الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / البداية والنهاية / الجزء الثاني عشر / ثم دخلت سنة أربع وأربعين وخمسمائة
140

ثم دخلت سنة أربع وأربعين وخمسمائة

الجزء الثاني عشر 7 عنصر صفحة 224
ثم دخلت سنة أربع وأربعين وخمسمائة ص 224

فيها كانت وفاة القاضي عياض بن موسى بن عياض بن عمرو بن موسى بن عياض بن محمد بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي، قاضيها أحد مشايخ العلماء المالكية، وصاحب المصنفات الكثيرة المفيدة، منها الشفا، وشرح مسلم، ومشارق الأنوار، وغير ذلك، وله شعر حسن، وكان إماما في علوم كثيرة، كالفقه واللغة والحديث والأدب، وأيام الناس، ولد سنة ست وأربعين وأربعمائة، ومات يوم الجمعة في جمادى الآخرة، وقيل في رمضان من هذه السنة، بمدينة سبتة. وفيها غزا الملك نور الدين محمود بن زنكي صاحب حلب بلاد الفرنج، فقتل منهم خلقا، وكان فيمن قتل البرنس صاحب أنطاكية، وفتح شيئا كثيرا من قلاعهم ولله الحمد. وكان قد استنجد بمعين الدين بن أتابك دمشق، فأرسل إليه بفريق من جيشه صحبة الأمير مجاهد الدين بن مروان بن ماس، نائب صرخد فأبلوا بلاء حسنا، وقد قال الشعراء في هذه الغزوة أشعارا كثيرة، منهم ابن القيسراني وغيره، وقد سردها أبو شامة في الروضتين. وفي يوم الأربعاء ثالث ربيع الآخر استوزر للخلافة أبو المظفر يحيى بن هبيرة، ولقب عون الدين، وخلع عليه. وفي رجب قصد الملك شاه بن محمود بغداد ومعه خلق من الأمراء، ومعه علي بن دبيس وجماعة من التركمان وغيرهم، وطلبوا من الخليفة أن يخطب له فامتنع من ذلك، وتكررت المكاتبات، وأرسل الخليفة إلى السلطان مسعود يستحثه في القدوم، فتمادى عليه وضاق النطاق، واتسع الخرق على الراقع، وكتب الملك سنجر إلى ابن أخيه يتوعده إن لم يسرع إلى الخليفة، فما جاء إلا في أواخر السنة، فانقشعت تلك الشرور كلها، وتبدلت سرورا أجمعها. وفي هذه السنة زلزلت الأرض زلزالا شديدا، وتموجت الأرض عشر مرات، وتقطع جبل بحلوان، وانهدم الرباط النهر جوري، وهلك خلق كثير بالبرسام، لا يتكلم المرضى به حتى يموتوا.

وفيها مات سيف الدين غازي بن زنكي صاحب الموصل، وملك بعده أخوه قطب الدين مودود بن

زنكي، وتزوج بامرأة أخيه التي لم يدخل بها، الخاتون بنت تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق، صاحب ماردين، فولدت له أولادا كلهم ملكوا الموصل، وكانت هذه المرأة تضع خمارها بين خمسة عشر ملكا.

وفيها سار نور الدين إلى سنجار ففتحها، فجهز إليه أخوه قطب الدين مودود جيشا ليرده عنها، ثم اصطلحا فعوضه منها الرحبة وحمص، واستمرت سنجار لقطب الدين، وعاد نور الدين إلى بلده. ثم غزا فيها الفرنج فقتل منهم خلقا وأسر البرنس صاحب أنطاكية، فمدحه الشعراء منهم الفتح القيسراني بقصيدة يقول في أولها:

هذي العزائم لا ما تنعق القضب ... وذي المكارم لا ما قالت الكتب

وهذه الهمم اللاتي متى خطبت ... تعثرت خلفها الأشعار والخطب

صافحت يا ابن عماد الدين ذروتها ... براحة للمساعي دونها تعب

ما زال جدك يبني كل شاهقة ... حتى بنى قبة أوتادها الشهب

وفيها فتح نور الدين حصن فاميا وهو قريب من حماة. وفيها مات صاحب مصر الحافظ لدين الله عبد المجيد بن أبى القاسم بن المستنصر، فقام بالأمر من بعده ولده الظافر إسماعيل، وقد كان أحمد بن الأفضل بن أمير الجيوش قد استحوذ على الحافظ وخطب له بمصر ثلاثا، ثم آخر الأمر أذن بحي على خير العمل، والحافظ هذا هو الذي وضع طبل القولنج الذي إذا ضربه من به القولنج يخرج منه القولنج والريح الذي به، وخرج بالحجاج الأمير قطز الخادم فمرض بالكوفة فرجع واستخلف على الحجاج مولاه قيماز، وحين وصوله إلى بغداد توفى بعد أيام، فطمعت العرب في الحجاج فوقفوا لهم في الطريق وهم راجعون، فضعف قيماز عن مقاومتهم فأخذ لنفسه أمانا وهرب وأسلم إليهم الحجيج، فقتلوا أكثرهم وأخذوا أموال الناس، وقل من سلم فيمن نجا، ف إنا لله وإنا إليه راجعون 2: 156. وفيها مات معين الدين بن أتابك العساكر بدمشق، وكان أحد مماليك طغتكين، وهو والد الست خاتون زوجة نور الدين، وهو واقف المدرسة المعينية، داخل باب الفرج، وقبره في قبة قتلى الشامية البرانية، بمحلة العونية، عند دار البطيخ. ولما مات معين الدين قويت شوكة الوزير الرئيس مؤيد الدولة على ابن الصوفي وأخيه زين الدولة حيدرة، ووقعت بينهما وبين الملك مجير الدين أرتق وحشة، اقتضت أنهما جندا من العامة والغوغاء ما يقاومه فاقتتلوا فقتل خلق من الفريقين. ثم وقع الصلح بعد ذلك.

أحمد بن نظام الملك ص 225

أبو الحسن على بن نصر الوزير للمسترشد، والسلطان محمود، وقد سمع الحديث، وكان من خيار الوزراء.

أحمد بن محمد ص 225

ابن الحسين الأرجاني، قاضي تستر، روى الحديث وكان له شعر رائق يتضمن معاني حسنة

فمن ذلك قوله:

ولما بلوت الناس أطلب عندهم ... أخا ثقة عند اعتراض الشدائد

تطعمت في حالي رخاء وشدة ... وناديت في الأحياء هل من مساعد؟

فلم أر فيما ساءني غير شامت ... ولم أر فيما سرني غير حاسد

فطلقت ود العالمين جميعهم ... ورحت فلا ألوى على غير واحد

تمتعتما يا ناظري بنظرة ... وأوردتما قلبي أمر الموارد

أعيني كفا عن فؤادي فإنه ... من البغي سعى اثنين في قتل واحد

والقاضي عياض بن موسى السبتي ص 226

صاحب التصانيف المفيدة ومن شعره قوله:

الله يعلم أنى منذ لم أركم ... كطائر خانه ريش الجناحين

ولو قدرت ركبت الريح نحوكم ... فان بعدكم عنى جنى حينى

وقد ترجمه ابن خلكان ترجمة حسنة.

عيسى بن هبة الله ص 226

ابن عيسى، أبو عبد الله النقاش، سمع الحديث، مولده سنة سبع وخمسين وأربعمائة. قال ابن الجوزي: وكان ظريفا خفيف الروح، له نوادر حسنة رأى الناس، وعاشر الأكياس، وكان يحضر مجلسي ويكاتبني وأكاتبه، كتبت إليه مرة فعظمته في الكتاب فكتب إلي: قد زدتني في الخطاب حتى خشيت نقصا من الزيادة، وله:

إذا وجد الشيخ في نفسه ... نشاطا فذلك موت خفي

ألست ترى أن ضوء السراج ... له لهب قبل أن ينطفي

غازي بن آقسنقر ص 226

الملك سيف الدين صاحب الموصل، وهو أخو نور الدين محمود، صاحب حلب ثم دمشق فيما بعد، وقد كان سيف الدين هذا من خيار الملوك وأحسنهم سيرة، وأجودهم سريرة، وأصبحهم صورة، شجاعا كريما، يذبح كل يوم لجيشه مائة من الغنم، ولمماليكه ثلاثين رأسا، وفي يوم العيد ألف رأس سوى البقر والدجاج، وهو أول من حمل على رأسه سنجق من ملوك الأطراف، وأمر الجند أن لا يركبوا إلا بسيف ودبوس، وبنى مدرسة بالموصل ورباطا للصوفية وامتدحه الحيص بيص فأعطاه ألف دينار عينا، وخلعة. ولما توفي بالحمى في جمادى الآخرة دفن في مدرسته المذكورة، وله من العمر أربعون سنة، وكانت مدة ملكه بعد أبيه ثلاث سنين وخمسين يوما، رحمه الله.

قطز الخادم ص 227

أمير الحاج مدة عشرين سنة وأكثر، سمع الحديث وقرأ على ابن الزاغوني، وكان يحب العلم والصدقة، وكان الحاج معه في غاية الدعة والراحة والأمن، وذلك لشجاعته ووجاهته عند الخلفاء والملوك، توفي ليلة الثلاثاء الحادي عشر من ذي القعدة ودفن بالرصافة.

النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.