الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
61

ثم دخلت سنة خمس وستين وأربعمائة

الجزء الثاني عشر 6 عنصر صفحة 104
ثم دخلت سنة خمس وستين وأربعمائة ص 104

في يوم الخميس حادي عشر المحرم حضر إلى الديوان أبو الوفا علي بن محمد بن عقيل العقيلي الحنبلي، وقد كتب على نفسه كتابا يتضمن توبته من الاعتزال، وأنه رجع عن اعتقاد كون الحلاج

من أهل الحق والخير، وأنه قد رجع عن الجزء الذي عمله في ذلك، وأن الحلاج قد قتل بإجماع علماء أهل عصره على زندقته، وأنهم كانوا مصيبين في قتله وما رموه به، وهو مخطئ، وأشهد عليه جماعة من الكتاب، ورجع من الديوان إلى دار الشريف أبي جعفر فسلم عليه وصالحه واعتذر إليه، فعظمه

وفاة السلطان ألب أرسلان وملك ولده ملك شاه ص 105

كان السلطان قد سار في أول هذه السنة يريد أن يغزو بلاد ما وراء النهر، فاتفق في بعض المنازل أنه غضب على رجل يقال له يوسف الخوارزمي، فأوقف بين يديه فشرع يعاتبه في أشياء صدرت منه، ثم أمر أن يضرب له أربعة أوتاد ويصلب بينها، فقال للسلطان: يا مخنث ومثلي يقتل هكذا؟ فاحتد السلطان من ذلك وأمر بإرساله وأخذ القوس فرماه بسهم فأخطأه، وأقبل يوسف نحو السلطان فنهض السلطان عن السرير خوفا منه، فنزل عنه فعثر فوقع فأدركه يوسف فضربه بخنجر كان معه في خاصرته فقتله، وأدرك الجيش يوسف فقتلوه، وقد جرح السلطان جرحا منكرا، فتوفي في يوم السبت عاشر ربيع الأول من هذه السنة، ويقال إن أهل بخارى لما اجتاز بهم نهب عسكره أشياء كثيرة لهم، فدعوا عليه فهلك.

ولما توفى جلس ولده ملك شاه على سرير الملك وقام الأمراء بين يديه، فقال له الوزير نظام الملك: تكلم أيها السلطان، فقال: الأكبر منكم أبي والأوسط أخي والأصغر ابني، وسأفعل معكم ما لم أسبق إليه. فأمسكوا فأعاد القول فأجابوه بالسمع والطاعة. وقام بأعباء أمره الوزير نظام الملك فزاد في أرزاق الجند سبعمائة ألف دينار، وسار إلى مرو فدفنوا بها السلطان، ولما بلغ موته أهل بغداد أقام الناس له العزاء، وغلقت الأسواق وأظهر الخليفة الجزع، وخلعت ابنة السلطان زوجة الخليفة ثيابها، وجلست على التراب، وجاءت كتب ملك شاه إلى الخليفة يتأسف فيها على والده، ويسأل أن تقام له الخطبة بالعراق وغيرها. ففعل الخليفة ذلك، وخلع ملك شاه على الوزير نظام الملك خلعا سنية، وأعطاه تحفا كثيرة، من جملتها عشرون ألف دينار، ولقبه أتابك الجيوش، ومعناه الأمير الكبير الوالد، فسار سيرة حسنة، ولما بلغ قاورت موت أخيه ألب أرسلان ركب في جيوش كثيرة قاصدا قتال ابن أخيه ملك شاه، فالتقيا فاقتتلا فانهزم أصحاب قاورت وأسر هو، فأنبه ابن أخيه ثم اعتقله ثم أرسل إليه من قتله.

وفيها جرت فتنة عظيمة بين أهل الكرخ وباب البصرة والقلايين فاقتتلوا فقتل منهم خلق كثير، واحترق جانب كبير من الكرخ، فانتقم المتولي لأهل الكرخ من أهل باب البصرة، فأخذ منهم أموالا كثيرة جناية لهم على ما صنعوا. وفيها أقيمت الدعوة العباسية ببيت المقدس.

وفيها ملك صاحب سمرقند وهو محمد ألتكين مدينة ترمذ. وفيها حج بالناس أبو الغنائم العلوي.

السلطان ألب أرسلان ص 106

الملقب بسلطان العالم، ابن داود جغري بك، بن ميكائيل بن سلجوق التركي، صاحب الممالك المتسعة، ملك بعد عمه طغرلبك سبع سنين وستة أشهر وأياما، وكان عادلا يسير في الناس سيرة حسنة، كريما رحيما، شفوقا على الرعية، رفيقا على الفقراء، بارا بأهله وأصحابه ومماليكه، كثير الدعاء بدوام النعم به عليه، كثير الصدقات، يتفقد الفقراء، في كل رمضان بخمسة عشر ألف دينار، ولا يعرف في زمانه جناية ولا مصادرة، بل كان يقنع من الرعية بالخراج في قسطين، رفقا بهم. كتب إليه بعض السعاة في نظام الملك وزيره وذكر ماله في ممالكه فاستدعاه فقال له: خذ إن كان هذا صحيحا فهذب أخلاقك وأصلح أحوالك، وإن كذبوا فاغفر له زلته، وكان شديد الحرص على حفظ مال الرعايا، بلغه أن غلاما من غلمانه أخذ إزارا لبعض أصحابه فصلبه فارتدع سائر المماليك به خوفا من سطوته، وترك من الأولاد ملك شاه وأياز ونكشر وبورى برس وأرسلان وارغو وسارة وعائشة وبنتا أخرى، توفى في هذه السنة عن إحدى وأربعين سنة، ودفن عند والده بالري رحمه الله.

أبو القاسم القشيري ص 106

صاحب الرسالة، عبد الكريم بن هوازن بن عبد المطلب بن طلحة، أبو القاسم القشيري، وأمه من بني سليم، توفي أبوه وهو طفل فقرأ الأدب والعربية، وصحب الشيخ أبا علي الدقاق، وأخذ الفقه عن أبي بكر بن محمد الطوسي، وأخذ الكلام عن أبي بكر بن فورك وصنف الكثير، وله التفسير والرسالة التي ترجم فيها جماعة من المشايخ الصالحين، وحج صحبة إمام الحرمين وأبي بكر البيهقي، وكان يعظ الناس، توفي بنيسابور في هذه السنة عن سبعين سنة، ودفن إلى جانب شيخه أبي علي الدقاق، ولم يدخل أحد من أهله بيت كتبه إلا بعد سنين، احتراما له، وكان له فرس يركبها قد أهديت له، فلما توفي لم تأكل علفا حتى نفقت بعده بيسير فماتت، ذكره ابن الجوزي، وقد أثنى عليه ابن خلكان ثناء كثيرا، وذكر شيئا من شعره من ذلك قوله:

سقى الله وقتا كنت أخلو بوجهكم ... وثغر الهوى في روضة الأنس ضاحك

أقمنا زمانا والعيون قريرة ... وأصبحت يوما والجفون سوافك

وقوله

لو كنت ساعة بيننا ما بيننا ... وشهدت حين فراقنا التوديعا

أيقنت أن من الدموع محدثا ... وعلمت أن من الحديث دموعا

وقوله

ومن كان في طول الهوى ذاق سلوة ... فإني من ليلى لها غير ذائق

وأكثر شيء نلته من وصالها ... أماني لم تصدق كخطفة بارق

ابن صربعر ص 107

الشاعر اسمه على بن الحسين بن علي بن الفضل، أبو منصور الكاتب المعروف بابن صربعر وكان نظام الملك يقول له أنت صردر لا صربعر، وقد هجاه بعضهم فقال:

لئن لقب الناس قدما أباك ... وسموه من شحه صربعرا

فإنك تنثر ما صره ... عقوقا له وتسميه شعرا

قال ابن الجوزي: وهذا ظلم فاحش فإن شعره في غاية الحسن، ثم أورد له أبياتا حسانا فمن ذلك:

إيه أحاديث نعمان وساكنه ... إن الحديث عن الأحباب أسمار

أفتش الريح عنكم كلما نفحت ... من نحو أرضكم مسكا ومعطار

قال: وقد حفظ القرآن وسمع الحديث من ابن شيران وغيره، وحدث كثيرا، وركب يوما دابة هو ووالدته فسقطا بالشونيزية عنها في بئر فماتا فدفنا ببرر، وذلك في صفر من هذه السنة، قال ابن الجوزي: قرأت بخط ابن عقيل صربعر جارنا بالرصافة، وكان ينبذ بالإلحاد، وقد أورد له ابن خلكان شيئا من أشعاره، وأثنى عليه في فنه والله أعلم بحاله.

محمد بن على ص 107

ابن محمد بن عبد الله بن عبد الصمد بن المهتدي بالله، أبو الحسين، ويعرف بابن العريف، ولد سنة سبعين وثلاثمائة وسمع الدار قطنى، وهو آخر من حدث عنه في الدنيا، وابن شاهين وتفرد عنه، وسمع خلقا آخرين، وكان ثقة دينا كثير الصلاة والصيام، وكان يقال له راهب بني هاشم، وكان غزير العلم والعقل، كثير التلاوة، رقيق القلب غزير الدمعة، وقد رحل إليه الطلبة من الآفاق، ثم ثقل سمعه، وكان يقرأ على الناس، وذهبت إحدى عينيه، وخطب وله ست عشرة سنة، وشهد عند الحكام سنة ست وأربعمائة، وولي الحكم سنة تسع وأربعمائة، وأقام خطيبا بجامع المنصور وجامع الرصافة ستا وسبعين سنة، وحكم ستا وخمسين سنة، وتوفي في سلخ ذي القعدة من هذه السنة وقد جاوز تسعين سنة، وكان يوم جنازته يوما مشهودا، ورئيت له منامات صالحة حسنة، رحمه الله وسامحه ورحمنا وسامحنا، إنه قريب مجيب، رحيم ودود.

النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.