ثم دخلت سنة أربع وستين وثلاثمائة
ص 278
فيها جاء عضد الدولة بن ركن الدولة بن بويه إلى واسط ومعه وزير أبيه أبو الفتح بن العميد، فهرب منه الفتكين في الأتراك إلى بغداد، فسار خلفهم فنزل في الجانب الشرقي منها، وأمر بختيار أن ينزل على الجانب الغربي، وحصر الترك حصرا شديدا، وأمر أمراء الأعراب أن يغيروا على الأطراف ويقطعوا عن بغداد الميرة الواصلة إليها، فغلت الأسعار وامتنع الناس من المعاش من كثرة العيارين والنهوب، وكبس الفتكين البيوت لطلب الطعام واشتد الحال، ثم التقت الأتراك وعضد الدولة فكسرهم وهربوا إلى تكريت واستحوذ عضد الدولة على بغداد وما والاها من البلاد، وكانت الترك قد أخرجوا معهم الخليفة فرده عضد الدولة إلى دار الخلافة مكرما، ونزل هو بدار الملك وضعف أمر بختيار جدا، ولم يبق معه شيء بالكلية، فأغلق بابه وطرد الحجبة والكتاب عن بابه واستعفى عن الإمارة، وكان ذلك بمشورة عضد الدولة، فاستعطفه عضد الدولة في الظاهر، وقد أشار عليه في الباطن أن لا يقبل فلم يقبل. وترددت الرسل بينهما فصمم بختيار على الامتناع ظاهرا، فألزم عضد الدولة بذلك وأظهر للناس أنه إنما يفعل هذا عجزا منه عن القيام بأعباء الملك فأمر بالقبض على بختيار وعلى أهله واخوته، ففرح بذلك الخليفة الطائع، وأظهر عضد الدولة من تعظيم الخلافة ما كان دارسا، وجدد دار الخلافة حتى صار كل محل منها آنسا، وأرسل إلى الخليفة بالأموال والأمتعة الحسنة العزيزة وقتل المفسدين من مردة الترك وشطار العيارين.
قال ابن الجوزي: وفي هذه السنة عظم البلاء بالعيارين ببغداد، وأحرقوا سوق باب الشعير، وأخذوا أموالا كثيرة، وركبوا الخيول وتلقبوا بالقواد، وأخذوا الخفر من الأسواق والدروب،
وعظمت المحنة بهم جدا واستفحل أمرهم، حتى إن رجلا منهم أسود كان مستضعفا نجم فيهم وكثر ماله حتى اشترى جارية بألف دينار، فلما حصلت عنده حاولها عن نفسها فأبت عليه فقال لها:
ماذا تكرهين مني؟ قالت: أكرهك كلك. فقال: فما تحبين؟ فقالت تبيعني. فقال: أو خير من ذلك؟ فحملها إلى القاضي فأعتقها وأعطاها ألف دينار وأطلقها، فتعجب الناس من حلمه وكرمه مع فسقه وقوته. قال: وورد الخبر في المحرم بأنه خطب للمعز الفاطمي بمكة والمدينة في الموسم، ولم يخطب للطائع. قال: وفي رجب منها غلت الأسعار ببغداد حتى بيع الكر الدقيق الحوارى بمائة ونيف وسبعين دينارا. قال: وفيها اضمحل أمر عضد الدولة بن بويه وتفرق جنده عنه ولم يبق معه سوى بغداد وحدها، فأرسل إلى أبيه يشكو له ذلك، فأرسل يلومه على الغدر بابن عمه بختيار، فلما بلغه ذلك خرج من بغداد إلى فارس بعد أن أخرج ابن عمه من السجن وخلع عليه وأعاده إلى ما كان عليه، وشرط عليه أن يكون نائبا له بالعراق يخطب له بها، وجعل معه أخاه أبا إسحاق أمير الجيوش لضعف بختيار عن تدبير الأمور، واستمر ذاهبا إلى بلاده، وذلك كله عن أمر أبيه له بذلك، وغضبه عليه بسبب غدره بابن عمه وتكرار مكاتباته فيه إليه. ولما سار ترك بعده وزير أبيه أبا الفتح بن العميد، ولما استقر عز الدولة بختيار ببغداد وملك العراق لم يف لابن عمه عضد الدولة بشيء مما قال، ولا ما كان التزم، بل تمادى على ضلاله القديم، واستمر على مشيه الذي هو غير مستقيم، من الرفض وغيره.
قال: وفي يوم الخميس لعشر خلون من ذي القعدة تزوج الخليفة الطائع شاه باز بنت عز الدولة على صداق مائة ألف دينار، وفي سلخ ذي العقدة عزل القاضي أبو الحسن محمد بن صالح بن أم شيبان وقلده أبو محمد معروف. وإمام الحج فيها أصحاب الفاطمي، وخطب له بالحرمين دون الطائع والله سبحانه أعلم.
ذكر أخذ دمشق من أيدي الفاطميين
ص 279
ذكر ابن الأثير في كامله أن الفتكين غلام معز الدولة الذي كان قد خرج عن طاعته كما تقدم، والتف عليه عساكر وجيوش من الديلم والترك والأعراب، نزل في هذه السنة على دمشق، وكان عليها من جهة الفاطميين ريان الخادم، فلما نزل بظاهرها خرج إليه كبراء أهلها وشيوخها فذكروا له ما هم فيه من الظلم والغشم ومخالفة الاعتقاد بسبب الفاطميين، وسألوه أن يصمم على أخذها ليستنقذها منهم، فعند ذلك صمم على أخذها ولم يزل حتى أخذها وأخرج منها ريان الخادم وكسر أهل الشر بها، ورفع أهل الخير، ووضع في أهلها العدل وقمع أهل اللعب واللهو، وكف أيدي الأعراب الذين كانوا قد عاثوا في الأرض فسادا، وأخذوا عامة المرج والغوطة، ونهبوا أهلها. ولما استقامت الأمور على يديه وصلح أمر أهل الشام كتب إليه المعز الفاطمي يشكر سعيه ويطلبه إليه
ليخلع عليه ويجعله نائبا من جهته، فلم يجبه إلى ذلك، بل قطع خطبته من الشام وخطب للطائع العباسي، ثم قصد صيدا وبها خلق من المغاربة عليهم ابن الشيخ، وفيهم ظالم بن موهوب العقيلي الذي كان نائبا على دمشق للمعز الفاطمي، فأساء بهم السيرة، فحاصرهم ولم يزل حتى أخذ البلد منهم، وقتل منهم نحوا من أربعة آلاف من سراتهم، ثم قصد طبرية ففعل بأهلها مثل ذلك، فعند ذلك عزم المعز الفاطمي على المسير إليه، فبينما هو يجمع له العساكر إذ توفى المعز في سنة خمس وستين كما سيأتي، وقام بعده ولده العزيز، فاطمأن عند ذلك الفتكين بالشام، واستفحل أمره وقويت شوكته، ثم اتفق أمر المصريين على أن يبعثوا جوهرا القائد لقتاله وأخذ الشام من يده، فعند ذلك حلف أهل الشام لأفتكين أنهم معه على الفاطميين، وأنهم ناصحون له غير تاركيه وجاء جوهر فحصر دمشق سبعة أشهر حصرا شديدا ورأى من شجاعة الفتكين ما بهره، فلما طال الحال أشار من أشار من الدماشقة على الفتكين أن يكتب إلى الحسين بن أحمد بن القرمطى وهو بالحساء، ليجيء إليه، فلما كتب إليه أقبل لنصره، فلما سمع به جوهر لم يمكنه أن يبقى بين عدوين من داخل البلد وخارجها، وفارتحل قاصدا الرملة فتبعه الفتكين والقرمطي في نحو من خمسين ألفا، فتواقعوا عند نهر الطواحين على ثلاث فراسخ من الرملة، وحصروا جوهرا بالرملة فضاق حاله جدا من قلة الطعام والشراب، حتى أشرف هو ومن معه على الهلاك، فسأل من الفتكين على أن يجتمع هو وهو على ظهور الخيل، فأجابه إلى ذلك، فلم يزل يترفق له أن يطلقه حتى يذهب بمن معه من أصحابه إلى أستاذه شاكرا له مثنيا عليه الخير، ولا يسمع من القرمطى فيه- وكان جوهر داهية- فأجابه إلى ذلك فندمه القرمطي وقال: الرأي أنا كنا نحصرهم حتى يموتوا عن آخرهم فإنه يذهب إلى أستاذه ثم يجمع العساكر ويأتينا، ولا طاقة لنا به. وكان الأمر كما قال، فإنه لما أطلقه الفتكين من الحصر لم يكن له دأب إلا أنه حث العزيز على الخروج إلى الفتكين بنفسه، فأقبل في جحافل أمثال الجبال، وفي كثرة من الرجال والعدد والأثقال والأموال، وعلى مقدمته جوهر القائد. وجميع الفتكين والقرمطي الجيوش والأعراب وساروا إلى الرملة فاقتتلوا في محرم سنة سبع وستين، ولما تواجهوا رأى العزيز من شجاعة الفتكين ما بهره، فأرسل إليه يعرض عليه إن أطاعه ورجع إليه أن يجعله مقدم عساكره، وأن يحسن إليه غاية الإحسان. فترجل أفتكين عن فرسه بين الصفين وقبل الأرض نحو العزيز، وأرسل إليه يقول: لو كان هذا القول سبق قبل هذا الحال لأمكنني وسارعت وأطعت، وأما الآن فلا. ثم ركب فرسه وحمل على ميسرة العزيز ففرق شملها وبدد خيلها ورجلها، فبرز عند ذلك العزيز من القلب وأمر الميمنة فحملت حملة صادقة فانهزم القرمطي وتبعه بقية الشاميين وركبت المغاربة أقفيتهم يقتلون ويأسرون من شاءوا، وتحول العزيز فنزل خيام الشاميين بمن معه، وأرسل السرايا وراءهم،
وجعل لا يؤتى بأسير إلا خلع على من جاء به، وجعل لمن جاءه الفتكين مائة ألف دينار، فاتفق أن الفتكين عطش عطشا شديدا، فاجتاز بمفرج بن دغفل، وكان صاحبه، فاستسقاه فسقاه وأنزله عنده في بيوته، وأرسل إلى العزيز يخبره بأن طلبته عنده، فليحمل المال إلى وليأخذ غريمه، فأرسل إليه بمائة ألف دينار وجاء من تسلمه منه، فلما أحيط بالفتكين لم يشك أنه مقتول، فما هو إلا أن حضر عند العزيز أكرمه غاية الإكرام، ورد إليه حواصله وأمواله لم يفقد منها شيئا، وجعله من أخص أصحابه وأمرائه، وأنزله إلى جانب منزله، ورجع به إلى الديار المصرية مكرما معظما، وأقطعه هنالك إقطاعات جزيلة، وأرسل إلى القرمطى أن يقدم عليه ويكرمه كما أكرم الفتكين، فامتنع عليه وخاف منه، فأرسل إليه بعشرين ألف دينار، وجعلها له عليه في كل سنة، يكف بها شره، ولم يزل الفتكين مكرما عند العزيز حتى وقع بينه وبين الوزير ابن كاس، فعمل عليه حتى سقاه سما فمات، وحين علم العزيز بذلك غضب على الوزير وحبسه بضعا وأربعين يوما، وأخذ منه خمسمائة ألف دينار ثم رأى أن لا غنى به عنه فأعاده إلى الوزارة. وهذا ملخص ما ذكره ابن الأثير.
سبكتكين الحاجب التركي
ص 281
مولى المعز الديلمي وحاجبه، وقد ترقى في المراتب حتى آل به الأمر إلى أن قلده الطائع الإمارة وخلع عليه وأعطاه اللواء، ولقبه بنور الدولة، وكانت مدة أيامه في هذا المقام شهرين وثلاثة عشر يوما، ودفن ببغداد وداره هي دار الملك ببغداد، وهي دار عظيمة جدا، وقد اتفق له أنه سقط مرة عن فرسه فانكسر صلبه فداواه الطبيب حتى استقام ظهره وقدر على الصلاة إلا أنه لا يستطيع الركوع، فأعطاه شيئا كثيرا من الأموال، وكان يقول للطبيب: إذا ذكرت وجعي ومداواتك لي لا أقدر على مكافأتك، ولكن إذا تذكرت وضعك قدميك على ظهري اشتد غضبى منك. توفى ليلة الثلاثاء لسبع بقين من المحرم منها، وقد ترك من الأموال شيئا كثيرا جدا، من ذلك ألف ألف دينار وعشرة آلاف ألف درهم، وصندوقان من جوهر، وخمسة عشر صندوقا من البلور، وخمسة وأربعين صندوقا من آنية الذهب، ومائة وثلاثون كوكبا من ذهب، منها خمسون وزن كل واحد ألف دينار، وستمائة مركب من فضة وأربعة آلاف ثوب من ديباج، وعشرة آلاف ديبقي وعتابي، وثلاثمائة عدل معكومة من الفرش، وثلاثة آلاف فرس وألف جمل وثلاثمائة غلام وأربعون خادما وذلك غير ما أودع عند أبي بكر البزار. وكان صاحبه.
النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.