فيها كانت وفاة الخليفة المقتفى بأمر الله.
ثم دخلت سنة خمس وخمسين وخمسمائة
مرض بالتراقي وقيل بدمل خرج بحلقة، فمات ليلة الأحد ثانى ربيع الأول منها عن ست وستين سنة، إلا ثمانية وعشرين يوما، ودفن بدار الخلافة، ثم نقل إلى الترب، وكانت خلافته أربعا وعشرين سنة وثلاثة أشهر وستة وعشرين يوما، وكان شهما شجاعا مقداما، يباشر الأمور بنفسه، ويشاهد الحروب ويبذل الأموال الكثيرة لأصحاب الأخبار، وهو أول من استبد بالعراق منفردا عن السلطان، من أول أيام الديلم إلى أيامه، وتمكن في الخلافة وحكم على العسكر والأمراء، وقد وافق أباه في أشياء: من ذلك مرضه بالتراقي، وموته في ربيع الأول، وتقدم موت السلطان محمد شاه قبله بثلاثة أشهر، وكذلك أبوه المستظهر مات قبله السلطان محمود بثلاثة أشهر، وبعد غرق بغداد بسنة مات أبوه، وكذلك هذا. قال عفيف الناسخ: رأيت في المنام قائلا يقول: إذا اجتمعت ثلاث خاءات مات المقتفي- يعني خمسا وخمسين وخمسمائة.
لما توفي أبوه كما ذكرنا بويع بالخلافة في صبيحة يوم الأحد ثاني ربيع الأول من هذه السنة، بايعه أشراف بني العباس، ثم الوزير والقضاة والعلماء والأمراء وعمره يومئذ خمس وأربعون سنة، وكان رجلا صالحا، وكان ولي عهد أبيه من مدة متطاولة، ثم عمل عزاء أبيه، ولما ذكر اسمه يوم الجمعة في الخطبة نثرت الدراهم والدنانير على الناس، وفرح المسلمون به بعد أبيه، وأقر الوزير ابن هبيرة على منصبه ووعده بذلك إلى الممات، وعزل قاضي القضاة ابن الدامغاني وولى مكانه أبا جعفر بن عبد الواحد، وكان شيخا كبيرا، له سماع بالحديث، وباشر الحكم بالكوفة، ثم توفى في
ذي الحجة منها. وفي شوال من هذه السنة اتفق الأتراك بباب همذان على سليمان شاه، وخطبوا لأرسلان شاه بن طغرل،
وهو أبو القاسم عيسى بن إسماعيل الظافر، توفى في صفر منها وعمره يومئذ إحدى عشرة سنة، ومدة ولايته من ذلك ست سنين وشهران، وكان مدبر دولته أبو الغارات. ثم قام بعده العاضد آخر خلفائهم، وهو أبو محمد عبد الله بن يوسف بن الحافظ، ولم يكن أبوه خليفة، وكان يومئذ قد ناهز الاحتلام، فقام بتدبير مملكته الملك الصالح طلائع بن رزيك الوزير، أخذ له البيعة وزوجه بابنته، وجهزها بجهاز عظيم يعجز عنه الوصف، وقد عمرت بعد زوجها العاضد ورأت زوال دولة الفاطميين على يد الملك صلاح الدين بن يوسف، في سنة أربع وستين كما سيأتي. وفيها كانت وفاة السلطان الكبير صاحب غزنة.
ابن بهرام شاه بن مسعود بن إبراهيم بن محمود بن سبكتكين، من بيت ملك ورياسة باذخة، يرثونها كابرا عن كابر، وكان من سادات الملوك وأحسنهم سيرة، يحب العلم وأهله، توفى في رجب منها، وقام بعده ولده ملك شاه، فسار إليه علاء الدين الحسين بن الغور فحاصر غزنة فلم يقدر عليها، ورجع خائبا. وفيها مات.
السلجوقي بأصبهان مسموما، فيقال إن الوزير عون الدين بن هبيرة دس إليه من سقاه إياه والله أعلم. وفيها مات أمير الحاج.
سقط عن فرسه وهو يلعب بالكرة بميدان الخليفة، فسال دماغه من أذنه فمات من ساعته، وقد كان من خيار الأمراء، فتأسف الناس عليه، وحضر جنازته خلق كثير، مات في شعبان منها، فحج بالناس فيها الأمير برغش مقطع الكوفة. وحج الأمير الكبير شير كوه بن شاذي، مقدم عساكر الملك نور الدين، وتصدق بأموال كثيرة. وفيها استعفى القاضي زكي الدين أبو الحسن على بن محمد ابن يحيى أبو الحسن القرشي من القضاء بدمشق، فأعفاه نور الدين، وولى مكانه القاضي كمال الدين محمد بن عبد الله الشهرزوري، وكان من خيار القضاة وأكثرهم صدقة، وله صدقات جارية بعده، وكان عالما، وإليه ينسب الشباك الكمالي الذي يجلس فيه الحكام بعد صلاة الجمعة من المشهد الغربي بالجامع الأموي، والله أعلم.
وممن توفي فيها من الأعيان.
نرار بن مامين الكردي، أحد مقدمي جيش الشام، قبل نور الدين وبعده، وقد ناب في مدينة صرخد، وكان شهما شجاعا كثير البر والصدقات، وهو واقف المدرسة المجاهدية بالقرب من الغورية جوار الخيميين، وله أيضا المدرسة المجاهدية داخل باب الفراديس البراني، وبها قبره. وله السبع المجاهدي داخل باب الزيادة من الجامع بمقصورة الخضر، توفى بداره في صفر منها، فحمل إلى الجامع وصلي عليه ثم أعيد إلى مدرسته ودفن بها داخل باب الفراديس، وتأسف الناس عليه.
ابن إسماعيل بن موسى بن مروان بن الحسن بن مروان الهكاري، شيخ الطائفة العدوية، أصله من البقاع غربي دمشق، من قرية بيت نار، ثم دخل إلى بغداد فاجتمع فيها بالشيخ عبد القادر والشيخ حماد الدباس، والشيخ عقيل المنبجي، وأبي ألوفا الحلواني، وأبي النجيب السهروردي وغيرهم، ثم انفرد عن الناس وتخلى بجبل هكار وبنى له هناك زاوية وأعتقده أهل تلك الناحية اعتقادا بليغا، حتى إن منهم من يغلو غلوا كثيرا منكرا ومنهم من يجعله إلها أو شريكا، وهذا اعتقاد فاحش يؤدى إلى الخروج من الدين جملة. مات في هذه السنة بزاويته وله سبعون سنة رحمه الله.
ابن محمد بن حمزة، أبو جعفر الثقفي، قاضي قضاة بغداد، وليها بعد أبي الحسن الدامغاني في أول هذه السنة، وكان قاضيا بالكوفة قبل ذلك، توفى في ذي الحجة منها وقد ناهز الثمانين، وولي بعده ابنه جعفر. والفائز صاحب مصر، وقيماز تقدما في الحوادث.
ابن علي بن مسلم أبو عبد الله الزبيدي، ولد بمدينة زبيد باليمن سنة ثمانين تقريبا، وقدم بغداد سنة تسع وخمسمائة، فوعظ وكانت له معرفة بالنحو والأدب، وكان صبورا على الفقر لا يشكو حاله إلى أحد، وكانت له أحوال صالحة رحمه الله، والله سبحانه أعلم.
النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
