الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / البداية والنهاية / الجزء السادس / ما أخبر به صلى الله عليه وسلم من الكائنات المستقبلة في حياته وبعده فوقعت طبق ما أخبر به سواء بسواء
197

ما أخبر به صلى الله عليه وسلم من الكائنات المستقبلة في حياته وبعده فوقعت طبق ما أخبر به سواء بسواء

الجزء السادس 1 عنصر صفحة 181
ص 181

وهذا باب عظيم لا يمكن استقصاء جميع ما فيه لكثرتها، ولكن نحن نشير إلى طرف منها وبالله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم. وذلك منتزع من القرآن ومن الأحاديث، أما القرآن فقال تعالى في سورة المزمل- وهي من أوائل ما نزل بمكة- علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله 73: 20 ومعلوم أن الجهاد لم يشرع إلا بالمدينة بعد الهجرة. وقال تعالى في سورة اقترب- وهي مكية- أم يقولون نحن جميع منتصر سيهزم الجمع ويولون الدبر 54: 44- 45 ووقع هذا يوم بدر، وقد تلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو خارج من العريش ورماهم بقبضة من الحصباء فكان النصر والظفر، وهذا مصداق ذاك وقال تعالى: تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب سيصلى نارا ذات لهب وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد 111: 1- 5 فأخبر أن عمه عبد العزى بن عبد المطلب الملقب بأبي لهب سيدخل النار هو وامرأته، فقدر الله عز وجل أنهما ماتا على شركهما لم يسلما، حتى ولا ظاهرا، وهذا من دلائل النبوة الباهرة، وقال تعالى: قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا 17: 88 وقال تعالى في سورة البقرة: وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا 2: 23- 24 الآية، فأخبر أن جميع الخليقة لو اجتمعوا وتعاضدوا وتناصروا وتعاونوا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن في فصاحته وبلاغته، وحلاوته وإحكام أحكامه، وبيان حلاله وحرامه، وغير ذلك من وجوه إعجازه، لما استطاعوا ذلك، ولما قدروا عليه، ولا على عشر سور منه، بل ولا سورة، وأخبر أنهم لن يفعلوا ذلك أبدا، ولن لنفي التأبيد في المستقبل، ومثل هذا التحدي، وهذا القطع، وهذا الإخبار الجازم، لا يصدر إلا عن واثق بما يخبر به، عالم بما يقوله، قاطع أن أحدا لا يمكنه أن يعارضه، ولا يأتي بمثل ما جاء به عن ربه عز وجل، وقال تعالى: وعد الله

الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا 24: 55 الآية، وهكذا وقع سواء بسواء، مكن الله هذا الدين وأظهره، وأعلاه ونشره في سائر الآفاق، وأنفذه وأمضاه، وقد فسر كثير من السلف هذه الآية بخلافة الصديق، ولا شك في دخوله فيها، ولكن لا تختص به، بل تعمه كما تعم غيره، كما ثبت في الصحيح «إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، والذي نفسي بيده لننفقن كنوزهما في سبيل الله» ، وقد كان ذلك في زمن الخلفاء الثلاثة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم وأرضاهم، وقال تعالى: هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون 9: 33 وهكذا وقع وعم هذا الدين، وغلب وعلا على سائر الأديان، في مشارق الأرض ومغاربها، وعلت كلمته في زمن الصحابة ومن بعدهم، وذلت لهم سائر البلاد، ودان لهم جميع أهلها، على اختلاف أصنافهم، وصار الناس إما مؤمن داخل في الدين، وإما مهادن باذل الطاعة والمال، وإما محارب خائف وجل من سطوة الإسلام وأهله وقد ثبت في الحديث: إن الله زوى لي مشارق الأرض ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها. وقال تعالى: قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون 48: 16 الآية، وسواء كان هؤلاء هوازن أو أصحاب مسيلمة، أو الروم، فقد وقع ذلك، وقال تعالى وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطا مستقيما وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شيء قديرا 48: 20- 21 وسواء كانت هذه الأخرى خيبر أو مكة فقد فتحت وأخذت كما وقع به الوعد سواء بسواء، وقال تعالى لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا 48: 27 فكان هذا الوعد في سنة الحديبية عام ست، ووقع إنجازه في سنة سبع عام عمرة القضاء كما تقدم.

وذكرنا هناك الحديث بطوله، وفيه أن عمر قال: يا رسول الله ألم تكن تخبرنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا؟ قال: لا، قال فإنك تأتيه وتطوف به. وقال تعالى:

وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم 8: 7 وهذا الوعد كان في وقعة بدر لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة ليأخذ عير قريش، فبلغ قريشا خروجه إلى عيرهم، فنفروا في قريب من ألف مقاتل، فلما تحقق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قدومهم وعده الله إحدى الطائفتين أن سيظفره بها، إما العير وإما النفير، فود كثير من الصحابة- ممن كان معه- أن يكون الوعد للعير، لما فيه من الأموال وقلة الرجال، وكرهوا لقاء النفير لما فيه من العدد والعدد، فخار الله لهم وأنجز لهم وعده في النفير فأوقع بهم بأسه الذي لا يرد، فقتل من سراتهم سبعون وأسر سبعون

وفادوا أنفسهم بأموال جزيلة، فجمع لهم بين خيري الدنيا والآخرة، ولهذا قال تعالى ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين 8: 7 وقد تقدم بيان هذا في غزوة بدر، وقال تعالى يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى [1] إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم 8: 70 وهكذا وقع فإن الله عوض من أسلم منهم بخير الدنيا والآخرة ومن ذلك ما ذكره البخاري أن العباس جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أعطني، فإني فاديت نفسي، وفاديت عقيلا، فقال له: خذ، فأخذ في ثوب مقدارا لم يمكنه أن يقله، ثم وضع منه مرة بعد مرة حتى أمكنه أن يحمله على كاهله، وانطلق به كما ذكرناه في موضعه مبسوطا وهذا من تصديق هذه الأية الكريمة، وقال تعالى: وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء 9: 28 الآية، وهكذا وقع عوضهم الله عما كان يغدو إليهم مع حجاج المشركين، بما شرعه لهم من قتال أهل الكتاب، وضرب الجزية عليهم، وسلب أموال من قتل منهم على كفره، كما وقع بكفار أهل الشام من الروم ومجوس الفرس، بالعراق وغيرها من البلدان التي انتشر الإسلام على أرجائها، وحكم على مدائنها وفيفائها، قال تعالى: هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون 9: 33 وقال تعالى: سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس 9: 95 الآية، وهكذا وقع، لما رجع صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك كان قد تخلف عنه طائفة من المنافقين، فجعلوا يحلفون بالله لقد كانوا معذورين في تخلفهم، وهم في ذلك كاذبون، فأمر الله رسوله أن يجري أحوالهم على ظاهرها، ولا يفضحهم عند الناس، وقد أطلعه الله على أعيان جماعة منهم أربعة عشر رجلا كما قدمناه لك في غزوة تبوك، فكان حذيفة بن اليمان ممن يعرفهم بتعريفه إياه صلى الله عليه وسلم.

وقال تعالى: وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا 17: 76 وهكذا وقع، لما اشتوروا عليه ليثبتوه: أو يقتلوه أو يخرجوه من بين أظهرهم، ثم وقع الرأي على القتل، فعند ذلك أمر الله رسوله بالخروج من بين أظهرهم، فخرج هو وصديقه أبو بكر، فكمنا في غار ثور ثلاثا، ثم ارتحلا بعدها كما قدمنا، وهذا هو المراد بقوله إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم 9: 40 وهو المراد من قوله وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين 8: 30 ولهذا قال: وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا 17: 76 وقد وقع كما أخبر فإن الملأ الذين اشتوروا على ذلك لم يلبثوا بمكة بعد هجرته صلى الله عليه وسلم إلا ريثما استقر ركابه الشريف بالمدينة

وتابعه المهاجرون والأنصار، ثم كانت وقعة بدر فقتلت تلك النفوس، وكسرت تلك الرءوس، وقد كان صلى الله عليه وسلم يعلم ذلك قبل كونه من إخبار الله له بذلك، ولهذا قال سعد بن معاذ لأمية بن خلف:

أما إني سمعت محمدا صلى الله عليه وسلم يذكر أنه قاتلك، فقال: أنت سمعته؟ قال: نعم، قال: فإنه والله لا يكذب، وسيأتي الحديث في بابه. وقد قدمنا أنه عليه السلام جعل يشير لأصحابه قبل الوقعة إلى مصارع القتلى، فما تعدى أحد منهم موضعه الذي أشار إليه، صلوات الله وسلامه عليه وقال تعالى:

الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون 30: 1- 6 وهذا الوعد وقع كما أخبر به، وذلك أنه لما غلبت فارس الروم فرح المشركون، واغتم بذلك المؤمنون، لأن النصارى أقرب إلى الإسلام من المجوس، فأخبر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأن الروم ستغلب الفرس بعد هذه المدة بسبع سنين، وكان من أمر مراهنة الصديق رءوس المشركين على أن ذلك سيقع في هذه المدة، ما هو مشهور كما قررنا في كتابنا التفسير، فوقع الأمر كما أخبر به القرآن، غلبت الروم فارس بعد غلبهم غلبا عظيما جدا، وقصتهم في ذلك يطول بسطها، وقد شرحناها في التفسير بما فيه الكفاية ولله الحمد والمنة وقال تعالى سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد 41: 53 وكذلك وقع، أظهر الله من آياته ودلائله في أنفس البشر وفي الآفاق بما أوقعه من الناس بأعداء النبوة، ومخالفي الشرع ممن كذب به من أهل الكتابين، والمجوس والمشركين، ما دل ذوي البصائر والنهى على أن محمدا رسول الله حقا، وأن ما جاء به من الوحي عن الله صدق، وقد أوقع له في صدور أعدائه وقلوبهم رعبا ومهابة وخوفا، كما ثبت عنه في الصحيحين أنه قال: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وهذا من التأييد والنصر الذي آتاه الله عز وجل، وكان عدوه يخافه وبينه وبينه مسيرة شهر، وقيل:

كان إذا عزم على غزو قوم أرعبوا قبل مجيئه إليهم، ووروده عليهم بشهر، صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين.

وأما الأحاديث الدالة على إخباره بما وقع كما أخبر، فمن ذلك ما أسلفناه في قصة الصحيفة التي تعاقدت فيها بطون قريش، وتمالئوا على بني هاشم وبني المطلب أن لا يؤووهم، ولا يناكحوهم، ولا يبايعوهم، حتى يسلموا إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخلت بنو هاشم وبنو المطلب، بمسلمهم وكافرهم شعب أبي طالب أنفين لذلك ممتنعين منه أبدا، ما بقوا دائما، ما تناسلوا وتعاقبوا، وفي ذلك عمل

أبو طالب قصيدته اللامية التي يقول فيها:

كذبتم وبيت الله نبزى محمدا ... ولما نقاتل دونه ونناضل

ونسلمه حتى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل

وما ترك قوم لا أبا لك سيدا ... يحوط الذمار غير ذرب مواكل

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل

يلوذ به الهلاك من آل هاشم ... فهم عنده في نعمة وفواضل

وكانت قريش قد علقت صحيفة الزعامة في سقف الكعبة، فسلط الله عليها الأرضة فأكلت ما فيها من أسماء الله، لئلا يجتمع بما فيها من الظلم والفجور، وقيل: إنها أكلت ما فيها إلا أسماء الله عز وجل، فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه أبا طالب، فجاء أبو طالب إلى قريش فقال: إن ابن أخي قد أخبرني بخبر عن صحيفتكم، فإن الله قد سلط عليها الأرضة فأكلتها إلا ما فيها من أسماء الله، أو كما قال: فأحضروها، فإن كان كما قال وإلا أسلمته إليكم، فأنزلوها ففتحوها فإذا الأمر كما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعند ذلك نقضوا حكمها ودخلت بنو هاشم وبنو المطلب مكة، ورجعوا إلى ما كانوا عليه قبل ذلك، كما أسلفنا ذكره ولله الحمد ومن ذلك حديث خباب بن الأرت، حين جاء هو وأمثاله من المستضعفين يستنصرون النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يتوسد رداءه في ظل الكعبة فيدعو لهم لما هم فيه من العذاب والإهانة، فجلس محمرا وجهه وقال: إن من كان قبلكم كان أحدهم يشق باثنتين ما يصرفه ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر ولكنكم تستعجلون ومن ذلك الحديث الذي رواه البخاري: ثنا محمد بن العلاء، ثنا حماد بن أسامة عن يزيد بن عبد الله بن أبي بردة عن أبيه عن جده أبي بردة عن أبي موسى، أراه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض فيها نخل، فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هي المدينة يثرب، ورأيت في رؤياي هذه أني هززت سيفا فانقطع صدره، فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحد، ثم هززته أخرى فعاد أحسن ما كان، فإذا هو ما جاء به من الفتح واجتماع المؤمنين، ورأيت فيها بقرا والله خير، فإذا هم المؤمنون يوم أحد، وإذا الخير ما جاء الله به من الخير وثواب الصدق الذي آتانا بعد يوم بدر ومن ذلك قصة سعد بن معاذ مع أمية بن خلف حين قدم عليه مكة. قال البخاري: ثنا أحمد بن إسحاق، ثنا عبيد الله بن موسى، ثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عبد الله بن مسعود قال: انطلق سعد بن معاذ معتمرا فنزل على أمية بن خلف، أبي صفوان، وكان أمية إذا انطلق إلى الشام فمر بالمدينة نزل على سعد، فقال أمية لسعد: انتظر حتى إذا انتصف النهار وغفل الناس انطلقت فطفت، فبينا سعد يطوف فإذا أبو جهل، فقال: من

هذا الذي يطوف بالكعبة؟ فقال سعد: أنا سعد، فقال أبو جهل: تطوف بالكعبة آمنا وقد آويتم محمدا وأصحابه؟ فقال: نعم، فتلاحيا بينهما، فقال أمية لسعد: لا ترفع صوتك على أبي الحكم فإنه سيد أهل الوادي، ثم قال سعد: والله لئن منعتني أن أطوف بالبيت لأقطعن متجرك بالشام، قال:

فجعل أمية يقول لسعد: لا ترفع صوتك، وجعل يمسكه، فغضب سعد فقال: دعنا عنك، فإني سمعت محمدا صلى الله عليه وسلم يزعم أنه قاتلك، قال: إياي؟ قال: نعم، قال: والله ما يكذب محمد إذا حدث، فرجع إلى امرأته فقال: أما تعلمين ما قال لي أخى اليثربي؟ قالت: وما قال لك؟ قال: زعم أنه سمع محمدا يزعم أنه قاتلي، قالت: فو الله ما يكذب محمد، قال: فلما خرجوا إلى بدر وجاء الصريخ، قالت له امرأته: ما ذكرت ما قال لك أخوك اليثربي؟ قال: فأراد أن لا يخرج، فقال له أبو جهل: إنك من أشراف الوادي، فسر يوما أو يومين، فسار معهم فقتله الله وهذا الحديث من أفراد البخاري، وقد تقدم بأبسط من هذا السياق ومن ذلك قصة أبي بن خلف الذي كان يعلف حصانا له، فإذا مر برسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إني سأقتلك عليه، فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل أنا أقتلك إن شاء الله، فقتله يوم أحد كما قدمنا بسطه ومن ذلك إخباره عن مصارع القتلى يوم بدر كما تقدم الحديث في الصحيح أنه جعل يشير قبل الوقعة إلى محلها ويقول: هذا مصرع فلان غدا إن شاء الله، وهذا مصرع فلان، قال: فو الذي بعثه بالحق ما حاد أحد منهم عن مكانه الذي أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ذلك قوله لذلك الرجل الذي كان لا يترك للمشركين شاذة ولا فاذة إلا اتبعها ففراها بسيفه، وذلك يوم أحد، وقيل: خيبر وهو الصحيح، وقيل: في يوم حنين، فقال الناس: ما أغنى أحد اليوم ما أغنى فلان، يقال: إنه قرمان، فقال: إنه من أهل النار، فقال بعض الناس: أنا صاحبه، فاتبعه فجرح فاستعجل الموت فوضع ذباب سيفه في صدره ثم تحامل عليه حتى أنفذه، فرجع ذلك الرجل فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقال: وما ذاك؟ فقال: إن الرجل الذي ذكرت آنفا كان من أمره كيت وكيت، فذكر الحديث كما تقدم ومن ذلك إخباره عن فتح مدائن كسرى وقصور الشام وغيرها من البلاد يوم حفر الخندق، لما ضرب بيده الكريمة تلك الصخرة فبرقت من ضربه، ثم أخرى، ثم أخرى كما قدمناه ومن ذلك إخباره صلى الله عليه وسلم عن ذلك الذراع أنه مسموم، فكان كما أخبر به، اعترف اليهود بذلك، ومات من أكل معه- بشر بن البراء بن معرور- ومن ذلك ما ذكره عبد الرزاق عن معمر أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم: اللهم نج أصحاب السفينة، ثم مكث ساعة، ثم قال: قد استمرت والحديث بتمامه في دلائل النبوة للبيهقي، وكانت تلك السفينة قد أشرفت على الغرق وفيها الأشعريون الذين قدموا عليه وهو بخيبر ومن ذلك إخباره عن قبر أبي رغال، حين مر عليه وهو ذاهب إلى الطائف وأن معه غصنا من ذهب، فحفروه فوجدوه كما أخبر،

صلوات الله وسلامه عليه رواه أبو داود من حديث أبي إسحاق عن إسماعيل بن أمية عن بحر بن أبى بحر عن عبد الله بن عمرو به ومن ذلك قوله عليه السلام للأنصار، لما خطبهم تلك الخطبة مسليا لهم عما كان وقع في نفوس بعضهم من الإيثار عليهم في القسمة لما تألف قلوب من تألف من سادات العرب، ورءوس قريش، وغيرهم، فقال: أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وتذهبون برسول الله تحوزونه إلى رحالكم؟ وقال: إنكم ستجدون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض وقال: إن الناس يكثرون وتقل الأنصار وقال لهم في الخطبة قبل هذه على الصفا: بل المحيا محياكم، والممات مماتكم وقد وقع جميع ذلك كما أخبر به سواء بسواء.

وقال البخاري: ثنا يحيى بن بكير، ثنا الليث عن يونس عن ابن شهاب قال: وأخبرنى سعيد ابن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفس محمد بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله ورواه مسلم عن حرملة عن أبي وهب عن يونس به وقال البخاري: ثنا قبيصة، ثنا سفيان عن عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة رفعه: إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، وقال:

لتنفقن كنوزهما في سبيل الله وقد رواه البخاري أيضا ومسلم من حديث جرير، وزاد البخاري وابن عوانة ثلاثتهم عن عبد الملك بن عمير به، وقد وقع مصداق ذلك بعده في أيام الخلفاء الثلاثة أبي بكر، وعمر، وعثمان، استوثقت هذه الممالك فتحا على أيدي المسلمين، وأنفقت أموال قيصر ملك الروم، وكسرى ملك الفرس، في سبيل الله، على ما سنذكره بعد إن شاء الله. وفي هذا الحديث بشارة عظيمة للمسلمين، وهي أن ملك فارس قد انقطع فلا عودة له، وملك الروم للشام قد زال عنها، فلا يملكوها بعد ذلك، ولله الحمد والمنة وفيه دلالة على صحة خلافة أبي بكر، وعمر، وعثمان، والشهادة لهم بالعدل، حيث أنفقت الأموال المغنومة في زمانهم في سبيل الله على الوجه المرضي الممدوح وقال البخاري: ثنا محمد بن الحكم، ثنا النضر، ثنا إسرائيل، ثنا سعد الطائي، أنا محل بن خليفة عن عدي بن حاتم، قال: بينا أنا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أتاه رجل فشكى إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكى إليه قطع السبيل، فقال: يا عدي هل رأيت الحيرة؟ قلت: لم أرها، وقد أنبئت عنها، قال: فإن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة ما تخاف أحدا إلا الله عز وجل قلت فيما بيني وبين نفسي: فأين دعار طيئ الذين قد سعروا البلاد؟ ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى، قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: كسرى بن هرمز، ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله منه فلا يجد أحدا يقبله منه، وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه وليس بينه وبينه ترجمان يترجم له فيقولن له: ألم أبعث

إليك رسولا فيبلغك؟ فيقول: بلى، فيقول: ألم أعطك مالا [وولدا] وأفضلت عليك؟ فيقول: بلى، فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم، وينظر عن يساره فلا يرى إلا جهنم، قال عدي: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم تجد فبكلمة طيبة، قال عدي: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة فلا تخاف إلا الله عز وجل، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال النبي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم يخرج ملء كفه ثم رواه البخاري عن عبيد الله بن محمد- هو أبو بكر بن أبي شيبة- عن أبي عاصم النبيل عن سعد بن بشر عن أبي مجاهد- سعد الطائي- عن محل عنه به، وقد تفرد به البخاري من هذين الوجهين، ورواه النسائي من حديث شعبة عن محل عنه: اتقوا النار ولو بشق تمرة وقد رواه البخاري من حديث شعبة، ومسلم من حديث زهير، كلاهما عن أبي إسحاق عن عبد الله بن مغفل عن عدي مرفوعا اتقوا النار ولو بشق تمرة وكذلك أخرجاه في الصحيحين من حديث الأعمش عن خيثمة عن عبد الرحمن عن عدي، وفيها من حديث شعبة عن عمرو بن مرة عن خيثمة عن عدي به وهذه كلها شواهد لأصل هذا الحديث الذي أوردناه، وقد تقدم في غزوة الخندق الإخبار بفتح مدائن كسرى وقصوره وقصور الشام وغير ذلك من البلاد وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبيد، ثنا إسماعيل عن قيس عن خباب قال: أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في ظل الكعبة متوسدا بردة له، فقلنا: يا رسول الله، ادع الله لنا واستنصره، قال: فاحمر لونه أو تغير، فقال: لقد كان من قبلكم تحفر له الحفيرة ويجاء بالميشار فيوضع على رأسه فيشق ما يصرفه عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون عظم أو لحم أو عصب ما يصرفه عن دينه، وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب ما بين صنعاء إلى حضرموت ما يخشى إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تعجلون وهكذا رواه البخاري عن مسدد، ومحمد بن المثنى عن يحيى بن سعيد، عن إسماعيل بن أبي خالد به ثم قال البخاري في كتاب علامات النبوة: حدثنا سعيد بن شرحبيل، ثنا ليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الحسين عن عتبة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خرج يوما فصلى على أهل أحد صلاته على الميت، ثم انصرف إلى المنبر فقال: أنا فرطكم، وأنا شهيد عليكم، إني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، وإني والله ما أخاف بعدي أن تشركوا، ولكني أخاف أن تنافسوا فيها وقد رواه البخاري أيضا من حديث حيوة بن شريح، ومسلم من حديث يحيى بن أيوب، كلاهما عن يزيد بن أبي حبيب كرواية الليث عنه ففي هذا الحديث مما نحن بصدده أشياء، منها أنه أخبر الحاضرين أنه فرطهم، أي المتقدم عليهم في الموت، وهكذا وقع، فإن هذا كان في مرض موته عليه السلام، ثم أخبر أنه شهيد عليهم وإن تقدم وفاته

عليهم، وأخبر أنه أعطي مفاتيح خزائن الأرض، أي فتحت له البلاد كما جاء في حديث أبي هريرة المتقدم، قال أبو هريرة: فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنتم تفتحونها كفرا كفرا، أي بلدا بلدا، وأخبر أن أصحابه لا يشركون بعده، وهكذا وقع ولله الحمد والمنة، ولكن خاف عليهم أن ينافسوا في الدنيا، وقد وقع هذا في زمان علي ومعاوية رضي الله عنهما ثم من بعدهما، وهلم جرا إلى وقتنا هذا ثم قال البخاري: ثنا علي بن عبد الله، أنا أزهر بن سعد، أنا ابن عون، أنبأني موسى بن أنس بن مالك عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم افتقد ثابت بن قيس، فقال رجل: يا رسول الله أعلم لك علمه؟ فأتاه فوجده جالسا في بيته منكسا رأسه، فقال: ما شأنك؟ فقال: شرا كان يرفع صوته فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم، فقد حبط عمله وهو من أهل النار، فأتى الرجل فأخبره أنه قال كذا وكذا، قال موسى: فرجع المرة الآخرة ببشارة عظيمة، فقال: اذهب إليه فقل له: إنك لست من أهل النار، ولكن من أهل الجنة، تفرد به البخاري وقد قتل ثابت بن قيس بن شماس شهيدا يوم اليمامة كما سيأتي تفصيله، وهكذا ثبت في الحديث الصحيح البشارة لعبد الله بن سلام أنه يموت على الإسلام، ويكون من أهل الجنة، وقد مات رضي الله عنه على أكمل أحواله وأجملها، وكان الناس يشهدون له بالجنة في حياته لإخبار الصادق عنه بأنه يموت على الإسلام، وكذلك وقع وقد ثبت في الصحيح الإخبار عن العشرة بأنهم من أهل الجنة، بل ثبت أيضا الإخبار عنه صلوات الله وسلامه عليه بأنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة، وكانوا ألفا وأربعمائة، وقيل: وخمسمائة، ولم ينقل أن أحدا من هؤلاء رضي الله عنه عاش إلا حميدا، ولا مات إلا على السداد والاستقامة والتوفيق، ولله الحمد والمنة وهذا من أعلام النبوات، ودلالات الرسالة.

النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.