الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
66

ثم دخلت سنة خمس عشرة وثلاثمائة

الجزء الحادي عشر 3 عنصر صفحة 153
ثم دخلت سنة خمس عشرة وثلاثمائة ص 153

في صفر منها كان قدوم علي بن عيسى الوزير من دمشق، وقد تلقاه الناس إلى أثناء الطريق، فمنهم من لقيه إلى الأنبار، ومنهم دون ذلك. وحين دخل إلى الخليفة خاطبه الخليفة فأحسن مخاطبته ثم انصرف إلى منزله، فبعث الخليفة وراءه بالفرش والقماش وعشرين ألف دينار، واستدعاه من الغد فخلع عليه فأنشد وهو في الخلعة:

ما الناس إلا مع الدنيا وصاحبها ... فكيف ما انقلبت به انقلبوا

يعظمون أخا الدنيا فإن وثبت ... يوما عليه بما لا يشتهي وثبوا

وفيها جاءت الكتب بأن الروم دخلوا شميساط وأخذوا جميع ما فيها، ونصبوا فيها خيمة الملك

وضربوا الناقوس في الجامع بها، فأمر الخليفة مؤنس الخادم بالتجهيز إليهم، وخلع عليه خلعة سنية.

ثم جاءت الكتب بأن المسلمين وثبوا على الروم فقتلوا منهم خلقا كثيرا جدا فلله الحمد والمنة. ولما تجهز مؤنس للمسير جاءه بعض الخدم فأعلمه أن الخليفة يريد أن يقبض عليه إذا دخل لوداعه، وقد حضرت له ريبة في دار الخلافة مغطاة ليقع فيها، فأحجم عن الذهاب. وجاءت الأمراء إليه من كل جانب ليكونوا معه على الخليفة، فبعث إليه الخليفة رقعة فيها خطه يحلف له أن هذا الأمر الذي بلغه ليس بصحيح. فطابت نفسه وركب إلى دار الخلافة في غلمانه، فلما دخل على الخليفة خاطبه مخاطبة عظيمة. وحلف أنه طيب القلب عليه، وله عنده الصفاء الذي يعرفه. ثم خرج من بين يديه معظما مكرما وركب العباس بن الخليفة والوزير ونصر الحاجب في خدمته لتوديعه، وكبر الأمراء بين يديه مثل الحجبة، وكان خروجه يوما مشهودا، قاصدا بلاد الثغور لقتال الروم. وفي جمادى الأولى منها قبض على رجل خناق قد قتل خلقا من النساء، وكان يدعى لهن أنه يعرف العطف والتنجيم، فقصده النساء لذلك فإذا انفرد بالمرأة قام إليها ففعل معها الفاحشة وخنقها بوتو وأعانته امرأته وحفر لها في داره فدفنها، فإذا امتلأت تلك الدار من القتلى انتقل إلى دار أخرى. ولما ظهر عليه وجد في داره التي هو فيها أخيرا سبع عشرة امرأة قد خنقهن، ثم تتبعت الدور التي سكنها فوجدوه قد قتل شيئا كثيرا من النساء، فضرب ألف سوط ثم خنق حتى مات. وفيها كان ظهور الديلم قبحهم الله ببلاد الري، وكان فيهم ملك غلب على أمرهم يقال له مرداويح، يجلس على سرير من ذهب وبين يديه سرير من فضة، ويقول: أنا سليمان بن داود. وقد سار في أهل الري وقزوين وأصبهان سيرة قبيحة جدا، فكان يقتل النساء والصبيان في المهد، ويأخذ أموال الناس، وهو في غاية الجبروت والشدة والجرأة على محارم الله عز وجل، فقتلته الأتراك وأراح الله المسلمين من شره.

وفيها كانت بين يوسف بن أبي الساج وبين أبي طاهر القرمطى عند الكوفة موقعة فسبقه إليها أبو طاهر فحال بينه وبينها، فكتب إليه يوسف بن أبى الساج: اسمع وأطمع وإلا فاستعد للقتال يوم السبت تاسع شوال منها، فكتب إليه: هلم. فسار إليه، فلما تراءى الجمعان استقل يوسف جيش القرمطى، وكان مع يوسف بن أبى الساج عشرون ألفا، ومع القرمطى ألف فارس وخمسمائة رجل. فقال يوسف: وما قيمة هؤلاء الكلاب؟ وأمر الكاتب أن يكتب بالفتح إلى الخليفة قبل اللقاء، فلما اقتتلوا ثبت القرامطة ثباتا عظيما، ونزل القرمطى فحرض أصحابه وحمل بهم حملة صادقة، فهزموا جند الخليفة، وأسروا يوسف ابن أبى الساج أمير الجيش، وقتلوا خلقا كثيرا من جند الخليفة، واستحوذوا على الكوفة، وجاءت الأخبار بذلك إلى بغداد، وشاع بين الناس أن القرامطة يريدون أخذ بغداد، فانزعج الناس لذلك وظنوا صدقه، فاجتمع الوزير بالخليفة وقال: يا أمير المؤمنين إن الأموال إنما تدخر لتكون عونا على

قتال أعداء الله، وإن هذا الأمر لم يقع أمر بعد زمن الصحابة أفظع منه، قد قطع هذا الكافر طريق الحج على الناس، وفتك في المسلمين مرة بعد مرة، وإن بيت المال ليس فيه شيء، فاتق الله يا أمير المؤمنين وخاطب السيدة- يعنى أمه- لعل أن يكون عندها شيء ادخرته لشدة، فهذا وقته. فدخل على أمه فكانت هي التي ابتدأته بذلك، وبذلت له خمسمائة ألف دينار، وكان في بيت المال مثلها، فسلمها الخليفة إلى الوزير ليصرفها في تجهيز الجيوش لقتال القرامطة، فجهز جيشا أربعين ألف مقاتل مع أمير يقال له بلبق، فسار نحوهم، فلما سمعوا به أخذوا عليه الطرقات، فأراد دخول بغداد فلم يمكنه، ثم التقوا معه فلم يلبث بلبق وجيشه أن انهزم، ف إنا لله وإنا إليه راجعون. 2: 156 وكان يوسف بن أبي الساج معهم مقيدا في خيمة فجعل ينظر إلى محل الوقعة، فلما رجع القرمطي قال: أردت أن تهرب؟ فأمر به فضربت عنقه. ورجع القرمطي من ناحية بغداد إلى الأنبار. ثم انصرف إلى هيت فأكثر أهل بغداد الصدقة، وكذلك الخليفة وأمه والوزير شكرا لله على صرفه عنهم. وفيها بعث المهدي المدعى أنه فاطمي ببلاد المغرب ولده أبا القاسم في جيش إلى بلاد منها، فانهزم جيشه وقتل من أصحابه خلق كثير. وفيها اختط المهدي المذكور مدينته المحمدية. وفيها حاصر عبد الرحمن بن الداخل إلى بلاد المغرب الأموي مدينة طليطلة، وكانوا مسلمين، لكنهم نقضوا عهده ففتحها قهرا وقتل خلقا من أهلها.

ابن الجصاص الجوهري ص 155

واسمه الحسين بن عبد الله بن الجصاص الجوهري أبو عبد الله البغدادي، كان ذا مال عظيم وثروة واسعة، وكان أصل نعمته من بيت أحمد بن طولون، كان قد جعله جوهر يا له يسوق له ما يقع من نفائس الجواهر بمصر، فاكتسب بسبب ذلك أموالا جزيلة جدا. قال ابن الجصاص: كنت يوما بباب ابن طولون إذ خرجت القهرمانة وبيدها عقد فيه مائة حبة من الجوهر، تساوى كل واحدة ألفى دينار. قالت: أريد أن تأخذ هذا فتخرطه حتى يكون أصغر من هذا الحجم. فإن هذا نافر عما يريدونه.

فأخذته منها وذهبت به إلى منزلي وجعلت جواهر أصغر منه تساوى أقل من عشر قيمة تلك بكثير، فدفعتها إليها وفزت أنا بذلك الذي جاءت به، وأرادت خرطه وإتلافه. فكانت قيمته مائتي ألف دينار. واتفق أنه صودر في أيام المقتدر مصادرة عظيمة، أخذ منه فيها ما يقاوم ستة عشر ألف ألف دينار، وبقي معه من الأموال شيء كثير جدا. قال بعض التجار: دخلت عليه فوجدته يتردد في منزله كأنه مجنون، فقلت له: مالك هكذا؟ فقال: ويحك، أخذ مني كذا وكذا فأنا أحسن أن روحي ستخرج، فعذرته ثم أخذت في تسليته فقلت له: إن دورك وبساتينك وضياعك الباقية تساوي سبعمائة ألف دينار، واصدقني كم بقي عندك من الجواهر والمتاع؟ فإذا شيء يساوى ثلاثمائة ألف دينار

غير ما بقي عنده من الذهب والفضة المصكوكة. فقلت له: إن هذا أمر لا يشاركك فيه أحد من النجار ببغداد، مع مالك من الوجاهة عند الدولة والناس. قال: فسري عنه وتسلى عما فات وأكل- وكان له ثلاثة أيام لم يأكل شيئا- ولما خلص في مصادرة المقتدر بشفاعة أمه السيدة فيه حكى عن نفسه قال:

نظرت في دار الخلافة إلى مائة خيشة، فيها متاع رث مما حمل إلى من مصر، وهو عندهم في دار مضيعة وكان لي في حمل منها ألف دينار موضوعة في مصر لا يشعر بها أحد، فاستوهبت ذلك من أم المقتدر فكلمت في ذلك ولدها فأطلقه إلى فتسلمته فإذا الذهب لم ينقص منه شيء وقد كان ابن الجصاص مع ذلك مغفلا شديد التغفل في كلامه وأفعاله، وقد ذكر عنه أشياء تدل على ذلك، وقيل إنه إنما كان يظهر ذلك قصدا ليقال أنه مغفل، وقيل إنه كان يقول ذلك على سبيل البسط والدعابة والله سبحانه أعلم.

وفيها توفي عبد الله بن محمد القزويني.

و

على بن سليمان بن المفضل ص 156

أبو الحسن الأخفش، روى عن المبرد وثعلب واليزيدي وغيرهم، وعنه الروياني والمعافى وغيرهما.

وكان ثقة في نقله، فقيرا في ذات يده، توصل إلى أبي علي بن مقلة حتى كلم فيه الوزير علي بن عيسى في أن يرتب له شيئا فلم يجبه إلى ذلك، وضاق به الحال حتى كان يأكل اللفت النيء فمات فجأة من كثرة أكله في شعبان منها. وهذا هو الأخفش الصغير، والأوسط وهو سعيد بن مسعدة تلميذ سيبويه. وأما الكبير فهو أبو الخطاب عبد الحميد بن عبد المجيد، من أهل هجر، وهو شيخ سيبويه وأبى عبيد وغيرهما. وقيل إن أبا بكر محمد بن السري السراج النحوي صاحب الأصول في النحو فيها مات. قاله ابن الأثير. ومحمد بن المسيب الأرغياني.

النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.