الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
67

ثم دخلت سنة ست عشرة وثلاثمائة

الجزء الحادي عشر 2 عنصر صفحة 156
ثم دخلت سنة ست عشرة وثلاثمائة ص 156

فيها عاث أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الجنابي القرمطى في الأرض فسادا، حاصر الرحبة فدخلها قهرا وقتل من أهلها خلقا، وطلب منه أهل قرقيسيا الأمان فأمنهم، وبعث سراياه إلى ما حولها من الأعراب فقتل منهم خلقا، حتى صار الناس إذا سمعوا بذكره يهربون من سماع اسمه، وقدر على الاعراب إمارة يحملونها إلى هجر في كل سنة، عن كل رأس ديناران. وعاث في نواحي الموصل فسادا، وفي سنجار ونواحيها، وخرب تلك الديار وقتل وسلب ونهب. فقصده مؤنس الخادم فلم يتواجها بل رجع إلى بلده هجر فابتنى بها دارا سماها دار الهجرة، ودعا إلى المهدي الذي ببلاد المغرب بمدينة المهدية. وتفاهم أمره وكثرت أتباعه فصاروا يكبسون القرية من أرض السواد فيقتلون أهلها وينهبون أموالها، ورام في نفسه دخول الكوفة وأخذها فلم يطق ذلك. ولما رأى الوزير على

ابن عيسى ما يفعله هذا القرمطى في بلاد الإسلام، وليس له دافع استعفى من الوزارة لضعف الخليفة وجيشه عنه، وعزل نفسه منها، فسعى فيها علي بن مقلة الكاتب المشهور، فوليها بسفارة نصر الحاجب والى عبد الله البريدي- بالباء الموحدة- من البريد، ويقال اليزيدي لخدمة جده يزيد بن منصور الجهيرى. ثم جهز الخليفة جيشا كثيفا مع مؤنس الخادم فاقتتلوا مع القرامطة فقتلوا من القرامطة خلقا كثيرا، وأسروا منهم طائفة كثيرة من أشرافهم، ودخل بهم مؤنس الخادم بغداد ومعه أعلام من أعلامهم منكسة مكتوب عليها (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض) 28: 5 الآية. ففرح الناس بذلك فرحا شديدا، وطابت أنفس البغاددة، وانكسر القرامطة الذين كانوا قد نشئوا وفشوا بأرض العراق، وفوض القرامطة أمرهم إلى رجل يقال له حريث بن مسعود، ودعوا إلى المهدي الذي ظهر ببلاد المغرب جد الفاطميين، وهم أدعياء كذبة، كما قد ذكر ذلك غير واحد من العلماء.

كما سيأتي تفصيله وبيانه في موضعه. وفيها وقعت وحشة بين مؤنس الخادم والمقتدر، وسبب ذلك أن نازوكا أمير الشرطة وقع بينه وبين هارون بن عريب- وهو ابن خال المقتدر- فانتصر هارون على نازوك وشاع بين العامة أن هارون سيصير أمير الأمراء. فبلغ ذلك مؤنس الخادم وهو بالرقة فأسرع الأوبة إلى بغداد، واجتمع بالخليفة فتصالحا، ثم إن الخليفة نقل هارون إلى دار الخلافة فقويت الوحشة بينهما، وانضم إلى مؤنس جماعة من الأمراء وترددت الرسل بينهما، وانقضت هذه السنة والأمر كذلك. وهذا كله من ضعف الأمور واضطرابها وكثرة الفتن وانتشارها.

وفيها كان مقتل الحسين بن القاسم الداعي العلوي صاحب الري على يد صاحب الديلم وسلطانهم مرداويح المجرم قبحه الله.

بنان بن محمد بن حمدان بن سعيد ص 157

أبو الحسن الزاهد، ويعرف بالحمال، وكانت له كرامات كثيرة، وله منزلة كبيرة عند الناس، وكان لا يقبل من السلطان شيئا، وقد أنكر يوما على ابن طولون شيئا من المنكرات وأمره بالمعروف، فأمر به فألقي بين يدي الأسد، فكان الأسد يشمه ويحجم عنه، فأمر برفعه من بين يديه وعظمه الناس جدا، وسأله بعض الناس عن حاله حين كان بين يدي الأسد فقال له: لم يكن علي بأس. قد كنت أفكر في سؤر السباع واختلاف العلماء فيه هل هو طاهر أم نجس. قالوا: وجاءه رجل فقال له:

إن لي على رجل مائة دينار، وقد ذهبت الوثيقة، وأنا أخشى أن ينكر الرجل، فأسألك أن تدعو لي بأن يرد الله على الوثيقة. فقال بنان: إني رجل قد كبرت سنى ورق عظمي، وأنا أحب الحلواء، فاذهب فاشتر لي منها رطلا وأتني به حتى أدعو لك. فذهب الرجل فاشترى الرطل ثم جاء به إليه ففتح الورقة التي فيها الحلواء فإذا هي حجته بالمائة دينار. فقال له: أهذه حجتك؟ قال: نعم. قال: خذ

حجتك وخذ الحلواء فأطعمها صبيانك. ولما توفي خرج أهل مصر في جنازته تعظيما له وإكراما لشأنه.

وفيها توفى محمد بن عقيل البلخي. وأبو بكر بن أبي داود السجستاني الحافظ بن الحافظ. وأبو عوانة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الأسفراييني، صاحب الصحيح المستخرج على مسلم، وقد كان من الحفاظ المكثرين، والأئمة المشهورين. ونصر الحاجب، كان من خيار الأمراء، دينار عاقلا، أنفق من ماله في حرب القرامطة مائة ألف دينار. وخرج بنفسه محتسبا فمات في أثناء الطريق في هذه السنة. وكان حاجبا للخليفة المقتدر.

النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.