ففيها غزا بلاد الروم وشتى بها سفيان بن عوف الأزدي فمات هنالك، واستخلف على الجند بعده عبد الله بن مسعدة الفزاري، وقيل إن الذي كان أمير الغزو ببلاد الروم هذه السنة بسر بن أبي أرطاة ومعه سفيان بن عوف، وحج بالناس في هذه السنة سعيد بن العاص نائب المدينة، قاله أبو معشر والواقدي وغيرهما. وغزا الصائفة محمد بن عبد الله الثقفي. وعمال الأمصار في هذه السنة عمالها في السنة الماضية.
ثم دخلت سنة ثنتين وخمسين
أبو أيوب الأنصاري الخزرجي شهد بدرا والعقبة والمشاهد كلها، وشهد مع علي قتال الحرورية، وفي داره كان نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة فأقام عنده شهرا حتى بنى المسجد ومساكنه حوله، ثم تحول إليها، وقد كان أبو أيوب أنزل رسول الله في أسفل داره ثم تحرج من أن يعلو فوقه، فسأل من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصعد إلى العلو ويكون هو وأم أيوب في السفل فأجابه. وقد روينا عن ابن عباس أنه قدم عليه أبو أيوب البصرة وهو نائبها فخرج له عن داره وأنزله بها، فلما أراد الانصراف خرج له عن كل شيء بها، وزاده تحفا وخدما كثيرا أربعين ألفا، وأربعين عبدا إكراما له لما كان أنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في داره، وقد كان من أكبر الشرف له. وهو القائل لزوجته أم أيوب- حين قالت له: أما تسمع ما يقول الناس في عائشة-؟ فقال: أكنت فاعلة ذلك يا أم أيوب؟
فقالت: لا والله فقال: والله لهي خير منك، فأنزل الله لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا 24: 12 الآية. وكانت وفاته ببلاد الروم قريبا من سور قسطنطينية من هذه السنة، وقيل في التي قبلها، وقيل في التي بعدها. وكان في جيش يزيد بن معاوية، وإليه أوصى، وهو الذي صلى عليه. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عثمان ثنا همام ثنا أبو عاصم عن رجل من أهل مكة أن يزيد بن
معاوية كان أميرا على الجيش الذي غزا فيه أبو أيوب، فدخل عليه عند الموت فقال له: إذا أنا مت فاقرءوا على الناس مني السلام وأخبروهم إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من مات لا يشرك بالله شيئا جعله الله في الجنة» . ولينطلقوا فيبعدوا بي في أرض الروم ما استطاعوا. قال: فحدث الناس لما مات أبو أيوب فأسلم الناس وانطلقوا بجنازته. وقال أحمد: حدثنا أسود بن عامر ثنا أبو بكر عن الأعمش عن أبي ظبيان قال: غزا أبو أيوب مع يزيد بن معاوية قال: فقال إذا مت فأدخلوني في أرض العدو فادفنوني تحت أقدامكم حيث تلقون العدو، قال: ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة» . ورواه أحمد عن ابن نمير ويعلى بن عبيد عن الأعمش سمعت أبا ظبيان فذكره، وقال فيه: سأحدثكم حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لولا حالي هذا ما حدثتكموه، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة» : وقال أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى حدثني محمد بن قيس- قاضى عمر بن عبد العزيز- عن أبي صرمة عن أبي أيوب الأنصاري أنه قال حين حضرته الوفاة: قد كنت كتمت عنكم شيئا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعته يقول: «لولا أنكم تذنبون لخلق الله قوما يذنبون فيغفر لهم» . وعندي أن هذا الحديث والذي قبله هو الذي حمل يزيد بن معاوية على طرف من الأرجاء، وركب بسببه أفعالا كثيرة أنكرت عليه كما سنذكره في ترجمته والله تعالى أعلم.
قال الواقدي: مات أبو أيوب بأرض الروم سنة ثنتين وخمسين ودفن عند القسطنطينية وقبره هنالك يستسقي به الروم إذا قحطوا، وقيل: إنه مدفون في حائط القسطنطينية وعلى قبره مزار ومسجد وهم يعظمونه، وقال أبو زرعة الدمشقي: توفي سنة خمس وخمسين، والأول أثبت والله أعلم.
وقال أبو بكر بن خلاد: حدثنا الحارث بن أبي أسامة ثنا داود بن المحبر ثنا ميسرة بن عبد ربه عن موسى بن عبيدة عن الزهري عن عطاء بن يزيد عن أبي أيوب الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: «إن الرجلين ليتوجهان إلى المسجد فيصليان فينصرف أحدهما وصلاته أوزن من صلاة الآخر، وينصرف الآخر وما تعدل صلاته مثقال ذرة، إذا كان أورعهما عن محارم الله وأحرصهما على المسارعة إلى الخير» . وعن أبي أيوب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل سأله أن يعلمه ويوجز فقال له: «إذا صليت صلاة فصل صلاة مودع، ولا تكلمن بكلام تعتذر منه، وأجمع اليأس مما في أيدي الناس» وفيها كانت وفاة أبي موسى عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار بن حرب بن عامر بن غز بن بكر بن عامر بن عذر بن وائل بن ناجية بن جماهر بن الأشعر الأشعري، أسلم ببلاده وقدم مع جعفر وأصحابه عام خيبر، وذكر محمد بن إسحاق أنه هاجر أولا إلى مكة ثم هاجر إلى اليمن، وليس هذا بالمشهور، وقد استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم مع معاذ على اليمن، واستنابه عمر على البصرة، وفتح تستر،
وشهد خطبة عمر بالجابية، وولاه عثمان الكوفة، وكان أحد الحكمين بين علي ومعاوية، فلما اجتمعا خدع عمرو أبا موسى، وكان من قراء الصحابة وفقهائهم، وكان أحسن الصحابة صوتا في زمانه، قال أبو عثمان النهدي: ما سمعت صوت صنج ولا بربط ولا مزمار أطيب من صوت أبي موسى وثبت في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود» . وكان عمر يقول له: ذكرنا ربنا يا أبا موسى، فيقرأ وهم يسمعون. وقال الشعبي: كتب عمر في وصيته أن لا يقر لي عامل أكثر من سنة إلا أبا موسى فليقر أربع سنين. وذكر ابن الجوزي في المنتظم أنه توفي في هذه السنة، وهو قول بعضهم، وقيل إنه توفي قبلها بسنة، وقيل في سنة ثنتين وأربعين، وقيل غير ذلك والله أعلم. وكانت وفاته بمكة لما اعتزل الناس بعد التحكيم، وقيل بمكان يقال له: الثوبة على ميلين من الكوفة. وكان قصيرا نحيف الجسم أسبط، أي لا لحية له، رضي الله عنه. وذكر ابن الجوزي أنه توفي في هذه السنة أيضا من الصحابة.
وكان أحد البكاءين، وأحد العشرة الذين بعثهم عمر إلى البصرة ليفقهوا الناس، وهو أول من دخل تستر من المسلمين حين فتحها. لكن الصحيح ما حكاه البخاري عن مسدد أنه توفي سنة سبع وخمسين. وقال ابن عبد البر: توفي سنة ستين، وقال غيره: سنة إحدى وستين فالله أعلم.
ويروى عنه أنه رأى في منامه كأن القيامة قد قامت وكان هناك مكان من وصل إليه نجا، فجعل يحاول الوصول إليه فقيل له: أتريد أن تصل إليه وعندك ما عندك من الدنيا؟ فاستيقظ فعمد إلى عيبة عنده فيها ذهب كثير فلم يصبح عليه الصباح إلا وقد فرقها في المساكين والمحاويج والأقارب رضي الله عنه.
ابن خلف أبو نجيد الخزاعي، أسلم هو وأبو هريرة عام خيبر وشهد غزوات، وكان من سادات الصحابة، استقضاه عبد الله بن عامر على البصرة فحكم له بها، ثم استعفاه فأعفاه، ولم يزل بها حتى مات في هذه السنة، قال الحسن: وابن سيرين البصري: ما قدم البصرة راكب خير منه، وقد كانت الملائكة تسلم عليه فلما اكتوى انقطع عنه سلامهم ثم عادوا قبل موته بقليل فكانوا يسلمون عليه رضى الله عنه وعن أبيه.
صحابي جليل وهو الذي نزلت فيه آية الفدية في الحج. مات في هذه السنة، وقيل قبلها بسنة عن خمس أو سبع وسبعين سنة.
ابن جفنة بن قتيرة الكندي الخولاني المصري، صحابي على قول الأكثرين، وذكره ابن
حبان في التابعين من الثقات، والصحيح الأول، شهد فتح مصر، وهو الذي وفد إلى عمر بفتح الإسكندرية، وشهد مع عبد الله بن سعد بن أبي سرح قتال البربر، وذهبت عينه يومئذ، وولي حروبا كثيرة في بلاد المغرب، وكان عثمانيا في أيام علي ببلاد مصر، ولم يبايع عليا بالكلية، فلما أخذ معاوية بن أبي سفيان مصر أكرمه ثم استنابه بها بعد عبد الله بن عمرو بن العاص، فإنه ناب بها بعد أبيه سنتين ثم عزله معاوية وولى معاوية بن خديج هذا، فلم يزل بمصر حتى مات بها في هذه السنة.
المخصوص بذبح العناق وإجزائها عن غيرها من الأضاحي، وشهد العقبة وبدرا والمشاهد كلها وكانت راية بني حارثة معه يوم الفتح رضي الله عنه.
النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
