتى جاء أمر الله 57: 14 الموت وغركم بالله الغرور 57: 14
الشيطان. وقال: من قرأ يس والقرآن الحكيم لم يزل ذلك اليوم في سرور حتى يمسى.
قال سلمة بن شعيب: حدثنا إبراهيم بن الحكم عن أبان عن أبيه. قال: كنت جالسا مع عكرمة عند البحر فذكروا الذين يغرقون في البحر فقال عكرمة: الذين يغرقون في البحار تقتسم لحومهم الحيتان فلا يبقى منهم شيء إلا العظام، حتى تصير حائلا نخرة فتمر بها الإبل فتأكلها، ثم تسير الإبل فتبعرها، ثم يجيء بعدهم قوم فينزلون ذلك المنزل فيأخذون ذلك البعر فيوقدونه ثم يصير رمادا فتجيء الريح فتأخذه فتذريه في كل مكان من الأرض حيث يشاء الله من بره وبحرة، فإذا جاءت النفخة- نفخة المبعث- فيخرج أولئك وأهل القبور المجموعين سواء. وبهذا الاسناد عنه قال: إن الله أخرج رجلين، رجلا من الجنة ورجلا من النار، فقال لصاحب الجنة: عبدي! كيف وجدت مقيلك؟ قال خير مقيل. ثم قال لصاحب النار: عبدي كيف وجدت مقيلك؟ فقال: شر مقيل قاله القائلون، ثم ذكر من عقاربها وحياتها وزنابيرها، ومن أنواع ما فيها من العذاب وألوانه، فيقول الله تعالى لصاحب النار: عبدي! ماذا تعطيني إن أنا أعفيتك من النار؟ فيقول العبد: إلهي وماذا عندي ما أعطيك، فقال له الرب تعالى: لو كان لك جبل من ذهب أكنت تعطيني فأعفيك من النار؟ فقال نعم، فقال له الرب: كذبت لقد سألتك في الدنيا ما هو أيسر من ذلك! تدعوني فأستجيب لك، وتستغفرنى فأغفر لك، وتسألنى فأعطيك، فكنت تتولى ذاهبا.
وبهذا الاسناد قال: ما من عبد يقربه الله عز وجل يوم القيامة للحساب إلا قام من عند الله بعفوه، وبه عنه: لكل شيء أساس، وأساس الإسلام الخلق الحسن. وبه عنه قال: شكا نبي من الأنبياء إلى ربه عز وجل الجوع والعرى، فأوحى الله إليه: أما ترضى أنى سددت عنك باب الشر الناشئ عنها؟. وبه عنه قال: إن في السماء ملكا يقال له إسماعيل لو أذن الله له بفتح أذن من آذانه يسبح الرحمن عز وجل لمات من في السموات والأرض. وبه عنه قال: سعة الشمس سعة الأرض وزيادة ثلاث مرات، وسعة القمر سعة الأرض مرة، وإن الشمس إذا غربت دخلت بحرا تحت العرش تسبح الله حتى إذا أصبحت استعفت ربها تعالى من الطلوع فيقول لها: ولم ذاك- وهو أعلم- فتقول: لئلا أعبد من دونك، فيقول لها: اطلعى فليس عليك شيء من ذلك، حسبهم جهنم أبعثها إليهم مع ثلاث عشرة ألف ملك تقودها حتى يدخلوهم: وهذا خلاف ما ثبت في الحديث الصحيح «إن جهنم يؤتى بها تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك» . وقال مندل عن أسد ابن عطاء عن عكرمة عن ابن عباس. قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. «لا يقفن أحدكم على رجل يضرب ظلما فان اللعنة تنزل من السماء على من يحضره إذا لم تدفعوا عنه. ولا يقفن أحدكم على رجل يقتل ظلما فان اللعنة تنزل من السماء على من يحضره إذا لم تدفعوا عنه» . لم يرفعه إلا مندل هذا.
وروى شعبة عن عمارة بن حفصة عن عكرمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «كان إذا عطس غطى وجهه بثوبه، ووضع يديه على حاجبيه» ، هذا حديث عال من حديث شعبة. وروى بقية عن إسحاق بن مالك الخضرى عن عكرمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من حلف على أحد يمينا، وهو يرى أنه سيبره فلم يفعل، فإنما إثمه على الذي لم يبره» . تفرد به بقية بن الوليد مرفوعا. وقال عبد الله بن أحمد في مسند أبيه: حدثنا عبيد بن عمر القواريري حدثنا يزيد بن ربيع حدثنا عمارة بن أبى حفصة حدثنا عكرمة حدثتنا عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عليه بردان قطريان خشنان غليظان، فقالت عائشة: يا رسول الله، إن ثوبيك هذين غليظان خشنان، ترشح فيهما فيثقلان عليك، فأرسل إلى فلان فقد أتاه برد من الشام فاشتر منه ثوبين إلى ميسرة، فأرسل إليه فأتاه الرسول فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليك لتبيعه ثوبين إلى ميسرة. فقال: قد علمت والله، ما يريد نبي الله إلا أن يذهب بثوبي ويمطلنى بثمنهما، فرجع الرسول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال صلى الله عليه وسلم: كذب! قد علموا أنى أتقاهم لله، وآداهم للأمانة» . وفي هذا اليوم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لأن يلبس أحدكم من رقاع شتى خير له من أن يستدين ما ليس عنده» والله سبحانه أعلم] [1]
كان أحد الفقهاء المشهورين، له روايات كثيرة، عن الصحابة وغيرهم، وكان من أفضل أهل المدينة، وأعلم أهل زمانه، قتل أبوه بمصر وهو صغير، فأخذته خالته فنشأ عندها، وساد وله مناقب كثيرة. أبو رجاء العطاردي.
وهو كثير بن عبد الرحمن بن الأسود بن عامر، أبو صخر الخزاعي الحجازي، المعروف بابن أبي جمعة، وعزة هذه المشهور بها المنسوب إليها، لتغزله فيها، هي أم عمرو عزة بالعين المهملة، بنت جميل بن حفص، من بني حاجب بن غفار، وإنما صغر اسمه فقيل كثير، لأنه كان دميم الخلق قصيرا، طوله ثلاثة أشبار. قال ابن خلكان: كان يقال له رب الدبان، وكان إذا مشى يظن أنه صغير من قصره، وكان إذا دخل على عبد الملك بن مروان يقول له: طأطئ رأسك لا يؤذيك السقف، وكان يضحك إليه، وكان يفد على عبد الملك، ووفد على عبد الملك بن مروان مرات، ووفد على عمر بن عبد العزيز، وكان يقال إنه أشعر الإسلاميين، على أنه كان فيه تشيع، وربما نسبه بعضهم إلى مذهب التناسخية، وكان يحتج على ذلك من جهله وقلة عقله إن صح النقل عنه، في قوله تعالى في أي صورة ما شاء ركبك 82: 8 وقد استأذن يوما على عبد الملك فلما دخل عليه قال عبد الملك: لأن
تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، فقال: حيهلا يا أمير المؤمنين إنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه، إن نطق نطق ببيان، وإن قاتل قاتل بجنان، وأنا الذي أقول
وجربت الأمور وجربتني ... وقد أبدت عريكتي الأمور
وما تخفى الرجال على أنى ... بهم لأخو مثاقفة خبير
ترى الرجل النحيف فتزدريه ... وفي أثوابه أسد زئير
ويعجبك الطرير فتختبره ... فيخلف ظنك الرجل الطرير
وما هام الرجال لها بزين ... ولكن زينها دين وخير
بغاث الطير أطولها جسوما ... ولم تطل البزاة ولا الصقور
وقد عظم البعير بغير لب ... فلم يستغن بالعظم البعير
فيركب ثم يضرب بالهراوى ... ولا عرف لديه ولا نكير
وعود النبع ينبت مستمرا ... وليس يطول والعضباء حور
وقد تكلم أبو الفرج بن طرار على غريب هذه الحكاية وشعرها بكلام طويل، قالوا: ودخل كثير عزة يوما على عبد الملك بن مروان فامتدحه بقصيدته التي يقول فيها: -
على ابن أبي العاصي دروع حصينة ... أجاد المسدى سردها وأدالها
قال له عبد الملك: أفلا قلت كما قال الأعشى لقيس بن معديكرب: -
وإذا تجيء كتيبة ملمومة ... شهبا يخشى الذائدون صيالها
كنت المقدم غير لابس جبة ... بالسيف يضرب معلما أبطالها
فقال: يا أمير المؤمنين وصفه بالخرق ووصفتك بالحزم. ودخل يوما على عبد الملك وهو يتجهز للخروج إلى مصعب بن الزبير فقال: ويحك يا كثير، ذكرتك الآن بشعرك فإن أصبته أعطيتك حكمك، فقال: يا أمير المؤمنين كأنك لما ودعت عاتكة بنت يزيد بكت لفراقك فبكى لبكائها حشمها فذكرت قولي:
إذا ما أراد الغزو لم تثن عزمه ... حصان عليها نظم در يزينها
نهته فلما لم تر النهى عافه ... بكت فبكى مما عراها قطينها
قال: أصبت فاحتكم، قال: مائة ناقة من نوقك المختارة، قال: هي لك، فلما سار عبد الملك إلى العراق نظر يوما إلى كثير عزة وهو مفكر في أمره فقال: علي به، فلما جيء به قال له: أرأيت إن أخبرتك بما كنت تفكر به تعطيني حكمي؟ قال: نعم، قال: والله؟ قال: والله، قال له عبد الملك إنك تقول في نفسك: هذا رجل ليس هو على مذهبي، وهو ذاهب إلى قتال رجل ليس هو على
مذهبي، فإن أصابني سهم غرب من بينهما خسرت الدنيا والآخرة، فقال: إي والله يا أمير المؤمنين، فاحتكم، قال: أحتكم حكمي أن أردك إلى أهلك وأحسن جائزتك، فأعطاه مالا وأذن له بالانصراف.
وقال حماد الراوية عن كثير عزة: وفدت أنا والأحوص ونصيب إلى عمر بن عبد العزيز حين ولى الخلافة، ونحن نمت بصحبتنا إياه ومعاشرتنا له، لما كان بالمدينة، وكل منا يظن أنه سيشركه في الخلافة، فنحن نسير ونختال في رحالنا، فلما انتهينا إلى خناصرة ولاحت لنا أعلامها، تلقانا مسلمة بن عبد الملك فقال: ما أقدمكم؟ أو ما علمتم أن صاحبكم لا يحب الشعر ولا الشعراء؟ قال: فوجمنا لذلك، فأنزلنا مسلمة عنده وأجرى علينا النفقات وعلف دوابنا، وأقمنا عنده أربعة أشهر لا يمكنه أن يستأذن لنا على عمر، فلما كان في بعض الجمع دنوت منه لأسمع خطبته فأسلم عليه بعد الصلاة، فسمعته يقول في خطبته: لكل سفر زاد، فتزودوا لسفركم من الدنيا إلى الآخرة بالتقوى، وكونوا كمن عاين ما أعد الله له من عذابه وثوابه فترغبوا وترهبوا، ولا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم وتنقادوا لعدوكم، فإنه والله ما بسط أمل من لا يدري لعله لا يمسي بعد إصباحه ولا يصبح بعد إمسائه، وربما كانت له كامنة بين ذلك خطرات الموت والمنايا، وإنما يطمئن من وثق بالنجاة من عذاب الله وأهوال يوم القيامة، فأما من لا يداوي من الدنيا كلما إلا أصابه جارح من ناحية أخرى فكيف يطمئن، أعوذ بالله أن آمركم بما أنهى عنه نفسي فتخسر صفقتي وتبدو مسكنتي في يوم لا ينفع فيه إلا الحق والصدق، ثم بكى حتى ظننا أنه قاض نحبه، وارتج المسجد وما حوله بالبكاء والعويل: قال: فانصرفت إلى صاحبي فقلت: خذ سرحا من الشعر غير ما كنا نقول لعمر وآبائه فإنه رجل آخري ليس برجل دنيا. قال:
ثم استأذن لنا مسلمة عليه يوم الجمعة فلما دخلنا عليه سلمت عليه ثم قلت: يا أمير المؤمنين طال الثواء وقلت! الفائدة، وتحدث بجفائك إيانا وفود العرب. فقال: إنما الصدقات للفقراء والمساكين 9: 60 وقرأ الآية، فان كنتم من هؤلاء أعطيتم وإلا فلا حق لكم فيها، فقلت: يا أمير المؤمنين إني مسكين وعابر سبيل ومنقطع به، فقال: ألستم عند أبي سعيد؟ - يعني مسلمة بن عبد الملك- فقلنا: بلى! فقال: إنه لا ثواب على من هو عند أبي سعيد، فقلت: ائذن لي يا أمير المؤمنين بالإنشاد، قال:
نعم ولا تقل إلا حقا، فأنشدته قصيدة فيه:
وليت فلم تشتم عليا ولم تخف ... بريئا ولم تقبل إشارة مجرم
وصدقت بالفعل المقال مع الذي ... أتيت فأمسى راضيا كل مسلم
ألا إنما يكفى الفتى بعد ريعه ... من الأود النادي ثقاف المقوم
وقد لبست تسعى إليك ثيابها ... تراءى لك الدنيا بكف ومعصم
وتومض أحيانا بعين مريضة ... وتبسم عن مثل الجمان المنظم
فأعرضت عنها مشمئزا كأنما ... سقتك مذوقا من سمام وعلقم
وقد كنت من أحبالها في ممنع ... ومن بحرها في مزبد الموج مفعم
وما زلت تواقا إلى كل غاية ... بلغت بها أعلى البناء المقدم
فلما أتاك الملك عفوا ولم تكن ... لطالب دنيا بعده في تكلم
تركت الذي يفنى وإن كان مونقا ... وآثرت ما يبقى برأي مصمم
وأضررت بالفاني وشمرت للذي ... أمامك في يوم من الشر مظلم
ومالك إذ كنت الخليفة مانع ... سوى الله من مال رعيت ولا دم
سما لك هم في الفؤاد مؤرق ... بلغت به أعلى المعالي بسلم
فما بين شرق الأرض والغرب كلها ... مناد ينادي من فصيح وأعجم
يقول أمير المؤمنين ظلمتني ... بأخذك ديناري وأخذك درهمي
ولا بسط كف لامرئ غير مجرم ... ولا السفك منه ظالما ملء محجم
ولو يستطيع المسلمون لقسموا ... لك الشطر من أعمارهم غير ندم
فعشت بها ما حج لله راكب ... ملب مطيف بالمقام وزمزم
فأربح بها من صفقة لمبايع ... وأعظم بها أعظم بها ثم أعظم
قال: فأقبل علي عمر بن عبد العزيز وقال: إنك تسأل عن هذا يوم القيامة، ثم استأذنه الأحوص فأنشده قصيدة أخرى فقال: إنك تسأل عن هذا يوم القيامة. ثم استأذنه نصيب فلم يأذن له وأمر لكل واحد منهم بمائة وخمسين درهما، وأغزى نصيبا إلى مرج دابق. وقد وفد كثير عزة بعد ذلك على يزيد بن عبد الملك فامتدحه بقصائد فأعطاه سبعمائة دينار. وقال الزبير بن بكار: كان كثير عزة شيعيا خبيثا يرى الرجعة، وكان يرى التناسخ ويحتج بقوله تعالى في أي صورة ما شاء ركبك 82: 8 وقال موسى بن عقبة هول كثير عزة ليلة في منامه فأصبح يمتدح آل الزبير ويرثي عبد الله بن الزبير، وكان يسيء الرأى فيه:
بمفتضح البطحا تأول انه ... أقام بها ما لم ترمها الأخاشب
سرحنا سروبا آمنين ومن يخف ... بوائق ما يخشى تنبه النوائب
تبرأت من عيب ابن أسماء إنني ... إلى الله من عيب ابن أسماء تائب
هو المرء لا ترزى به أمهاته ... وآباؤه فينا الكرام الأطايب
وقال مصعب بن عبد الله الزبيري: قالت عائشة بنت طلحة لكثير عزة: ما الذي يدعوك إلى ما تقول من الشعر في عزة وليست على نصف من الحسن والجمال؟ فلو قلت ذلك في وفي أمثالى فانا
أشرف وأفضل وأحسن منها- وكانت عائشة بنت طلحة قد فاقت النساء حسنا وجمالا وأصالة- وإنما قالت له ذلك لتختبره وتبلوه فقال:
ضحى قلبه يا عز أو كاد يذهل ... وأضحى يريد الصوم أو يتبدل
وكيف يريد الصوم من هو وامق ... لعزة لا قال ولا متبذل
إذا واصلتنا خلة كي تزيلنا ... أبينا وقلنا الحاجبية أول
سنوليك عرفا إن أردت وصالنا ... ونحن لتيك الحاجبية أوصل
وحدثها الواشون أني هجرتها ... فحملها غيظا علي المحمل
فقالت له عائشة: قد جعلتني خلة ولست لك بخلة، وهلا قلت كما قال جميل فهو والله أشعر منك حيث يقول:
يا رب عارضة علينا وصلها ... بالجد تخلطه بقول الهازل
فأجبتها بالقول بعد تستر ... حبي بثينة عن وصالك شاغلي
لو كان في قلبي بقدر قلامة ... فضل وصلتك أو أتتك رسائلي
فقال: والله ما أنكر فضل جميل، وما أنا إلا حسنة من حسناته، واستحيا. ومما أنشده ابن الأنباري لكثير عزة:
بأبي وأمي أنت من معشوقة ... طبن العدو لها فغير حالها
ومشى إلي بعيب عزة نسوة ... جعل الإله خدودهن نعالها
الله يعلم لو جمعن ومثلت ... لأخذت قبل تأمل تمثالها
ولو ان عزة خاصمت شمس الضحى ... في الحسن عند موفق لقضى لها
وأنشد غيره لكثير عزة:
فما أحدث النأي الذي كان بيننا ... سلوا ولا طول اجتماع تقاليا
وما زادني الواشون إلا صبابة ... ولا كثرة الناهين إلا تماديا
غيره له: فقلت لها يا عز كل مصيبة ... إذا وطنت يوما لها النفس ذلت
هنيئا مريئا غير داء مخامر ... لعزة من أعراضنا ما استحلت
وقال كثير عزة أيضا وفيه حكمة أيضا:
ومن لا يغمض عينه عن صديقه ... وعن بعض ما فيه يمت وهو عاتب
ومن يتتبع جاهدا كل عثرة ... يجدها ولا يبقى له الدهر صاحب
وذكروا أن عزة بنت جميل بن حفص أحد بني حاجب بن عبد الله بن غفار أم عمرو الضمرية
وفدت على عبد الملك بن مروان تشكو إليه ظلامة فقال: لا أقضيها لك حتى تنشديني شيئا من شعره، فقالت: لا أحفظ لكثير شعرا، لكني سمعتهم يحكون عنه أنه قال في هذه الأبيات:
قضى كل ذي دين علمت غريمه ... وعزة ممطول معنى غريمها
فقال: ليس عن هذا أسألك ولكن أنشديني قوله:
وقد زعمت أني تغيرت بعدها ... ومن ذا الذي يا عز لا يتغير
تغير جسمي والمحبة كالذي ... عهدت ولم يخبر بذاك مخبر
قال فاستحيت وقالت: أما هذا فلا أحفظه ولكن سمعتهم يحكونه عنه، ولكن أحفظ له قوله:
كأنى أنادى صخرة حين أعرضت ... من الظلم لو تمشي بها العصم زلت
صفوح فما تلقاك إلا بخيلة ... ومن مل منها ذلك الوصل ملت
قال فقضى لها حاجتها وردها ورد عليها ظلامتها وقال: أدخلوها الحرم ليتعلموا من أدبها. وروي عن بعض نساء العرب قالت: اجتازت بنا عزة فاجتمع نساء الحاضر إليها لينظرن حسنها، فإذا هي حميراء حلوة لطيفة، فلم تقع من النساء بذاك الموقع حتى تكلمت فإذا هي أبرع النساء وأحلاهن حديثا، فما بقي في أعيننا امرأة تفوقها حسنا وجمالا وحلاوة. وذكر الأصمعي عن سفيان بن عيينة قال: دخلت عزة على سكينة بنت الحسين فقالت لها: إني أسألك عن شيء فاصدقيني، ما الذي أراد كثير في قوله لك:
قضى كل ذي دين فوفى غريمه ... وعزة ممطول معنى غريمها
فقالت: كنت وعدته قبلة فمطلته بها، فقالت: أنجزيها له وإثمها علي، وقد كانت سكينة بنت الحسين من أحسن النساء حتى كان يضرب بحسنها المثل. وروي أن عبد الملك بن مروان أراد أن يزوج كثيرا من عزة فأبت عليه وقالت: يا أمير المؤمنين أبعد ما فضحني بين الناس وشهرني في العرب؟ وامتنعت من ذلك كل الامتناع، ذكره ابن عساكر. وروي أنها اجتازت مرة بكثير وهو لا يعرفها فتنكرت عليه وأرادت أن تختبر ما عنده، فتعرض لها فقالت: فأين حبك عزة؟ فقال: أنا لك الفداء لو أن عزة أمة لو لوهبتها لك، فقالت: ويحك لا تفعل ألست القائل:
إذا وصلتنا خلة كي تزيلنا ... أبينا وقلنا الحاجبية أول؟
فقال: بأبي أنت وأمي، أقصرى عن ذكرها واسمعي ما أقول:
هل وصل عزة إلا وصل غانية ... في وصل غانية من وصلها بدل
قالت: فهل لك في المجالسة؟ قال: ومن لي بذلك؟ قالت: فكيف بما قلت في عزة؟ قال:
أقلبه فيتحول لك، قال فسفرت عن وجهها وقالت: أغدرا وتناكثا يا فاسق، وإنك لهاهنا يا عدو
الله، فبهت وأبلس ولم ينطق وتحير وخجل، ثم قالت: قاتل الله جميلا حيث يقول: -
محا الله من لا ينفع الود عنده ... ومن حبله إن صد غير متين
ومن هو ذو وجهين ليس بدائم ... على العهد حلافا بكل يمين
ثم شرع كثير يعتذر ويتنصل مما وقع منه ويقول في ذلك الأشعار ذاكرا وآثرا. وقد ماتت عزة بمصر في أيام عبد العزيز بن مروان، وزار كثير قبرها ورثاها وتغير شعره بعدها، فقال له قائل:
ما بال شعرك تغير وقد قصرت فيه؟ فقال: ماتت عزة ولا أطرب، وذهب الشباب فلا أعجب، ومات عبد العزيز بن مروان فلا أرغب، وإنما ينشأ الشعر عن هذه الخلال.
وكانت وفاته ووفاة عكرمة في يوم واحد، ولكن في سنة خمس ومائة على المشهور. وإنما ذكره شيخنا الذهبي في هذه السنة- أعني سنة سبع ومائة- والله سبحانه أعلم.
النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
