الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / البداية والنهاية / الجزء الحادي عشر / ثم دخلت سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة
131

ثم دخلت سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة

الجزء الحادي عشر 4 عنصر صفحة 307
ثم دخلت سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة ص 307

فيها كان القبض على الخليفة الطائع لله وخلافة والقادر بالله أبي العباس أحمد بن الأمير إسحاق ابن المقتدر بالله، وكان ذلك في يوم السبت التاسع عشر من شعبان منها، وذلك أنه جلس الخليفة على عادته في الرواق وقعد الملك بهاء الدولة على السرير، ثم أرسل من اجتذب الخليفة بحمائل سيفه

عن السرير ولفوه في كساء وحملوه إلى الخزانة بدار المملكة، وتشاغل الناس بالنهب ولم يدر أكثر الناس ما الخطب وما الخبر، حتى أن كبير المملكة بهاء الدولة ظن الناس أنه هو الذي مسك، فنهبت الخزائن والحواصل والقفصي من أثاث دار الخلافة، حتى أخذت ثياب الأعيان والقضاة والشهود وجرت كائنة عظيمة جدا، ورجع بهاء الدولة إلى داره وكتب على الطائع كتابا بالخلع من الخلافة، وأشهد عليه الأشراف وغيرهم أنه قد خلع نفسه من الخلافة وسلمها إلى القادر بالله، ونودي بذلك في الأسواق، وسبقت الديلم والأتراك وطالبوا برسم البيعة، وراسلوا بهاء الدولة في ذلك وتطاول الأمر في يوم الجمعة، ولم يمكنوا من الدعاء له على المنبر بصريح اسمه، بل قالوا اللهم أصلح عبدك وخليفتك القادر بالله، ثم أرضوا وجوههم وأكابرهم وأخذت البيعة له واتفقت الكلمة، وأمر بهاء الدولة بتحويل جميع ما في دار الخلافة من الأواني والإناث وغيره إلى داره، وأبيحت للعامة والخاصة، فقلعوا وشعثوا أبنيتها، هذا والخليفة القادر قد هرب إلى أرض البطيحة من الطائع حين كان يطلبه، ولما رجع إلى بغداد ما نعته الديلم من الدخول إليها حتى يعطيهم رسم البيعة، وجرت بينهم خطوب طويلة، ثم رضوا عنه ودخل بغداد، وكانت مدة هربه إلى أرض البطيحة ثلاث سنين. ولما دخل بغداد جلس في اليوم الثاني جلوسا عاما إلى التهنئة وسماع المدائح والقصائد فيه، وذلك في العشر الأخير من شوال، ثم خلع على بهاء الدولة وفوض إليه ما وراء بابه، وكان الخليفة القادر بالله من خيار الخلفاء وسادات العلماء في ذلك الزمان، وكان كثير الصدقة حسن الاعتقاد، وصنف قصيدة فيها فضائل الصحابة وغير ذلك، فكانت تقرأ في حلق أصحاب الحديث كل جمعة في جامع المهدي، وتجتمع الناس لسماعها مدة خلافته، وكان ينشد هذه الأبيات يترنم بها وهي لسابق البربري:

سبق القضاء بكل ما هو كائن ... والله يا هذا لرزقك ضامن

تعنى بما تكفى وتترك ما به ... تعنى كأنك للحوادث آمن

أو ما ترى الدنيا ومصرع أهلها ... فاعمل ليوم فراقها يا خائن

واعلم بأنك لا أبا لك في الذي ... أصبحت تجمعه لغيرك خازن

يا عامر الدنيا أتعمر منزلا ... لم يبق فيه مع المنية ساكن

الموت شيء أنت تعلم أنه ... حق وأنت بذكره متهاون

إن المنية لا تؤامر من أتت ... في نفسه يوما ولا تستأذن

وفي اليوم الثالث عشر من ذي الحجة- وهو يوم غدير خم- جرت فتنة بين الروافض والسنة واقتتلوا فقتل منهم خلق كثير، واستظهر أهل باب البصرة وحرقوا أعلام السلطان، فقتل جماعة اتهموا بفعل ذلك، وصلبوا على القناطر ليرتدع أمثالهم. وفيها ظهر أبو الفتوح الحسين بن جعفر

العلوي أمير مكة، وادعى أنه خليفة، وسمى نفسه الراشد بالله، فمالأه أهل مكة وحصل له أموال من رجل أوصى له بها، فانتظم أمره بها، وتقلد سيفا وزعم أنه ذو الفقار، وأخذ بيده قضيبا زعم أنه كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قصد بلاد الرملة ليستعين بعرب الشام، فتلقوه بالرحب وقبلوا له الأرض، وسلموا عليه بأمير المؤمنين، وأظهر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحدود. ثم إن الحاكم صاحب مصر- وكان قد قام بالأمر من بعد أبيه العزيز في هذه السنة- بعث إلى عرب الشام بملطفات ووعدهم من الذهب بألوف ومئات، وكذلك إلى عرب الحجاز، واستناب على مكة أميرا وبعث إليه بخمسين ألف دينار، فانتظم أمر الحاكم وتمزق أمر الراشد، وانسحب إلى بلاده كما بدأ منها، وعاد إليها كما خرج عنها، واضمحل حاله وانتقضت حباله، وتفرق عنه رجاله.

أحمد بن الحسن بن مهران ص 309

أبو بكر المقري، توفى في شوال منها عن ست وثمانين سنة، واتفق له أنه مات في يوم وفاته أبو الحسن العامري الفيلسوف، فرأى بعض الصالحين أحمد بن الحسين بن مهران هذا في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: أقام أبا الحسن العامري بجانبي، وقال هذا فداؤك من النار.

عبد الله بن أحمد بن معروف ص 309

أبو محمد قاضى قضاة بغداد، روى عن ابن صاعد وعنه الخلال والأزهري وغيرهما، وكان من العلماء الثقات العقلاء الفطناء، حسن الشكل جميل اللبس، عفيفا من الأموال، توفي عن خمس وسبعين سنة، وصلى عليه أبو أحمد الموسوي، فكبر عليه خمسا، ثم صلى عليه ابنه بجامع المنصور فكبر عليه أربعا، ثم دفن في داره سامحه الله.

جوهر بن عبد الله ص 309

القائد باني القاهرة، أصله أرمنى ويعرف بالكاتب، أخذ مصر بعد موت كافور الإخشيدي، أرسله مولاه العزيز الفاطمي إليها في ربيع الأول سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، فوصل إليها في شعبان منها في مائة ألف مقاتل، ومائتي صندوق لينفقه في عمارة القاهرة، فبرزوا لقتاله فكسرهم وجدد الأمان لأهلها، ودخلها يوم الثلاثاء لثمان عشرة خلت من شعبان، فشق مصر ونزل في مكان القاهرة اليوم، وأسس من ليلته القصرين وخطب يوم الجمعة الآتية لمولاه، وقطع خطبة بنى العباس، وذكر في خطبته الأئمة الاثني عشر، وأمر فأذن بحي على خير العمل، وكان يظهر الإحسان إلى الناس، ويجلس كل يوم سبت مع الوزير ابن الفرات والقاضي، واجتهد في تكميل القاهرة وفرغ من جامعها الأزهر سريعا، وخطب به في سنة إحدى وستين، وهو الذي يقال له الجامع الأزهر، ثم أرسل جعفر بن فلاح إلى الشام فأخذها، ثم قدم مولاه المعز في سنة اثنتين وستين كما تقدم، فنزل بالقصرين

ولم تزل منزلته عالية عنده إلى أن مات في هذه السنة، وقام مكانه الحسين الذي كان يقال له قائد القواد، وهو أكبر أمراء الحاكم، ثم كان قتله على يديه في سنة إحدى وأربعمائة، وقتل معه صهره زوج أخته القاضي عبد العزيز بن النعمان، وأظن هذا القاضي هو الذي صنف البلاغ الأكبر، والناموس الأعظم، الذي فيه من الكفر ما لم يصل إبليس إلى مثله، وقد رد على هذا الكتاب أبو بكر الباقلاني رحمه الله.

النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.