ففيها غزا عبد الرحمن بن أم الحكم بلاد الروم وشتى بها، وفيها افتتح المسلمون وعليهم جنادة ابن أبي أمية جزيرة رودس فأقام بها طائفة من المسلمين كانوا أشد شيء على الكفار، يعترضون لهم في البحر ويقطعون سبيلهم، وكان معاوية يدر عليهم الأرزاق والأعطيات الجزيلة، وكانوا على حذر شديد من الفرنج، يبيتون في حصن عظيم عنده فيه حوائجهم ودوابهم وحواصلهم، ولهم نواطير على البحر ينذرونهم إن قدم عدو أو كادهم أحد، وما زالوا كذلك حتى كانت إمرة يزيد بن معاوية بعد أبيه، فحولهم من تلك الجزيرة، وقد كانت للمسلمين بها أموال كثيرة وزراعات غزيرة. وحج بالناس في هذه السنة سعيد بن العاص والي المدينة أيضا، قاله أبو معشر والواقدي. وفي هذه السنة توفى جبلة ابن الأيهم الغساني كما ستأتي ترجمته في آخر هذه التراجم.
ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين
الربيع بن زياد الحارثي، اختلف في صحبته وكان نائب زياد على خراسان، وكان قد ذكر حجر بن عدي فأسف عليه، وقال: والله لو ثارت العرب له لما قتل صبرا ولكن أقرت العرب فذلت، ثم لما كان يوم الجمعة دعا الله على المنبر أن يقبضه إليه فما عاش إلى الجمعة الأخرى، واستخلف على عمله ابنه عبد الله بن الربيع فأقره زياد على ذلك، فمات بعد ذلك بشهرين، واستخلف على عملهم بخراسان خليد بن عبد الله الحنفي فأقره زياد.
صحابي جليل شهد فتح مصر، وله آثار جيدة في فتح بلاد المغرب، ومات ببرقة واليا من جهة مسلمة بن مخلد نائب مصر.
وفي هذه السنة أيضا توفي زياد بن أبي سفيان ويقال له: زياد بن أبيه وزياد بن سمية- وهي أمه-
في رمضان من هذه السنة مطعونا، وكان سبب ذلك أنه كتب إلى معاوية يقول له: إني قد ضبطت لك العراق بشمالي ويميني فارغة، فارع لي ذلك، وهو يعرض له أن يستنيبه على بلاد الحجاز أيضا، فلما بلغ أهل الحجاز جاءوا إلى عبد الله بن عمر فشكوا إليه ذلك، وخافوا أن يلي عليهم زياد، فيعسفهم كما عسف أهل العراق، فقام ابن عمر فاستقبل القبلة فدعا على زياد والناس يؤمنون، فطعن زياد بالعراق في يده فضاق ذرعا بذلك، واستشار شريحا القاضي في قطع يده، فقال له شريح: إني لا أرى ذلك، فإنه إن لم يكن في الأجل فسحة لقيت الله أجذم قد قطعت يدك خوفا من لقائه، وإن كان لك أجل بقيت في الناس أجذم فيعير ولدك بذلك. فصرفه عن ذلك، فلما خرج شريح من عنده عاتبه بعض الناس: وقالوا: هلا تركته فقطع يده؟! فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المستشار مؤتمن» . ويقال إن زيادا جعل يقول: أأنام أنا والطاعون في فراش واحد؟ فعزم على قطع يده، فلما جيء بالمكاوي والحديد خاف من ذلك فترك ذلك، وذكر أنه جمع مائة وخمسين طبيبا ليداووه مما يجد من الحر في باطنه، منهم ثلاثة ممن كان يطب كسرى بن هرمز، فعجزوا عن رد القدر المحتوم والأمر المحموم، فمات في ثالث شهر رمضان في هذه السنة، وقد قام في إمرة العراق خمس سنين. ودفن بالثوبة خارج الكوفة، وقد كان برز منها قاصدا إلى الحجاز أميرا عليها، فلما بلغ خبر موته عبد الله بن عمر قال:
اذهب إليك يا ابن سمية، فلا الدنيا بقيت لك، ولا الآخرة أدركت. قال أبو بكر بن أبي الدنيا:
حدثني أبي عن هشام بن محمد حدثني يحيى بن ثعلبة أبو المقدم الأنصاري عن أمه عن عائشة عن أبيها عبد الرحمن بن السائب الأنصاري. قال: جمع زياد أهل الكوفة فملأ منهم المسجد والرحبة والقصر ليعرض عليهم البراءة من علي بن أبي طالب، قال عبد الرحمن: فإني لمع نفر من أصحابي من الأنصار، والناس في أمر عظيم من ذلك وفي حصر، قال: فهومت تهويمة- أي نعست نعسة- فرأيت شيئا أقبل طويل العنق، له عنق مثل عنق البعير، أهدب أهدل فقلت: ما أنت؟ فقال: أنا النقاد ذو الرقبة، بعثت إلى صاحب هذا القصر، فاستيقظت فزعا فقلت لأصحابي: هل رأيتم ما رأيت؟
قالوا: لا! فأخبرتهم، وخرج علينا خارج من القصر فقال: إن الأمير يقول لكم: انصرفوا عني:
فإني عنكم مشغول. وإذا الطاعون قد أصابه. وروى ابن أبي الدنيا أن زيادا لما ولى الكوفة سأل عن أعبدها فدل على رجل يقال له أبو المغيرة الحميري، فجاء به فقال له: الزم بيتك ولا تخرج منه وأنا أعطيك من المال ما شئت، فقال: لو أعطيتني ملك الأرض ما تركت خروجي لصلاة الجماعة.
فقال الزم الجماعة ولا تتكلم بشيء. فقال: لا أستطيع ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأمر به فضربت عنقه. ولما احتضر قال له ابنه: يا أبة قد هيأت لك ستين ثوبا أكفنك فيها، فقال يا بني قد دنا من أبيك أمر إما لباس خير من لباسه وإما سلب سريع. وهذا غريب جدا
ابن عفان بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم، كان سيدا في الجاهلية وفي الإسلام، يقال إنه أحيى في الجاهلية ثلاثمائة وستين موءودة، وقيل أربعمائة، وقيل ستا وتسعين موءودة، فلما أسلم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لك أجر ذلك إذ من الله عليك بالإسلام» . ويروى عنه أنه أول ما أحيى الموءودة أنه ذهب في طلب ناقتين شردتا له، قال فبينما أنا في الليل أسير إذ أنا بنار تضيء مرة وتخبو أخرى.
فجعلت لا أهتدي إليها، فقلت: اللهم لك علي إن أوصلتني إليها أن أدفع عن أهلها ضيما إن وجدته بهم، قال فوصلت إليها وإذا شيخ كبير يوقد نارا وعنده نسوة مجتمعات، فقلت: ما أنتن؟ فقلن إن هذه امرأة قد حبستنا منذ ثلاث، تطلق ولم تخلص، فقال الشيخ صاحب المنزل: وما خبرك؟
فقلت: إني في طلب ناقتين ندتا لي، فقال: قد وجدتهما، إنهما لفي إبلنا، قال فنزلت عنده؟
قال فما هو إلا أن نزلت إذ قلن وضعت، فقال الشيخ: إن كان ذكرا فارتحلوا، وإن كان أنثى فلا تسمعنني صوتها، فقلت: علام تقتل ولدك ورزقه على الله؟ فقال: لا حاجة لي بها، فقلت: أنا أفتديها منك وأتركها عندك حتى تبين عندك أو تموت. قال: بكم؟ قلت. بإحدى ناقتي، قال: لا! قلت فبهما، قال لا إلا أن تزيدني بعيرك هذا فإني أراه شابا حسن اللون، قلت نعم على أن تردني إلى أهلي، قال نعم، فلما خرجت من عندهم رأيت أن الذي صنعته نعمة من الله من بها علي هداني إليها، فجعلت لله علي أن لا أجد موءودة إلا افتديتها كما افتديت هذه، قال فما جاء الإسلام حتى أحييت مائة موءودة إلا أربعة، ونزل القرآن بتحريم ذلك على المسلمين.
وممن توفي في هذه السنة من المشاهير المذكورين
ملك نصارى العرب وهو جبلة بن الأيهم بن جبلة بن الحارث بن أبي شمر، واسمه المنذر بن الحارث، وهو ابن مارية ذات القرطين، وهو ابن ثعلبة بن عمرو بن جفنة، واسمه كعب أبو عامر بن حارثة بن امرئ القيس، ومارية بنت أرقم بن ثعلبة بن عمرو بن جفنة، ويقال غير ذلك في نسبه، وكنيته جبلة أبو المنذر الغساني الجفني، وكان ملك غسان، وهم نصارى العرب أيام هرقل، وغسان أولاد عم الأنصار أوسها وخزرجها، وكان جبلة آخر ملوك غسان، فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا مع شجاع بن وهب يدعوه إلى الإسلام فأسلم وكتب بإسلامه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال ابن عساكر: إنه لم يسلم قط، وهكذا صرح به الواحدي وسعيد بن عبد العزيز. وقال الواقدي:
شهد اليرموك مع الروم أيام عمر بن الخطاب ثم أسلم بعد ذلك في أيام عمر، فاتفق أنه وطئ رداء رجل من مزينة بدمشق فلطمه ذلك المزني، فدفعه أصحاب جبلة إلى أبي عبيدة فقالوا: هذا لطم جبلة، قال أبو عبيدة: فيلطمه جبلة: فقالوا: أو ما يقتل؟ قال لا! قالوا: فما تقطع يده؟ قال لا، إنما أمر الله
بالقود، فقال جبلة: أترون أني جاعل وجهي بدلا لوجه مازني جاء من ناحية المدينة؟ بئس الدين هذا، ثم ارتد نصرانيا وترحل بأهله حتى دخل أرض الروم، فبلغ ذلك عمر فشق عليه وقال لحسان:
إن صديقك جبلة ارتد عن الإسلام، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، 2: 156 ثم قال: ولم؟ قال لطمه رجل من مزينة فقال: وحق له، فقام إليه عمر بالدرة فضربه. ورواه الواقدي عن معمر وغيره عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس وساق ذلك بأسانيده إلى جماعة من الصحابة. وهذا القول هو أشهر الأقوال. وقد روى ابن الكلبي وغيره أن عمر لما بلغه إسلام جبلة فرح بإسلامه، ثم بعث يستدعيه ليراه بالمدينة، وقيل بل استأذنه جبلة في القدوم عليه فأذن له فركب في خلق كثير من قومه، قيل مائة وخمسين راكبا، وقيل خمسمائة، وتلقته هدايا عمر ونزله قبل أن يصل إلى المدينة بمراحل، وكان يوم دخوله يوما مشهودا دخلها وقد ألبس خيوله قلائد الذهب والفضة، ولبس تاجا على رأسه مرصعا باللآلئ والجواهر، وفيه قرطا مارية جدته، وخرج أهل المدينة رجالهم ونساؤهم ينظرون إليه، فلما سلم على عمر رحب به عمر وأدنى مجلسه، وشهد الحج مع عمر في هذه السنة، فبينما هو يطوف بالكعبة إذ وطئ إزاره رجل من بني فزارة فانحل، فرفع جبلة يده فهشم أنف ذلك الرجل، ومن الناس من يقول: إنه قلع عينه، فاستعدى عليه الفزاري إلى عمرو معه خلق كثير من بني فزارة، فاستحضره عمر فاعترف جبلة، فقال له عمر: أقدته منك. فقال: كيف وأنا ملك وهو سوقة؟ فقال:
إن الإسلام جمعك وإياه فلست تفضله إلا بالتقوى، فقال جبلة: قد كنت أظن أن أكون في الإسلام أعز مني في الجاهلية، فقال عمر: دع ذا عنك، فإنك إن لم ترض الرجل أقدته منك، فقال إذا أتنصر، فقال إن تنصرت ضربت عنقك، فلما رأى الحد: قال سأنظر في أمري هذه الليلة، فانصرف من عند عمر، فلما ادلهم الليل ركب في قومه ومن أطاعه فسار إلى الشام ثم دخل بلاد الروم ودخل على هرقل في مدينة القسطنطينية فرحب به هرقل وأقطعه بلادا كثيرة، وأجرى عليه أرزاقا جزيلة، وأهدى إليه هدايا جميلة، وجعله من سماره، فمكث عنده دهرا. ثم إن عمر كتب كتابا إلى هرقل مع رجل يقال له جثامة بن مساحق الكناني، فلما بلغ هرقل كتاب عمر بن الخطاب قال له هرقل: هل لقيت ابن عمك جبلة؟ قال: لا! قال فالقه، فذكر اجتماعه به وما هو فيه من النعمة والسرور والحبور الدنيوي، في لباسه وفرشه ومجلسه وطيبه وجواريه، حواليه الحسان من الخدم والقيان، ومطعمه وشرابه وسروره وداره التي تعوض بها عن دار الإسلام، وذكر أنه دعاه إلى الإسلام والعود إلى الشام فقال: أبعد ما كان مني من الارتداد؟ فقال: نعم! إن الأشعث بن قيس ارتد وقاتلهم بالسيوف، ثم لما رجع إلى الحق قبله منه وزوجه الصديق بأخته أم فروة، قال: فالتهى عنه بالطعام والشراب، وعرض عليه الخمر فأبى عليه، وشرب جبلة من الخمر شيئا كثيرا حتى سكر
ثم أمر جواريه المغنيات فغنينه بالعيد أن من قول حسان يمدح بني عمه من غسان والشعر في والد جبلة هذا الحيوان.
لله در عصابة نادمتهم ... يوما بجلق في الزمان الأول
أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل
يسقون من ورد البريص عليهم ... بردي يصفق بالرحيق السلسل
بيض الوجوه كريمة أحسابهم ... شم الأنوف من الطراز الأول
يغشون حتى ما تهر كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل
قال: فأعجبه قولهن ذلك، ثم قال: هذا شعر حسان بن ثابت الأنصاري فينا وفي ملكنا، ثم قال لي: كيف حاله؟ قلت: تركته ضريرا شيخا كبيرا، ثم قال لهن: أطربننى فاندفعن يغنين لحسان أيضا
لمن الديار أوحشت بمغان ... بين أعلا اليرموك فالصمان
فالقريات من بلامس فداريا ... فسكاء لقصور الدواني
فقفا جاسم فأودية الصفر ... مغنى قبائل وهجان
تلك دار العزيز بعد أنيس ... وحلوك عظيمة الأركان
صلوات المسيح في ذلك الدير ... دعاء القسيس والرهبان
ذاك مغنى لآل جفنة في الدهر ... محاه تعاقب الأزمان
قد أرانى هناك حق مكين ... عند ذي التاج مجلسي ومكاني
ثكلت أمهم وقد ثكلتهم ... يوم حلوا بحارث الحولاني
وقد دنا الفصح فالولائد ينظمن ... سراعا أكلة المرجان
ثم قال: هذا لابن الفريعة حسان بن ثابت فينا وفي ملكنا وفي منازلنا بأكناف غوطة دمشق، قال: ثم سكت طويلا، ثم قال لهن: بكينني، فوضعن عيدانهن ونكسن رءوسهن وقلن:
تنصرت الأشراف من عار لطمة ... وما كان فيها لو صبرت لها ضرر
تكنفني فيها اللجاج ونخوة ... وبعت بها العين الصحيحة بالعور
فيا ليت أمي لم تلدني وليتني ... رجعت إلى القول الذي قاله عمر
ويا ليتني أرعى المخاض بقفرة ... وكنت أسيرا في ربيعة أو مضر
ويا ليت لي بالشام أدنى معيشة ... أجالس قومي ذاهب السمع والبصر
أدين بما دانوا به من شريعة ... وقد يصبر العود الكبير على الدبر
قال: فوضع يده على وجهه فبكى حتى بل لحيته بدموعه وبكيت معه، ثم استدعى بخمسمائة دينار
هرقلية فقال: خذ هذه فأوصلها إلى حسان بن ثابت، وجاء بأخرى فقال: خذ هذه لك، فقلت:
لا حاجة لي فيها ولا أقبل منك شيئا وقد ارتددت عن الإسلام، فيقال: إنه أضافها إلى التي لحسان، فبعث بألف دينار هرقلية، ثم قال له: أبلغ عمر بن الخطاب مني السلام وسائر المسلمين، فلما قدمت على عمر أخبرته خبره فقال: ورأيته يشرب الخمر؟ قلت: نعم! قال: أبعده الله، تعجل فانية بباقية فما ربحت تجارته. ثم قال: وما الذي وجه به لحسان؟ قلت: خمسمائة دينار هرقلية، فدعا حسانا فدفعها إليه، فأخذها وهو يقول:
إن ابن جفنة من بقية معشر ... لم يغرهم آباؤهم باللوم
لم ينسني بالشام إذ هو ربها ... كلا ولا متنصرا بالروم
يعطي الجزيل ولا يراه عنده ... إلا كبعض عطية المحروم
وأتيته يوما فقرب مجلسي ... وسقى فرواني من المذموم
ثم لما كان في هذه السنة من أيام معاوية بعث معاوية عبد الله بن مسعدة الفزاري رسولا إلى ملك الروم، فاجتمع بجبلة بن الأيهم فرأى ما هو فيه من السعادة الدنيوية والأموال من الخدم والحشم والذهب والخيول، فقال له جبلة: لو أعلم أن معاوية يقطعنى أرض البثينة فإنها منازلنا، وعشرين قرية من غوطة دمشق ويفرض لجماعتنا، ويحسن جوائزنا، لرجعت إلى الشام. فأخبر عبد الله بن مسعدة معاوية بقوله، فقال معاوية: أنا أعطيه ذلك، وكتب إليه كتابا مع البريد بذلك، فما أدركه البريد إلا وقد مات في هذه السنة قبحه الله. وذكر أكثر هذه الأخبار الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي في المنتظم، وأرخ وفاته هذه السنة، - أعني سنة ثلاث وخمسين- وقد ترجمه الحافظ ابن عساكر في تاريخه فأطال الترجمة وأفاد، ثم قال في آخرها: بلغني أن جبلة توفي في خلافة معاوية بأرض الروم بعد سنة أربعين من الهجرة.
ففيها كان شتى محمد بن مالك بأرض الروم، وغزا الصائفة معن بن يزيد السلمي، وفيها عزل معاوية سعيد بن العاص عن إمرة المدينة ورد إليها مروان بن الحكم، وكتب إليه أن يهدم دار سعيد بن العاص، ويصطفي أمواله التي بأرض الحجاز، فجاء مروان إلى دار سعيد ليهدمها فقال سعيد: ما كنت لتفعل ذلك، فقال: إن أمير المؤمنين كتب إلى بذلك، ولو كتب إليك في دار لفعلته. فقام سعيد فأخرج إليه كتاب معاوية إليه حين ولاه المدينة أن يهدم دار مروان ويصطفى ماله، وذكر أنه لم يزل يحاجف دونه حتى صرف ذلك عنه، فلما رأى مروان الكتاب إلى سعيد بذلك، ثناه ذلك عن سعيد، ولم يزل يدافع عنه حتى تركه معاوية في داره وأقر عليه أمواله. وفيها
عزل معاوية سمرة بن جندب عن البصرة، وكان زياد استخلفه عليها فأقره معاوية ستة أشهر، وولى عليها عبد الله بن عمرو بن غيلان. وروى ابن جرير وغيره عن سمرة أنه قال لما عزله معاوية: لعن الله معاوية لو أطعت الله كما أطعت معاوية ما عذبني أبدا. وهذا لا يصح عنه. وأقر عبد الله بن خالد بن أسيد على نيابة الكوفة، وكان زياد قد استخلفه عليها فأبقاه معاوية. وقدم في هذه السنة عبيد الله بن زياد على معاوية فأكرمه وسأله عن نواب أبيه على البلاد فأخبره عنهم، ثم ولاه إمرة خراسان وهو ابن خمس وعشرين سنة، فسار إلى مقاطعته وتجهز من فوره غاديا إليها، فقطع النهر إلى جبال بخارا، ففتح رامس ونصف بيكند- وهما من معاملة بخارا- ولقي الترك هناك فقاتلهم قتالا شديدا وهزمهم هزيمة فظيعة بحيث إن المسلمين أعجلوا امرأة الملك أن تلبس خفيها، فلبست واحدة وتركت أخرى، فأخذها المسلمون فقوموا جواهرها بمائتي ألف درهم، وغنموا مع ذلك غنائم كثيرة، وأقام عبيد الله بخراسان سنتين. وفي هذه السنة حج بالناس مروان بن الحكم نائب المدينة. وكان على الكوفة عبد الله بن خالد بن أسيد، وقيل: بل كان عليها الضحاك بن قيس، وكان على البصرة عبد الله بن غيلان.
أبو محمد المدني مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن مولاه، وحبه وابن حبه، وأمه بركة أم أيمن مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاضنته، ولاه رسول الله الإمرة بعد مقتل أبيه فطعن بعض الناس في إمرته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن تطعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمرة أبيه من قبله، وايم الله إن كان لخليقا بالإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إلي بعده» . وثبت في صحيح البخاري عنه: «أن رسول الله كان يجلس الحسن على فخذه ويجلس أسامة على فخذه الأخرى ويقول: اللهم إني أحبهما فأحبهما» . وفضائله كثيرة. توفى رسول الله وعمره تسع عشرة سنة، وكان عمر إذا لقيه يقول:
السلام عليك أيها الأمير. وصحح أبو عمر بن عبد البر أنه توفي في هذه السنة، وقال غيره سنة ثمان أو تسع وخمسين، وقيل توفي بعد مقتل عثمان فالله أعلم.
مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم تقدمت ترجمته في مواليه ومن كان يخدمه عليه السلام، أصله من العرب فأصابه سبى فاشتراه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقه، فلزم رسول الله سفرا وحضرا، فلما مات أقام بالرملة ثم انتقل إلى حمص فابتنى بها دارا ولم يزل بها حتى مات في هذه السنة على الصحيح، وقيل سنة أربع وأربعين وهو غلط، ويقال إنه توفي بمصر، والصحيح بحمص
تقدم أنه توفي سنة خمسين.
أبو قتادة الأنصاري، وقال الواقدي: اسمه النعمان بن ربعي، وقال غيره: عمرو بن ربعي.
وهو أبو قتادة الأنصاري السلمي المدني فارس الإسلام، شهد أحدا وما بعدها، وكان له يوم ذي قرد سعي مشكور كما قدمنا هناك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجالتنا سلمة بن الأكوع» . وزعم أبو أحمد الحاكم أنه شهد بدرا وليس بمعروف، وقال أبو سعيد الخدري: أخبرني من هو خير مني أبو قتادة الأنصاري أن رسول الله قال لعمار: «تقتلك الفئة الباغية» . قال الواقدي وغير واحد: توفي في هذه السنة- يعني سنة أربع وخمسين- بالمدينة عن سبعين سنة، وزعم الهيثم بن عدي وغيره أنه توفي بالكوفة سنة ثمان وثلاثين، وصلى عليه علي بن أبي طالب. وهذا غريب
بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب القرشي الأسدي أبو خالد المكي، أمه فاختة بنت زهير بن الحارث بن أسد بن عبد العزى، وعمته خديجة بنت خويلد، زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأم أولاده سوى إبراهيم. ولدته أمه في جوف الكعبة قبل الفيل بثلاث عشر سنة، وذلك أنها دخلت تزور فضربها الطلق وهي في الكعبة فوضعته على نطع، وكان شديد المحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما كان بنو هاشم وبنو المطلب في الشعب لا يبايعوا ولا يناكحوا، كان حكيم يقبل بالعير يقدم من الشام فيشتريها بكمالها، ثم يذهب بها فيضرب أدبارها حتى يلج الشعب يحمل الطعام والكسوة تكرمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولعمته خديجة بنت خويلد. وهو الذي اشترى زيد بن حارثة فابتاعته منه عمته خديجة فوهبته لرسول الله فأعتقه، وكان اشترى حلة ذي يزن فأهداها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلبسها، قال: فما رأيت شيئا أحسن منه فيها.
ومع هذا ما أسلم إلا يوم الفتح هو وأولاده كلهم، قال البخاري وغيره: عاش في الجاهلية ستين سنة، وفي الإسلام ستين سنة، وكان من سادات قريش وكرمائهم وأعلمهم بالنسب، وكان كثير الصدقة والبر والعتاقة، فلما أسلم سأل عن ذلك رسول الله فقال: «أسلمت على ما أسلمت من خير» . وقد كان حكيم شهد مع المشركين بدرا وتقدم إلى الحوض فكاد حمزة أن يقتله، فما سحب إلا سحبا بين يديه، فلهذا كان إذا اجتهد في اليمين يقول: لا والذي نجاني يوم بدر. ولما ركب رسول الله إلى فتح مكة ومعه الجنود بمر الظهران خرج حكيم وأبو سفيان يتجسسان الأخبار، فلقيهما العباس، فأخذ أبا سفيان فأجاره وأخذ له أمانا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسلم أبو سفيان ليلتئذ كرها، ومن صبيحة ذلك اليوم أسلم حكيم وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينا، وأعطاه مائة من الإبل ثم سأله فأعطاه، ثم سأله فأعطاه، ثم قال: «يا حكيم إن هذه المال حلوة خضرة، وإنه من أخذه بسخاوة بورك له فيه، ومن أخذه بإسراف نفس لم يبارك له فيه وكان كالذي يأكل ولا يشبع» . فقال
حكيم: والذي بعثك بالحق لا أرزأ بعدك أبدا، فلم يرزأ أحدا بعده، وكان أبو بكر يعرض عليه العطاء فيأبى، وكان عمر يعرض عليه العطاء فيأبى فيشهد عليه المسلمين، ومع هذا كان من أغنى الناس، مات الزبير يوم مات ولحكيم عليه مائة ألف، وقد كان بيده حين أسلم الرفادة ودار الندوة فباعها بعد من معاوية بمائة ألف، وفي رواية بأربعين ألف دينار، فقال له ابن الزبير: بعت مكرمة قريش؟ فقال له حكيم: ابن أخى ذهبت المكارم فلا كرم إلا التقوى، يا ابن أخي إني اشتريتها في الجاهلية بزق خمر، ولأشترين بها دارا في الجنة، أشهدك أني قد جعلتها في سبيل الله، وهذه الدار كانت لقريش بمنزلة دار العدل، وكان لا يدخلها أحد إلا وقد صار سنه أربعين سنة، إلا حكيم بن حزام فإنه دخلها وهو ابن خمس عشرة سنة، ذكره الزبير بن بكار، وذكر الزبير أن حكيما حج عاما فأهدى مائة بدنة مجللة، وألف شاة، وأوقف معه بعرفات مائة وصيف في أعناقهم أطوقة الفضة، وقد نقش فيها: هؤلاء عتقاء الله عن حكيم بن حزام، فأعتقهم وأهدى جميع تلك الأنعام رضى الله عنه.
توفي حكيم في هذه السنة على الصحيح، وقيل غير ذلك وله مائة وعشرون سنة.
صحابي جليل، أسلم عام الفتح، وكان قد عمر دهرا طويلا، ولهذا جعله عمر في النفر الذين جددوا أنصاب الحرم، وقد شهد بدرا مع المشركين، ورأى الملائكة يومئذ بين السماء والأرض، وشهد الحديبية وسعى في الصلح، فلما كان عمرة القضاء كان هو وسهيل هما اللذان أمرا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج من مكة، فأمر بلالا أن لا تغرب الشمس وبمكة أحد من أصحابه، قال: وفي كل هذه المواطن أهم بالإسلام ويأبى الله إلا ما يريد، فلما كان زمن الفتح خفت خوفا شديدا وهربت فلحقني أبو ذر- وكان لي خليلا في الجاهلية-. فقال: يا حويطب مالك؟ فقلت: خائف، فقال: لا تخلف فإنه أبر الناس: وأوصل الناس، وأنا لك جار فاقدم معي، فرجعت معه فوقف بي على رسول الله وهو بالبطحاء ومعه أبو بكر وعمر، وقد علمني أبو ذر أن أقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فلما قلت ذلك قال: «حويطب» ؟ قلت: نعم! أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقال:
«الحمد لله الذي هداك» وسر بذلك واستقرضني مالا فأقرضته أربعين ألفا، وشهدت معه حنينا والطائف، وأعطاني من غنائم حنين مائة بعير. ثم قدم حويطب بعد ذلك المدينة فنزلها وله بها دار، ولما ولي عليها مروان بن الحكم جاءه حويطب وحكيم بن حزام، ومخرمة بن نوفل، فسلموا عليه وجعلوا يتحدثون عنده ثم تفرقوا، ثم اجتمع حويطب بمروان يوما آخر فسأله مروان عن عمره فأخبره، فقال له: تأخر إسلامك أيها الشيخ حتى سبقك الأحداث. فقال حويطب: الله المستعان، والله لقد هممت بالإسلام غير مرة كل ذلك يعوقني أبوك يقول تضع شرفك وتدع دين آبائك لدين
محدث؟ وتصير تابعا؟ قال: فأسكت مروان وندم على ما كان قال له، ثم قال حويطب: أما كان أخبرك عثمان ما كان لقي من أبيك حين أسلم؟ قال: فازداد مروان غما. وكان حويطب ممن شهد دفن عثمان، واشترى منه معاوية داره بمكة بأربعين ألف دينار فاستكثرها الناس، فقال: وما هي في رجل له خمسة من العيال؟ قال الشافعي: كان حويطب جيد الإسلام، وكان أكثر قريش ريعا جاهليا. وقال الواقدي: عاش حويطب في الجاهلية ستين سنة، وفي الإسلام ستين سنة، ومات حويطب في هذه السنة بالمدينة وله مائة وعشرون سنة. وقال غيره: توفي بالشام. له حديث واحد رواه البخاري ومسلم والنسائي من حديث السائب بن يزيد عنه عن عبد الله بن السعدي عن عمر في العمالة، وهو من عزيز الحديث لأنه اجتمع فيه أربعة من الصحابة رضى الله عنهم.
ابن عامر بن مخزوم، أسلم عام الفتح، وشهد حنينا، وأعطاه رسول الله خمسين من الإبل، وكان اسمه صرما، وفي رواية أصرم، فسماه معبدا، وكان في جملة النفر الذين أمرهم عمر بتجديد أنصاب الحرم، وقد أصيب بصره بعد ذلك فأتاه عمر يعزيه فيه، رواه البخاري. قال الواقدي وخليفة وغير واحد: مات في هذه السنة بالمدينة، وقيل بمكة وهو ابن مائة وعشرين سنة، وقيل أكثر من ذلك.
يقال له مرة الطيب، ومرة الخير، روى عن أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وغيرهم، كان يصلي كل يوم وليلة ألف ركعة، فلما كبر صلى أربعمائة ركعة، ويقال إنه سجد حتى أكل التراب جبهته، فلما مات رئي في المنام- وقد صار ذلك المكان نورا- فقيل له: أين منزلك؟ فقال: بدار لا يظعن أهلها ولا يموتون
ابن رفاعة بن الحر، شهد بدرا وما بعدها، ويقال إنه الذي كان يؤتى به في الشراب، فقال رجل: لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله» .
القرشية العامرية أم المؤمنين، تزوجها رسول الله بعد خديجة، وكانت قبله عند السكران بن عمرو أخي سهيل بن عمرو، فلما كبرت هم رسول الله بطلاقها، ويقال إنه طلقها، فسألته أن يبقيها في نسائه وتهب يومها لعائشة، فقبل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أنزل الله: وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا 4: 128 الآية، وكانت ذات عبادة وورع وزهادة، قالت عائشة:
ما من امرأة أحب إلى أن أكون في مسلاحها غير أن فيها حدة تسرع منها الفيئة. ذكر ابن الجوزي وفاتها في هذه السنة، وقال ابن أبي خيثمة: توفيت في آخر خلافة عمر بن الخطاب فالله أعلم.
النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
