ثم دخلت سنة أربع وعشرين وخمسمائة
ص 199
فيها كانت زلزلة عظيمة بالعراق تهدم بسببها دور كثيرة ببغداد. ووقع بأرض الموصل مطر عظيم فسقط بعضه نارا تأجج فأحرقت دورا كثيرة، وخلقا من ذلك المطر وتهارب الناس.
وفيها وجد ببغداد عقارب طيارة لها شوكتان، فخاف الناس منها خوفا شديدا. وفيها ملك السلطان سنجر مدينة سمرقند وكان بها محمد بن خاقان. وفيها ملك عماد الدين زنكي بلادا كثيرة من الجزيرة وهما مع الفرنج، وجرت معهم حروب طويلة، نصر عليهم في تلك المواقف كلها ولله الحمد. وقتل خلقا من جيش الروم حين قدموا الشام، ومدحه الشعراء على ذلك،
قتل خليفة مصر
ص 199
وفي ثاني ذي القعدة قتل الخليفة الفاطمي الآمر بأحكام الله بن المستعلى صاحب مصر، قتله الباطنية وله من العمر أربع وثلاثون سنة، وكانت مدة خلافته تسعا وعشرين سنة وخمسة أشهر
ونصفا، وكان هو العاشر من ولد عبيد الله المهدي، ولما قتل تغلب على الديار المصرية غلام من غلمانه أرمني فاستحوذ على الأمور ثلاثة أيام حتى حضر أبو علي أحمد بن الأفضل بن بدر الجمالي فأقام الخليفة الحافظ أبا الميمون عبد المجيد بن الأمير أبي القاسم بن المستنصر، وله من العمر ثمان وخمسون سنة، ولما أقامه استحوذ على الأمور دونه وحصره في مجلسه، لا يدع أحدا يدخل إليه إلا من يريد هو، ونقل الأموال من القصر إلى داره، ولم يبق للحافظ سوى الاسم فقط.
وممن توفي فيها من الأعيان
إبراهيم بن يحيى بن عثمان بن محمد
ص 200
أبو إسحاق الكلبي من أهل غزة، جاوز الثمانين، وله شعر جيد في الأتراك. فمنه:
في فتية من جيوش الترك ما تركت ... للرعد كراتهم صوتا ولا صيتا
قوم إذا قوبلوا كانوا ملائكة ... حسنا وإن قوتلوا كانوا عفاريتا
وله
ليت الذي بالعشق دونك خصني ... يا ظالمي قسم المحبة بيننا
ألقى الهزبر فلا أخاف وثوبه ... ويرو عنى نظر الغزال إذا دنا
وله
إنما هذه الحياة متاع ... والسفيه الغوي من يصطفيها
ما مضى فات والمؤمل غيب ... ولك الساعة التي أنت فيها
وله أيضا:
قالوا هجرت الشعر قلت ضرورة ... باب الدواعي والبواعث مغلق
خلت الديار فلا كريم يرتجى ... منه النوال ولا مليح يعشق
ومن العجائب أنه لا يشترى ... ويخان فيه مع الكساد ويسرق
كانت وفاته في هذه السنة ببلاد بلخ ودفن بها. ومما أنشده ابن خلكان له:
إشارة منك تكفينا وأحسن ما ... رد السلام غداة البين بالعنم
حتى إذا طاح عنها المرط من دهش ... وانحل بالضم سلك العقد في الظلم
تبسمت فأضاء الليل فالتقطت ... حبات منتثر في ضوء منتظم
محمد بن سعدون بن مرجا
ص 200
أبو عامر العبدري القرشي الحافظ، أصله من بيروقة من بلاد المغرب وبغداد، وسمع بها على طراد الزينبي والحميدي وغير واحد، وكانت له معرفة جيدة بالحديث، وكان يذهب في الفروع مذهب
الظاهرية. توفى في ربيع الآخر في بغداد.